الخميس , 2 يوليو 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 الموقف الحركي 10 آلام نكسة حزيران وانقلاب المشهد في حزيران .. الصمود والتصدي
آلام نكسة حزيران وانقلاب المشهد   في حزيران .. الصمود والتصدي

آلام نكسة حزيران وانقلاب المشهد في حزيران .. الصمود والتصدي

       

بقلم: ياسر المصري  عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة

تختزن ذاكرتنا العربية آلاماً كثيرة، وخاصة في شهر حزيران أهمها ذكرى النكسة التي مازالت جراحها من احتلال للأرض العربية والفلسطينية ماثلة إلى يومنا هذا، برغم مرور زمن على حدوثها، وشعور البعض بالانكسار والهزيمة إثر تلك الحرب التي أدت إلى حالة من اللاتوازن على صعيد الكثير من المستويات السياسية والعسكرية، إلى أن جاءت حرب تشرين/ أكتوبر عام 1973، لتستعيد شيئاً من التوازن برغم تخاذل النظام المصري حينذاك وتخليه عن شريكه في المعركة الجيش العربي السوري وتركه وحيداً في الميدان، وأعقب ذلك اجتياح لبنان عام 1982، الذي تم من خلاله احتلال العاصمة اللبنانية لمدة ثلاثة أشهر تقريباً وأسفر عن خروج القوات الفلسطينية من بيروت إلى المنافي بعيداً عن الحدود الفلسطينية، وفي الإطار العربي لابد من الاشارة إلى احتلال القوات الأمريكية للعاصمة العراقية بغداد عام 2003، والتي شكلت انهياراً للنظام الرسمي العربي وانبطاحاً أمام المشروع الأمريكي من قبل ما سمي بالنظام العربي المعتدل.

لكن في المقلب الآخر، تغير المشهد السياسي في المنطقة، وتحديداً بعد تحرير الجنوب اللبناني في أيار من عام 2000، حيث اندحر الاحتلال الصهيوني من الأرض اللبنانية دون قيد أو شرط أو مفاوضات بفعل ضربات المقاومة التي أرغمته على الانسحاب، وكانت هذه هي السابقة الأولى في تاريخ الكيان الصهيوني الذي خالف من خلالها عقيدته القائمة على الاستيطان والتوسع، وترك عملائه مما سمي حينذاك جيش لبنان الجنوبي في قبضة المقاومة اللبنانية، متخلياً عنهم في أدق المراحل وأصعبها، وفرار البعض الآخر منهم إلى داخل فلسطين المحتلة.

وقد يكون ذاك هو التحول النوعي الأول في الصراع مع العدو الصهيوني الذي أثبت إمكانية النصر على العدو إذا ما امتلك المقاتل العربي إيمانه بالنصر وقدرته على التفوق عليه، وهذا ما حصل لاحقاً في حرب تموز 2006، التي هزمت العدو في قدرته على تحقيق تفوقه على حزب الله الذي لا يمتلك سوى أسلحة بسيطة، لكنه يمتلك عقيدة تقوم على الإرادة الصلبة والإيمان بحتمية النصر، ومازالت تلك الهزيمة تلاحقه إلى يومنا هذا من خلال شعوره الداخلي الذي عبر عنه المحلل السياسي الصهيوني رون بن يشاي بقوله: «إن إسرائيل لن تهزم في الحرب المقبلة لكنها لن تنتصر»، وهذا يعاكس تماماً النشوة الصهيونية التي عاشها الكيان بعيد نكسة حزيران عام 1967، بانتصاره على ثلاثة جيوش عربية وتحطيم قدراتها العسكرية خلال ستة أيام فقط، والتي كبدت العرب عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى وتدمير قواهم الجوية، بعكس الكيان الذي لم يخسر سوى عدد قليل جداً من جنوده وآلياته.

