الخميس , 2 يوليو 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 وباء التطبيع والارتزاق وانهيار القيم الأخلاقية
وباء التطبيع والارتزاق وانهيار القيم الأخلاقية

وباء التطبيع والارتزاق وانهيار القيم الأخلاقية

موسى مراغة

يا روح لا تحزني/ ويا قلب ضلك هني/ زوار جينا عا الدني/ والعمر بحر ونهار/ زوار جينا عالدني/ ياها الفقير وهالغني / راس الشجاع ما بينحني/ لو صار مهما صار/ الذل طعمه مر/ ما بيطيقو الحر.

من منا لم يسمع هذا الكلمات ولحنها وأداءها الشجي، من منا لم يحفظها ولم يزل يرددها وحفرت عميقاً في الذاكرة والوجدان ورغم مرور ما يقارب من ثلاثين سنة  على تأليفها.

لمن لا يذكر أو نسي، أنها شارة المسلسل التلفزيوني الشهير «نهاية رجل شجاع» عن رواية الكاتب الكبير الراحل حنا مينة، ومن اخراج نجدت إسماعيل أنزور، والذي شكل حينها انعطافة في الدراما التلفزيونية بأسلوبه وإيقاعه وإخراجه.

مناسبة الكلام عن تلك الأغنية والمسلسل، هو الحديث عن الملحن والمؤلف الموسيقي لتلك الكلمات الجميلة ومبدع اللحن والموسيقى التصويرية لذلك المسلسل ألا وهو «طارق الناصر»، والذي  أيضاَ شكل فتحاً جديداً في عالم الموسيقى التصويرية والألحان من خلال ما قدمه في هذا المسلسل «نهاية رجل شجاع» أو في الأعمال والمسلسلات التلفزيونية الأخرى التي اضطلع بها، نذكر منها مسلسلات الجوارح، الكواسر، أخوة التراب، ملوك الطوائف، الملك فاروق، إلى جانب قيادته لفرقة «رم» الأردنية التي عنيت بالتراث والموسيقى والغناء الأردني، وكذلك إشرافه على فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، والذي قام من خلالها بإعادة احياء وتقديم الأغاني والمقطوعات الموسيقية التراثية لمنطقة بلاد الشام.

طارق الناصر هذا وبعد هذا السجل الحافل من الأعمال والمؤلفات الموسيقية والتي أصابها النجاح، وحظيت بالنقد الإيجابي ونال لأجلها الجوائز العربية والعالمية، طارق الناصر يتوج مؤخراً هذه الرحلة الفنية بتلويث تلك السمعة الفنية العطرة، بقيامه بتلحين الموسيقى التصويرية للمسلسل السيء الذكر «أم هارون» والذي عرض مؤخراً على قناة «MBC»  السعودية التمويل.

الناصر يقع أخيراً في براثن المال الخليجي الملوث ويسعى إلى الشهرة والارتزاق من خلال مسلسل تطبيعي انطوى على مغالطات كثيرة وتشويه للحق العربي وإدانة لبلد عربي وتحميله أوزار حقوق مزعومة لليهود على أرضه.

إن سقوط طارق الناصر والردة التي جاءت من خلال عمله في هذا المسلسل المشبوه، لم يكن الأول ولن يكون الأخير، من أمثاله من الفنانين من ممثلين وموسيقيين ومطربين ساروا على هذا النهج وسقطوا في مستنقع الأعمال الفنية المشبوهة التي تروج للعدو المحتل وتعطي له الحق وتشرعن وجوده تحت مسميات مغلوطة ومشبوهة مثل التواصل مع المجتمع «الإسرائيلي» لإيجاد أصوات معارضة للاحتلال وتنادي بالسلام، وتحت شعار الحوار مع الآخر ونبذ العنف والحض على العمل المشترك مع الجهات الفنية داخل دولة الكيان وعدم تسييس الفن، والتفارب بين شعوب المنطقة.

وفي العودة إلى التاريخ، فمنذ زيارة أنور السادات إلى فلسطين المحتلة وإعلانه التطبيع الكامل مع دولة الاحتلال، وعقده اتفاقية «كامب ديفيد» كانت هذه الخطوة التي فتحت كوة في الجدار الذي مر من خلاله الكثير من المطبعين في المجالات المختلفة السياسية والفنية والرياضية، ومصر قادت خطوات التطبيع الأولى حتى تبعتها بقية الدول العربية.

وبعد عقد اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، سارت عملية التطبيع في المجالين الفني والثقافي قدماً وبوتيرة متصاعدة، وفي فلسطين المحتلة نشهد مشاريع تطبيع في مجالات شتى، بما فيها المجال الثقافي تلك المشاريع والمحاولات تأخذ في مظهرها العام طابعاً جذاباً من الناحيتين المالية والفنية، وتنظيمها وانتاجها وإخراجها يجري بدعم أوروبي أو أمريكي أو حتى «إسرائيلي» أو فلسطيني أو عربي، وتحت شعارات «ضرورة الحوار، وكسر الحواجز، والموسيقى لغة الشعوب» وقد يجري اللعب على وتيرة العلاقات الإنسانية، وفي إنتاج أفلام درامية رومانسية، فيصور الصراع العربي –الصهيوني، وكأنه محض مشكلة نفسية أو خلاف على موضوع آني يمكن تخطيه «بعقلانية».

