الإثنين , 1 يونيو 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 الحكواتي.. حارس ذاكرتنا الشعبية فن وحكاية وانتماء للتراث
الحكواتي.. حارس ذاكرتنا الشعبية فن وحكاية وانتماء للتراث

الحكواتي.. حارس ذاكرتنا الشعبية فن وحكاية وانتماء للتراث

موسى مراغة

( مجلة فتح العدد – 733 )

فلسطين.. هي جزء من بلاد الشام، عرفت – مثل غيرها من الأقطار العربية المجاورة – الأشكال الشعبية من الفنون التراثية؛ ومنها الحكواتي.. ذلك الموروث الشعبي الجميل الذي افتقدناه في ظل التقنيات الحديثة والثورة التكنولوجية، التي غزت حياتنا. والحكواتي مهنة تراثية موجودة منذ أزمنة طويلة، كانت مهنة للكسب، يتنقل فيها الحكواتي بين المدن والقرى والمقاهي والمضافات والساحات وبيادر القرية والطرقات وفي بيوت واحتفالات الأثرياء، وصاحبها يمتاز بسرعة البديهة، والقدرة على الحفظ والارتجال وتأليف القصص، إضافة إلى القدرة على الإنشاد والغناء والتمثيل.

الحكواتي هو الأمين على لون من ألوان التراث الشعبي، يحمل على عاتقه إبقاء هذه الحكايات حية ومتداولة بين الناس؛ لتبقى وتستمر؛ ففي اللحظة التي يتم التوقف عن سرد تلك الأمثال والقصص والموروث الشعبي نحكم عليها بالموت.

عرفت المقاهي في فلسطين الحكواتي، الذي كان يتصدر مكانه على سدة عالية من الخشب؛ مجللة بالسجاد وأصص النباتات والأزهار، يقص على الحضور الحكايات الشعبية والأساطير ومنها: قصص عنتر، والظاهر بيبرس، وأبو زيد الهلالي، والملك سيف بن ذي يزن، إضافة إلى قصص عن بطولات وصمود الشعب الفلسطيني.

أخذ الحكواتي لاحقاً يسرد قصصاً عن شخصيات وأبطال وقادة فلسطينيين، قارعوا الانتداب الانكليزي وبعده المحتل الصهيوني، مبرزاً بطولات أولئك الرجال وتضحياتهم، أمثال: الشيخ عز الدين القسام، وفرحان السعدي، وعبد القادر الحسيني، وسعيد العاص، وغيرهم..

ومن أجل الحفاظ على تاريخ الحكواتي، تصدى لهذا العمل عدد غير قليل من المتحمسين لهذه المهنة وتفرغوا لها، ففي مدن القدس ونابلس وحيفا وغزة، عرف عدد من أولئك الذين بدؤوا يعيدون إحياء هذا الموروث الشعبي في المقاهي والأماكن العامة.

بدأ عدد ممن يعمل بمهنة الحكواتي تجربته مع الأطفال الصغار، وبعدها مع الكبار، وظهر أيضاً الاهتمام بالمظهر الخارجي للحكواتي، كان يرتدي زياً تقليدياً (الحطة والعقال و القمباز)، وآخرون كانوا يعتمرون الطربوش، ويقصون حكاياتهم بلهجة تقليدية جذابة، حتى إن بعضهم عمل على تجهيز بيوت على الطراز القديم، لاستقبال الراغبين في سماع الحكواتي. وآخرون سافروا ليرووا الحكايات في المدن والقرى أو حتى في مهرجانات شعبية تراثية.

وقد وضع (الحكواتية) نصب أعينهم إضافة لسردهم القصص والحكايات، أن يضمنوها أفكاراً وقيماً وطنية، تعزز الانتماء للأرض والدفاع عنها، والتمسك بالحقوق و المحافظة على التراث الحي لفلسطين، وحمايته من الاندثار ونقله إلى الأجيال، ولا سيما أن هذا التراث الفلسطيني يتعرض لخطر حقيقي؛ بفعل الاحتلال الصهيوني الذي يحاول سرقة التراث الشعبي ونسبه إليه فكما سرق الأرض واغتصبها، فإنه يحاول سرقة اللباس والأغنية والموروث الشعبي.