نسوق هذا الحديث لنتوقف عند متغيرات المنطقة التي شهدتها خلال العقدين الماضيين، بعد أن وصل البعض  إلى حالة من الاحباط واليأس من خلال تغلغل ثقافة الهزيمة إلى نفوس أولئك الذين بدأوا يتساوقون مع مشاريع التسوية والاستسلام بحجة عدم القدرة على تحقيق النصر على العدو الصهيوني وتصويره على أنه القادر على تحقيق أي شيء يريده من خلال تفوقه العسكري ودعم الغرب له وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي حاولت جاهدة في حرب تموز 2006، من إدامة حرب الثلاثة والثلاثين يوماً، لأطول وقت ممكن، برغم الطلب الصهيوني وإلحاحه على وقف الحرب التي خسر فيها معدات عسكرية وبشرية قد تكون الأكبر في حروبه بالمعنى النسبي، والتي تركت أثراً مستمراً على قطعان مستوطنيه وجنوده من خلا ل ما توصلت إليه لجنة فينوغراد الصهيونية الذي عبر عنها الخبير العسكري الصهيوني جيفري وايت في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في دراسة حول حرب تموز: «إن حزب الله يؤدي دوره بشكل جيد جداً حيث احتاج الجيش الإسرائيلي إلى أربعة أسابيع كي يغرق في وحول قرى صغيرة في الجنوب اللبناني، بينما احتاج إلى سبعة أيام للوصول إلى مشارف بيروت خلال اجتياح العام 1982».

وكي نكون موضوعيين في قراءتنا هذه، فإن واقع الصراع مع العدو الصهيوني لم يخلو من محطات نضالية مشرقة أثبتت أن هذه العدو ليس قدراً محتوماً على شعبنا وأمتنا بتفوقه وقدرته على تنفيذ مخططاته العدوانية بشكل دائم، فلقد هُزم جيشه في معركة الكرامة عام 1968، برغم آلام النكسة وآثارها الكبيرة، وكاد أن يمنى بهزيمة كبيرة في حرب تشرين التحريرية عام 1973، لولا تخاذل النظام المصري حينذاك وسقطت من خلالها أسطورة التفوق الصهيوني، وعجز عن كسر إرادة الشعب الفلسطيني في انتفاضتي الحجارة 1987، والأقصى عام 2000، واضطراره للانسحاب من قطاع غزة بفعل المقاومة الفلسطينية عام 2005، وتنامي دور محور المقاومة الذي أعاق العديد من المشاريع الصهيونية وفضح المؤامرات التي تستهدف القضية الفلسطينية، وفي هذه الأثناء كثرت المؤامرات على سورية ولبنان وفلسطين وإيران من أجل العمل على كسر هذا المحور وتمرير تلك المشاريع الانهزامية، وخاصة أن المعادلات السياسية والعسكرية التي كانت سائدة سابقاً قد تغيرت من خلال معادلة توازن الرعب التي انتهجها المحور وأدت إلى انكماش العدو الصهيوني في دوره العدواني وخوفه من الخسائر التي يتكبدها في حال نشوب أي معركة لأنها ستكون في الداخل الصهيوني وليس على الحدود فقط كما كان معتاد سابقاً.

إن الحديث عن حزيران عام 1967، وحزيران عام 2020، فيه كثير من المتغيرات وانقلاب الصورة، وهذا ليس في إطار تجميلها بل في إطار قراءة واقعها من خلال النصف الملآن من الكأس وليس الفارغ فقط، وكي نتحلى بالتفاؤل الثوري بعيداً عن ثقافة الهزيمة التي يحاول أن يعممها البعض من أجل التبرير لذاته ولجمهوره بالحلول «الواقعية» التي تؤدي إلى الاستسلام للعدو والذي بات يعاني من أزمات عديدة تصل إلى حد الأزمات الوجودية، وذاك يتطلب من كافة القوى الحية في أمتنا الالتفاف حول المقاومة وعدم المراهنة على أوهام السلام التي عششت في أذهان البعض لفترة زمنية ماضية، لأن الإرادة حيت تكون صلبة لا يمكن قهرها وهزيمتها فهي التي تصنع الانتصارات وتحقيق الطموحات.

عن علي محمد

مدير التحرير