الإثنين , 23 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 معركة الكرامة الخالدة.. في ذكراها ال 52.. العبرة والدروس المستفادة.
معركة الكرامة الخالدة.. في ذكراها ال 52.. العبرة والدروس المستفادة.

معركة الكرامة الخالدة.. في ذكراها ال 52.. العبرة والدروس المستفادة.

موسى مراغة

( مجلة فتح العدد – 732 )

تمر في الحادي والعشرين من شهر آذار من كل عام ذكرى انعطافة تاريخية في مجريات الحروب و المعارك التي وقعت بين جيش الكيان الصهيوني من جهة والجيوش العربية والفدائيين الفلسطينيين من جهة أخرى.

فبعد حرب حزيران عام 1967، والتي أدت في نتائجها إلى نكسة أصابت الأمة في كيانها وفي جيوشها، وأدت تلك الحرب إلى احتلال ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، واحتلال أراض دول عربية متاخمة لفلسطين، حينها كانت المؤسسة العسكرية الصهيونية تعيش أقصى درجات العنجهية، وكان الجندي الصهيوني يرى في نفسه الجندي الخارق الذي لا يشق له غبار، خاصة أن تلك الحرب لم تكلفه شيئاً من الخسائر لا في العدد ولا في العتاد، بل أنه لم يشاهد سوى فلول الجيوش العربية وهي تولي الأدبار.

ففي الحادي والعشرين من شهر آذار عام 1968، قرر الجيش الصهيوني اجتياح منطقة الأغوار الأردنية، ومهاجمة مواقع وقواعد الفدائيين الفلسطينيين والقضاء عليها في مهدها، في تلك الحقبة بدأت طلائع من أبناء الشعب الفلسطيني وثواره ومقاتليه تشكل وتبني القواعد العسكرية في تلك المنطقة المحاذية للأراضي الفلسطينية، وبدأت المجموعات الفدائية تقطع نهر «الشريعة » الفاصل بين الضفتين وتقوم بعمليات جريئة هزت كيان العدو وجبهته الداخلية، إضافة إلى عمليات القصف الصاروخي بالكاتيوشا التي كانت تدك المستوطنات والمعسكرات والتجمعات الصهيونية.

وكان هذا التواجد الفدائي يحظى بدعم ومساندة من القيادات الوطنية وضباط وجنود الجيش الأردني وقيادته الميدانية ولطالما قُدمت المساعدات والدعم والإسناد للدوريات الفدائية المتجهة صوب الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان هناك شبه تنسيق غير معلن بين أبناء الجيش الأردني وقيادته في تلك المنطقة والفدائيين الفلسطينيين في معركتهم الواحدة. في هذه الظروف رأت المؤسسة العسكرية الصهيونية ذلك الخطر الداهم الذي بدأ ينمو في تلك المنطقة الحساسة المتاخمة للحدود، واتخذت قرارها بمهاجمة تلك المنطقة والقضاء على قواعد الفدائيين ومعسكراتهم أخذة في الحسبان، وقوف الجيش الأردني على الحياد وعدم اشتراكه في المعركة.

لقد حشد العدو الصهيوني لتلك المعركة ثلاثة الوية مدرعة، ونحو اثني عشر الفاً من جنوده المشاة، مع غطاء جوي من أسراب الطائرات الحربية التي قامت بقصف جوي لمواقع الفدائيين، بينما كانت قواتها البرية تشق طريقها باتجاه الشونة الشمالية، وأنزل في نفس الوقت جنوده المظليين على الجبال الواقعة شرقي منطقة الأغوار.

وأمام هذا الهجوم الشرس جواً وبراً من قبل الجيش الصهيوني، خاض مقاتلو الثورة الفلسطينية من أبناء حركة فتح في المقام الأول، وإلى جانبهم مقاتلو بعض الفصائل الفلسطينية والشرفاء والوطنيين من أبناء الجيش الأردني، وجسدوا جميعاً بصمودهم وإرادتهم وفدائيتهم أروع صور الانتصار، واستطاعوا مواجهة وهزيمة ودحر جحافل القوات الصهيونية التي كانت تفوقهم عدداً وعدة، وكبدوها خسائر بشرية ومادية فادحة.

ونحن نستذكر في هذا المقام تلك المعركة وليس في الحسبان فقط سرد مجرياتها ووقائعها، وإنما استخلاص العبر والدروس المستفادة من تلك الملحمة الخالدة.

لقد شكلت معركة الكرامة ملحمة فداء، وانعطافة نوعية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، لقد كان قرار المواجهة قراراً شجاعاً يؤكد أن الجماهير والقوى الحية في الأمة إذا ما امتلكت زمام المبادرة، وتسلحت بالإرادة، وامتشقت البندقية، وأعلت راية النضال والكفاح، وحافظت على فكرة الصمود والقتال والتضحية والمقاومة، ستكون قادرة على تغيير موازين القوى وعلى قلب المفاهيم التي سادت طويلاً على أن الجيش الصهيوني جيش لا يقهر، ولقد تأكد بعد تلك المعركة أن حاجز الرعب الذي سعت إليه المؤسسة العسكرية الصهيونية المتسلحة بترسانتها المتفوقة بالتكنولوجيا والعتاد العسكري قد سقط عند أقدام مجموعة من الفدائيين المؤمنين بحتمية النصر، لامتلاكهم منطق الحق مدعوماً بالإرادة والشجاعة والإيمان واليقين بالانتصار.