ومن أشهر من عمل (حكواتي) في فلسطين: عبد الحكيم سمارة من قرية جت في المثلث، والشاب حمزة العقرباوي في إحدى قرى نابلس، والحكواتي طاهر باكير، وهذا أيضاً مخرج وممثل وكاتب مسرحي.

يقول الحكواتي عبد الحكيم سمارة: “إن الحكاية هي الثقافة والانتماء والعادات والتقاليد الأصيلة والجميلة الخاصةبالمجتمع الفلسطيني، ولي اهتمام واضح في الجانب التراثي، وبالذات في مجال الثقافة الشعبية، فقد جمعت ووثقت الحكايات الشعبية الفلسطينية وقمت بأدائها وسردها للناس كباراً وصغاراً”.

ومن القصص التي يرويها الحكواتي، قصص بطولات الشعب الفلسطيني، التي تعد من أهم السير المحببة إلى النفوس، وفيها سجل حافل لأحداث وقعت في فلسطين، ومنها يستطيع المرء السامع أن يتعرف على تاريخ فلسطين وتراثها. وهناك أيضأً قصص عنترة بن شداد وقيس وليلى، ومنها يتعرف المستمع على القبائل العربية وعاداتها وتقاليدها، وكذلك يتم التركيز على قصص السيرة التي تبث مكارم الأخلاق والشجاعة والفداء في نفوس القوم؛ ومن خلال تجسيد هذه السمات في شخصية أبطال هذه السير، على عكس أعدائهم الذين يتصفون بالغدر والخيانة والجبن. ولا تخلو القصص التي يرويها الحكواتي من الطروح السياسية؛ فالسياسة موجودة في القصة الشعبية، والحكايات التي تحض على التمسك بالأرض وبالحقوق، والدفاع عن الهوية والوجود الفلسطيني فوق هذه الأرض، لهي من أبلغ العبر والمآثر التي تزخر بها تلك الحكايات الشعبية.

والحكواتي الفلسطيني ذو الجلابية البيضاء، والعباءة البنية، والطربوش الأحمر؛ إنه الحكواتي سليمان أبو عودة من مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غربي مدينة غزة؛ شق لنفسه طريقاً في محاولة منه للتغريد خارج السرب؛ عبر إعادة الروح لمهنة الحكواتي؛ فمن خلال سرده للحكايات، يأخذ مستمعيه بطريقته الساحرة وتمثيله المتقن إلى عوالم أخرى، يعيشون فيها مع القصص والحكايات والأشعار والنوادر؛ قصص وحكايات سمعوا عن بعضها، ولم يسمعوا عن أكثرها، جسدت أمامهم بطريقة مختلفة هذه المرة؛ عبر رجل يتقن فنون الإلقاء والتمثيل والنشيد والغناء، يخطف أبصارهم وقلوبهم، وينقلهم إلى عالم مملوء بالشخصيات الخيالية، والقصص الواقعية.

إن دور الحكواتي في أيامنا هذه، لا يقل أهمية عن السياسي والمثقف الواعي والصادق؛ الذي يلعب دوراً في توجيه الناس وزرع روح المقاومة فيهم والحض عليها والتمسك بالأرض وبالحقوق وبالهوية وبالتراث الحقيقي؛ الذي يمثل تاريخ الشعب الفلسطيني من خلال عاداته وتقاليده الأصيلة؛ لذا فالحكواتي واحد من حراس ذاكرتنا الشعبية، وأمين على موروث من أغنى موروثات العالم التراثية، وهو ليس حكاءً فحسب، إنه سادن الإرث المحكي، وعلى يديه تعيش الذاكرة، وتبقى الحكايات متوارثة تحملها الأجيال جيلاً بعد جيل.

عن علي محمد

مدير التحرير