ولا ننسى في هذا المجال جموع الفنانين العرب الذين زاروا وتحت تلك الشعارات المزيفة فلسطين المحتلة، وأقاموا فيها الحفلات الفنية، متناسين أنهم يدخلون فلسطين بموافقة ورعاية المحتل، والذي يمهر جوازات سفرهم بنجمته السداسية، مجمل أولئك الفنانين رفعوا شعاراً متهالكاً مزيفاً هو التواصل مع الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، ولعل فنانين مثل أصالة نصري، وهاني شاكر، وصابر الرباعي الذين دخلوا الأرض المحتلة وأقاموا فيها حفلاتهم من أشهر أولئك الساقطين في براثن التطبيع، والأردنية أمل الدباس ورفيقيها هشام يانس ونبيل صوالحة، ممن ساروا على نفس الدرب، ناهيك عن كم كبير من المخرجين السينمائيين من تونس والمغرب ومصر ولبنان الذين شاركوا في مهرجانات سينمائية بوجود مخرجين صهاينة، حتى أن المخرج زياد دويري جاهر وتفاخر بزيارته إلى الكيان الصهيوني، وحضر مهرجان سينمائي عقد داخل فلسطين المحتلة، وفي هذا المقام نذكر الكاتب المسرحي علي سالم ولعله يكون عراب التطبيع مع الكيان المحتل ومن أكثرهم فجوراً واعتزازاً بهذا العمل المشبوه، فهو من أول المثقفين المصريين الذي أعلن دعمه للسادات وخطواته اتجاه دولة الكيان، وقد زار في عام 1994، فلسطين المحتلة، والتقى عدداً من الشخصيات الصهيونية، ومنحته جامعة «بن غوريون» الدكتوراه الفخرية.

 وفي المقلب الآخر وفي نهج مشبوه ومدان، فعندما يتحول فنان حمل شعارات الثورة والتحرر والالتزام بالمشروع الوطني التحرري، ويكون مع الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويشكل رمزاً ثورياً في مسيرته الفنية ولكن فجأة ينقلب على عقبيه وينحو نهجاً مخالفاً لكل الشعارات التي عاش عليها وحملها وشكلت له الحضور بين الجماهير، ومن الأمثلة على ذلك نستطيع أن نتكلم عن ثلاثة من أشهر الفنانين الذين كنا نعدهم أيقونات الأغنية والفن الملتزم، ولكن يبدو أن رائحة الدولارات كانت أشد جذباً من شعاراتهم التي رفعوها والنهج الذي ساروا عليه سابقاً فضربوا ماضيهم المشرف عرض الحائط، ووقفوا إلى جانب قوى الشر والتآمر، ولم يكن لديهم أي وازع أخلاقي أو دافع وطني أو قومي أو حتى إنساني، وكانوا مع الاطاحة بالدولة السورية وكيانها حتى لو كلف ذلك هدم سورية حجراً حجر، وذبح أبنائها وتجويع شعبها.

وهنا نستطيع التحدث عن صاحب بين ريتا وعيوني بندقية، وأحن إلى خبز أمي، ومنتصب القامة أمشي، وأني اخترتك يا وطني، ويا بحرية، وغيرها الكثير من الأغاني التي شكلت معلماً في الإغنية الملتزمة ورفعت صاحبها إلى مصافي الأيقونات المقدسة، إنه مارسيل خليفة.

وكذلك ابن بلده أحمد قعبور الذي يقتات على الموائد الحريرية في لبنان، وهو صاحب أناديكم وأشد على أياديكم وأبوس الأرض تحت نعالكم، وصاحب يا نبض الضفة لا تهدأ أعلنها ثورة، ويارايح صوب الجوب، وسموني لاجئ.

وثالثهم صاحب رجع الخي يا عين لا تدمعي،  ورمانة، وان عشت فعش حراً أو مت كالأشجار وقوفاً، ولو رحل صوتي ما بترحل حناجركم، ويالجولان يلي ما تهون علينا، ولو يوم تنادينا يالوطن، وغيرها الكثير إنه سميح شقير.

فعند بداية المؤامرة الكونية على سورية ودخول المجموعات المسلحة والتكفيرية والتي عاثت فساداً في سورية، ومع توضح المؤامرة الإمبريالية ضد سورية العربية والتي كانت تنوي تقويض الدولة، وتقسيم سورية إلى كيانات طائفية ومذهبية واثنيات، ونهب ثرواتها وقتل وتشريد شعبها، حيث سالت الدماء على مجمل الأراضي السورية، في ظل هذه الحالة خرج علينا الفنانون السابق ذكرهم بوقوفهم إلى جانب ما سمي زوراً وبهتاناً بـ «الثورة» ودعمهم للديمقراطية وحرية الشعب، إن تلك المواقف المشبوهة والمدانة من أولئك جعلتهم يسقطون في شر أعمالهم، ومواقفهم تلك نزعت عنهم تمثيلهم للجماهير التي كانت تحمل لهم كل الاحترام في رحلتهم الفنية، فهم في هذه المواقف يتساوقون مع أعداء الأمة الذين دبروا وساعدوا ومولوا هذه الحرب الظالمة وشكلوا مجموعة مرتزقة باعوا فيها ماضيهم وتاريخهم الفني الملتزم وانساقوا مع أعداء الأمة، مقابل حفنة من الدولارات ونقلوا أسلحتهم من كتف إلى كتف، وهم الذين حملوا شعارات الثورة الحقيقية و آمال وتطلعات الجماهير من  أجل تحررها من أعدائها الحقيقيين من إمبرياليين وصهاينة ورجعيين، في هذه الحالة نبذتهم الحالة الجماهيرية ومزقت أصواتهم الكاذبة التي لم يعد لها مكان على الساحة الفنية الملتزمة الناطقة باسم الوطن والشعب وآماله وأحلامه.

عن علي محمد

مدير التحرير