الإثنين , 28 سبتمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 عبد الرحمن أبو القاسم المثقف النبيل وداعاً يليق بالسيرة والمسيرة
عبد الرحمن أبو القاسم المثقف النبيل وداعاً يليق بالسيرة والمسيرة

عبد الرحمن أبو القاسم المثقف النبيل وداعاً يليق بالسيرة والمسيرة

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 733 )

هو من الأجيال الأولى التي أسست المسرح الوطني الفلسطيني، تلك هويته التي تعددت في فضاء عطائه المستمر حتى لحظة رحيله، وهو الملتصق بآلام وآمال وأحلام شعبه، بل السفير فوق العادة لقضية عادلة، برع عبر فنونه المتعددة بإيجاد ما يعادل الوطن بالكلمة والصورة والموقف والرؤية، بهذا المعنى حضرت شخصية عبد الرحمن أبا القاسم في منعطفات القضية ومساراتها الشائكة، ليكون صورتها وصوتها الطليقين.

عبد الرحمن أبو القاسم الذي شهد النكبة وفصولها الدامية في قريته صفورية، يوم سقوط فلسطين في ذلك الصباح والذي سمع فيه أصوات القذائف تنهال على القرية، وأخوته نيام فخرجوا بمساعدة الوالدة إلى حاكورة البيت تحت شجرة التين التي لا ينساها أبداً، تلك الشجرة التي تحمل نوعين من التين (سوادي وبياضي)، ولعل هذه الشجرة هي مجاز رحلته في الزمان والمكان وفي دروب الفن الصعبة، والمترعة بالكثير من الاجتراحات والمكابدات والاجتهادات العالية لتتنوع ويتسع طيفها ليكون أبي القاسم صورة ثقافة فلسطينية أكثر امتداداً وتجذراً في الوعي والذاكرة والتاريخ كما الفن.

وحينما لجأت العائلة إلى بنت جبيل –لبنان- اثر خروجها مع الجد الطاعن في السن، كان عمره لا يتجاوز السنوات الست والنصف… بعد أيام جاء والده من فلسطين ليدرك أبي القاسم بفطرته الطفولية أن فلسطين ذهبت بلا رجعة، وما كان على الفتى آنذاك إلا أن يستعيد فلسطينه عبر الفن ليكون في طليعة المسرحيين الفلسطينيين والعرب، ولعل رزمة الحلوى التي أعطاه إياها مدير مدرسته حينما شارك بعرض لفرقة مسرحية للمدرسة قادته إلى الفن، ليلج دروبه مسرحاً وإبداعاً، من الفرق المسرحية الدمشقية إلى فضاءات فلسطين في مخيماتها ولينشئ فرقة مسرحية في إحدى مكاتب وكالة الغوث في مخيم اليرموك وفرقة فتح المسرحية نواة المسرح الوطني الفلسطيني، لكن الدراما التلفازية والسينمائية لم تكن ببعيدة عن هواجسه المؤسسة لفن راق وعريق، لنجده في تلك المساحات الهائلة من الأعمال الدرامية والسينمائية، لكن فلسطين كانت احدى عناوينه الباذخة في أعماله الفنية، فلسطين كما يقول عنها أبو القاسم: جرح عربي مازال ينزف وهو مستمر إلى الآن، فلسطين إيقاع موسيقي غير قابل للنشاز، فلسطين صيرورة وكينونة عالمية، لكنه ما انفك يجهر على الدوام بقوله: إن الفن مهما قدم ولو بشكل يومي عملاً درامياً من أجل قضية فلسطين، لن تتحرر فلسطين… فلسطين بحاجة إلى العسكر وإلى السلاح وإلى المقاومة، وأن تبقى في الذاكرة مهما حاولوا تغييبها عن الدراما والتلفزيون، ستبقى فلسطين في قلوبنا، فالانتماء –يقول مستطرداً- ليس عيباً لكن فلسطين هي الأهم، في خطابه للشباب العربي والفلسطيني الذين ذهبوا إلى الجولان في أيار إحياءً لذكرى النكبة.

مسيرة فنية مترعة بالنجوم، لكنها في وجهها الآخر هي مسيرة إنسان انطوت على منظومة من القيم الكفاحية والتي جلتها أعماله الكثيفة –للذاكرة أن تستعيدها وتستلهم منها الكثير- ولصاحب التاريخ المسرحي العريق والأفكار البناءة في حقل التلفزيون والمسرح، أن تظل مآثره مستمرة من خلال الوقوف عند سيرته الفنية الكثيفة باشتغالاتها، لا سيما في عرضه المسرحي الأكثر حساسية (تغريدة أبو السلام) والذي كان بمثابة رسالة للمستقبل وللأجيال، رسالة مثقف نبيل ظل شاهداً على قضيته وصار شهيدها، ومثال تغريبتها المديدة والتي أصبحت وشماً في الروح والذاكرة، لكنها في المقابل ذاكرة وهوية وطن.

عن علي محمد

مدير التحرير