لقد سجلت معركة الكرامة نصراً وفتحت أبواب انتصارات قادمة، ورسخت فكرة المقاومة والصمود، واثبت تلك المعركة بان عدداً قليلاً من المقاتلين يستطيعوا رد جيش كامل وهزيمته والانتصار عليه ولعل الأحداث التي جرت بعد تلك المعركة ثبت تلك الفكرة واستطاعت الثورة الفلسطينية أن تسير على نفس النهج بالصمود والمقاومة، واستفاد من تلك التجربة حركات وأحزاب وقوى المقاومة في الأمة.

ولعل حرب تشرين التحريرية  تكون ثمرة من ثمرات الانتصار في معركة الكرامة، ففي تشرين عندما هب الجندي العربي واجتاز القناة وحطم سور بارليف، وصنع نصراً مؤزراً على الجبهة المصرية.

وكذلك الجندي العربي السوري على ذرى الجولان عندما اخترقت جحافل الجيش العربي السوري التحصينات المعادية ومرغت أنف الجيش الصهيوني وقيادته في أوحال جبل الشيخ، كل ذلك كان من ثمرات معركة الكرامة.

ولعل المعارك التي خاضتها قوات الثورة الفلسطينية وعلى فترات طويلة في الجنوب اللبناني، عندما كانت قوات العدو الصهيوني تجتاح الأراضي اللبنانية وتتوغل فيها. كانت تلاقي المقاومة العنيفة وتتكبد فيها الخسائر لتعود القهقرى إلى داخل الأراضي الفلسطينية تجر ذيول الخيبة والفشل.

وفي لبنان استطاع حزب الله المقاوم أن يرسخ تجربة معركة الكرامة، من خلال الصمود والتصدي والإيمان الصادق بحتمية الانتصار على الجندي الصهيوني، واستطاع مقاتلو حزب الله وعلى مدى سنوات احتلال العدو للجنوب اللبناني أن يحققوا النصر المؤزر في عام 2000، بانسحاب العدو صاغراً بعد أن عجز عن إدامة الاشتباك مع مقاتلي الحزب الراسخين إيمانا وعقيدة رغم محودوية الإمكانيات، ولعل الانتصارات المتلاحقة التي حققها حزب الله في مواجهاته مع جيش الاحتلال الصهيوني يؤكد وبكل وضوح حقيقة كم من فئة قليلة مؤمنة صادقة غلبت جيوشاً جرارة وكانت تسقط عند أقدام المقاتلين المتسلحين بالإيمان واليقين بالانتصار.

لعل أبناء شعبنا الفلسطيني في داخل الأرض المحتلة، وعلى  مدى سنوات طويلة في صراعهم مع العدو المحتل الغاصب، أكدوا واثبتوا نظرية التسلح بالإيمان والمقاومة والصمود فكانوا قادرين على المواجهة بصدورهم العارية أحياناً، أو بأسلحة بسيطة حتى لو كانت سكيناً أو حجراً واستطاع شباب فلسطين وفتيانه وفتياته في الانتفاضات المتلاحقة التي خاضها أبناء شعبنا منذ الانتفاضة الأولى عام 1987، إلى انتفاضة الأقصى عام إلفين_ وإلى العديد من الهبات والانتفاضات والمواجهات، استطاعوا أن يثبتوا أن هذا العدو قابل للهزيمة والانتصار عليه، وأن العزيمة والإيمان قادرة على اجتراح المعجزات وتحقيق الانتصارات.

ولعله يكفينا فخراً واعتزازاً أن نذكر جملة من أسماء المقاومين في الفترة الأخيرة من نضالات أبناء شعبنا والذين واجهوا المحتل المدجج بالسلاح غير آبهين بالموت، فهم حملوا أرواحهم على أكفهم، وذهبوا لملاقاة جنود العدو في أوكارهم، فقتلوا واستشهدوا وكان ذلك هدفهم وخيارهم.

فكان الشهيد أحمد نصر جرار من بلدة برقين والذي استشهد في 2018، وشكل حالة فريدة من الملاحقة والمطاردة، إلى حين استشهاده، ويتبعه الشهيد أشرف نعالوة من طولكرم كأنموذج للمقاوم الذي اقتحم مستوطنة صهيونية وقتل مستوطنين ثم انسحب بسلام، ونذكر بفخر الشهيد صالح البرغوثي الذي نفذ عملية جريئة في مستوطنة عوفرا.

وتطول القائمة وتمتد من الطفل الأسطورة فارس عودة الذي جابه بكل قوة ورجولة وعنفوان الدبابة الصهيونية وهو ممسك بحجر، ومروراً بمهند الحلبي وباسل الأعرج وسند الطرمان وغيرهم الكثير الكثير الذين تزخر بهم صفحات ذاكرة المقاومة والنضال.

أن كافة القوى المؤمنة بخيار المقاومة والكفاح المسلح مدعوة اليوم للاستفادة من ذكرى ودروس معركة الكرامة لتوحد جهودها وشعاراتها وخططها وبرامجها الإستراتيجية للعمل على تجسيد الوحدة الحقيقية على أرض المعركة، وفي ميادين القتال قولاً وفعلاً وليس فقط بالشعارات.

أن مجمل الانتصارات التي تحققت في تاريخ النضال الفلسطيني ومنها معركة الكرامة، وكل الشهداء الذين رووا بدمائهم الزكية وضحوا بحياتهم من أجل أن تبقى فكرة المقاومة وشعلة الثورة متقدة، وكل ذلك يدفعنا للتمسك والمحافظة والوفاء للدماء التي أريقت، ولكل الشهداء الذين أضاءوا بدمائهم الطريق للسير على دروب التحرير حتى النصر، ونحن متيقنين وعازمين على مواصلة الدرب متسلحين بالإيمان والعزيمة والإرادة واليقين بتحقيق النصر رغم كل التضحيات التي ستورق يومياً وتزهر نصراً يعم فلسطين.. كل فلسطين.   

عن علي محمد

مدير التحرير