الإثنين , 30 مارس 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 ثقافتنا في الميدان
ثقافتنا في الميدان

ثقافتنا في الميدان

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 732 )

إن استقراء واقعنا الثقافي اليوم، أصبح حاجة ماسة، ليس بحثاً عن أولويات الثقافة بمركبها الجمعي والفردي وكثافة اصطلاحاتها بقدر ما يعني ذلك الذهاب إلى تجذيرها في الوعي وتحرير معناها الذي تداخل بما لا يمت إليها كوظيفة وأدوار ومرجعيات، ذلك أن العودة إلى مفهوم الثقافة الفلسطينية لا ينبغي النظر إليه الآن بوصفها قارة معزولة عن محيطها وواقعها الموضوعي، بل هي جزء ومُكّونٌ من نسيج مجتمعي، وبوصفه جزءاً من تاريخ الأمة الحضارية.

 فحينما نستعيد في هذا السياق مفهوم المثقف سوف نستعيد معه أيضاً مفهوماً تأسيسياً تصادى في أدبياتنا، هو مفهوم المثقف المشتبك، وهو المعادل للمثقف العضوي الذي نُظِّر إليه، وأُشبِعَ تنظيراً، والمثقف المشتبك كحقيقة على الأرض بدأت بياناته التأسيسية منذ أولى شرارات الاحتكاك مع الغزوة الصهيونية وقبلها مع الانتداب البريطاني على أرض فلسطين التاريخية، وذلك ما عُبر عنه بظاهرة نبيلة هي المثقف الشهيد والشهيد المثقف من أمثال عبد الرحيم محمود، كمال عدوان، كمال ناصر، تاريخ متصل منفصل بمآثر أولئك الأعلام الذين أصبحوا صرح ذاكرة المقاومة وعلاماتها الفارقة في مشهد ثقافي وإبداعي انعطف كثيراً، وتجلى بغير محطة، والأدل في هذا السياق، أي في الراهن ما فعله الشهيد المثقف باسل الأعرج واخوانه، اتصالاً وتأسيساً على تاريخ لم يمضي تماماً، هذا المفهوم «المثقف المشتبك»، الذي يدحض كل متعاليات الثقافة المضادة  وممثليها وسدنتها، أولئك الذين تهافت خطابهم وانفصل عن مكوناته البنائية، وذلك على مستويين المستوى الفكري والمستوى الأخلاقي، وجدلية هذين المستويين هي جدلية تقول بالعودة إلى المسلمات والبديهيات في زمن التشظي والتهافت، إذ لا يستطيع المثقف التقني، والعرض حالجي، وسواهم ممن افتقدوا مشروعاً ثقافياً تنويرياً حقيقياً أن يكونوا الممثلين لثوابت أمتهم ومنظومة قيمها الراسخة والمركوزة في ذاكرة الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي.

وإذا كانا بصدد أن نتساءل عن الضرورة الأخلاقية في تصويب المصطلحات وما شابها من التباسات خطيرة، كادت أن تودي بالمفهوم الأصيل لها، ذلك ما يفتح غير أفق في ذاكرة الحاضر بمعنى التساؤل الدائم بقصد التقاط أسئلة نبيلة عن جدوى المثقف والثقافة، وإشكاليتهما المستمرة في راهننا المقاوم، فلا بد إذن من الجرأة والمغايرة لتعرية المفاهيم الملتبسة للثقافة وصولاً إلى حال «مثقف» غير منتمٍ ولا تعنيه القضية أبداً، هذا إن لم يذهب من خلالها لتصدير أزماته بسلوكيات لا ترقى إلى جدلية الثقافة في عالم متغير، أصبحت الحاجة إلى تعضيد مفهوم المثقف الحقيقي حاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى، وذلك ما يحتم علينا كمتابعين لهذا المشهد العودة إلى أصالة هذه الثقافة وربطها بالمتغير دون أن تفقد خصوصيتها وتفقد انفتاحها، وتغير في ثابتها، فمضمونها الكفاحي هو المعيار في ذلك التأصيل دون انفصال أو قطيعة مرجعية مع إرث تاريخي مديد.

واقع متغير لا يقصي العودة إلى الأصول وإلى تسمية الأشياء بمسمياتها، لتُظهر الثقافة الوجه الأنصع لحقيقة وجودنا المشتبك أبداً مع الغزوة الصهيونية، فالعودة لمسلمات الصراع على المستوى الثقافي بشكل خاص هي صورتنا الأخيرة والتي من خلالها نبني واقعاً ثقافياً جديداً، ولو تسارعت معطياته من شأنه أن يقصي تهافت المتثاقفين والمتعالمين، ويعني في سياقه الجديد وحدة الثقافة تشاركية وأفعالاً على الأرض لا في فضاء مجازاتها الملتبسة، ولا يفوتنا في هذا السياق إلا أن نستذكر ما قاله الأديب الفلسطيني الراحل الشهيد غسان كنفاني تلك المقولة الباهرة: «إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية.. فالأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغيرالقضية».

لا ثقافة بلا مشروع يعضد منظومات الوعي الحارس لأبجدية الصراع.

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد