الجمعة , 5 يونيو 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: إنها الأرض.. قالت فلتقيموا أعراس البرتقال
شجون فلسطينية:  إنها الأرض.. قالت فلتقيموا أعراس البرتقال

شجون فلسطينية: إنها الأرض.. قالت فلتقيموا أعراس البرتقال

شجون فلسطينية:

إنها الأرض.. قالت فلتقيموا أعراس البرتقال

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 732 )

آذار الحكاية بطعمها الفلسطيني جداً ونكهتها الباذخة بالميلاد وبانتفاضات الأرض المقدسة، وكيف يجمع أسماؤه كلها ببوتقة ربيعه، هو من وزع أسماؤه على الشهداء والأحياء والشهود فرحاً للأرض وميلاداً يرهج بالخصب والتحولات وتواتر الحيوات ذلك هو إكسير الفصول، وخيط سُبحتها.

 فكم ابتدأت بروق من جرحنا/ جرح أرضنا العصية على أن تغير أسمائها وجهاتها وبوصلة دمها، واستمرت في راهن أعاد لها مجد الحكايات الأولى، آذار أبا الفصول كلها، حينما نولم للحكايات الجديدة، لكنها الآتية من أزمنة التوهج والصعود، أزمنة التقّحم حينما تظل –الأرض- خط الدفاع عن أمسنا وعن غدنا، فكم قد قالت: إني هنا الحضارة منذ أزل الدم والحبر والكلمات، أزل الرصاص وطلقات الصباح، وانثيالات العشق الذي احترفه عشاقها، أولئك الذين انتصبوا مثلها خط دفاع عنها، لكنها أرواحهم الصاعدة إلى تمام الحكايات، هي دورة الاكتمال وأكثر من تأخذ تلك الأسماء الطافحة بأنوثتها العالية إلى سدرة المعنى، وصيرورات الاكتمال.

إنها الأرض… قالت وعلى لسان شاعرها: «في شهر آذار.. في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارها الدموية، في شهر آذار مرت أمام البنفسج والبندقية خمس بنات، وقفن على باب مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلدي، افتتحن نشيد التراب، دخلن العناق النهائي.. آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي».

إنه النشيد الذي يتخلق في غير صورة ومقام ويعبر أزمنته المالحة، وردة في احتدام المسافات والقلوب والكلمات البصيرة واشتهاء البرتقال لئن يقطف برتقاله، ويمسد بأصابعه النهارية قلوب الأمهات اللاتي ذهبن في الحلم وعدن صباحات تزنر خاصرة الخريطة، وتحج إلى القلوب نداءً أزلياً بطعم الأناشيد، فخديجة لم تغلق الباب وظل الرفاق خير ياسين ورجا أبو ريا وخضر خلاليلة ورأفت الزهيري وحسن طه ينسجون للأرض ثوبها، من أقاصي جهات القلب إلى جنوبها، ليكتبوا قصيدة الأرض بإلهام وصبر، وتصبح الأرض قطعة واحدة، قلب ينبض في الجسد العربي… كان مغزل الحكاية هو الأكثر ذهاباً إلى خطوط الدفاع حينما وقفت أجيال فلسطين كلها الآن متسقة النبض لترجم ظلال «مشروعهم الزنيم»، لترجم ذئاب الأرض الطارئون عليها وعلى أزمنتها الفلسطينية والعربية.

إنه زمن الأرض، لا يومها فحسب، وللأرض أيام يداولها الغضب المقدس، لتعيد للشهداء قيامتهم، فرحين بما آتاهم النصر من أوسمة وطنية/ دمهم الطريق ومايزال يملأ شغاف البرتقال والليمون، رأيناه هناك في انتصاب السنابل وتفجر الأنهار في الأودية السحيقة غير عابئة بالطحالب، فمن يجرؤ على أن يوقف نهر الحكاية، هو من حفر مجراه عميقاً في الذاكرة، فالتاريخ ليس إذن الحكاية بل فمها/ ذلك السارد الذي خرج عن صمته سارداً ومسروداً… تاريخ فلسطين العصي على النسيان من أربك غزاته الطليقين في عرائهم.

هي الأرض توحدت هناك تحت ظل النشيد وظل السارية، لتخط أفقها دورة جديدة من شمس نهارات عالية.

وكم أصغينا لنشيدها وأولمنا دقائق العمر لحروفها الذاهبة إلى أبديتها الخضراء تماماً، لتصبح كُحْلَ الأغنيات وبنفسجها العالي الذي قشَّر كل الحكايات على مهل قصيدة كبرى… هي الأرض من تعيدنا إلى أسرارها العلنية، من سخنين إلى عرابة إلى كفر كنا إلى نور شمس المثلث، كان الجليل ينسج للشمس خيوطها الذهبية لتصبح قمصان أرواحنا، لنذهب في إثر تلك الحكايات… تلك ثقافة أرواحنا وخلاصة كل أسئلتنا الوجودية، ما الأرض سوى نحن، نتنفسها كعشق لا يزول، بدهشة الكلمات الحارسة لظلالهم، هم من تماهوا بها لتعبر قلوبهم خفقة من الزنزلخت تَرْبُتُ على كتف السنديان.. إنها الأرض قيامة الأرواح وليولم البرتقال كل أعراسه.

عن علي محمد

مدير التحرير