الإثنين , 30 مارس 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 هناك سوابق تاريخية للكورونا
هناك سوابق تاريخية للكورونا

هناك سوابق تاريخية للكورونا

حسين جبارين

الأوبئة تفسد خطط المؤرخين. فجأة يتوقف الإنسان عن كونه وكيلا للتاريخ. الكتاب الرائد الذي شكل انطلاقة للمؤرخ المشهور وليام مكنيل، “الأوبئة والناس” (1976)، يدعي ذلك بالضبط. وهو يبحث في التأثير الكبير للأوبئة في تاريخ الانسان. وحسب زعمه، التاريخ الانساني يتحرك بمسارات متوازنة وخرقها بين الكائنات الحية الدقيقة (الجراثيم والبكتيريا) وبين الكائنات الكبيرة (بني البشر).

التقاء حضارات تسبب على الاغلب بخرق كبير لهذا التوازن. والحديث لا يدور فقط عن الحالة المعروفة جدا وهي تصفية السكان الاصليين في العالم الجديد (القارة الامريكية) عن طريق الامراض كان الأوروبيون الغزاة محصنين منها. مثلا، قبل ذلك بمئات السنين غزوات المغول دمرت الشرق والغرب وانشأت الخلفية لانتشار الوباء الأسود. وحسب مكنيل، ايضا سكان الامبراطورية الرومانية، بالذات لكونها امبراطورية ضخمة، عانوا من أوبئة مستوردة، الامر الذي أدى في نهاية المطاف الى زوال الامبراطورية في الغرب وصعود دين جديد هو المسيحية، الذي اقترح تفسير أسمى أو فرصة لتعزية شخصية مقابل تعسف المرض.

اليوم نحن نتفاخر بإنجازات العلم والطب التي تعطينا تحصينات جديدة في كل يوم. قليلون يلاحظون أن شهوة الاحتلال الامبريالي الحديث هي المسؤولة بشكل كبير عن القفز والتقدم في البحث الطبي. وعندما تبين للإنسان الابيض بأن هناك مناطق كبيرة في “القارة السوداء” مغلقة أمامه في اعقاب امراض البيض غير محصنين منها (تم تعلم العبرة الامريكية) تم استثمار اموال كبيرة في تطوير العلم والادوية. المشروع نجح، والطب الذي جميعنا نتمتع به قفز الى الامام، مع الاحتلال الوحشي لأفريقيا. احيانا حدث ذلك بصورة معاكسة – الكثير من السود في هاييتي نجحوا في التمرد ضد فرنسا، حيث أن نابليون خاف من الكوليرا الصفراء التي كان السود محصنين منها، لكن البيض لا. وهناك من قالوا بأن مخاوف كهذه كانت هي السبب الذي من اجله وافقت فرنسا في 1803 على أن تبيع للولايات المتحدة لويزيانا، الامر الذي ضاعف مساحة الجمهورية الفتية.

لا يوجد للوباء أو المرض أي حدود سياسية. ولكن التعامل معها يختلف وفقا للبلاد والوضع الاقتصادي. أوبئة مثل الكوليرا أو مرض السل تنتشر بشكل عام في مسارات الفقر والعوز. وهناك علاقة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية وبين انتشار الأوبئة. لذلك يأتي الخوف الدائم من انتشارها في افريقيا المتخلفة نسبيا.

الادراك بأنه يوجد شيء يسمى “جراثيم” (نحن ننسى الى أي درجة هذا الخبر جديد) تنتشر بالأساس في ظروف الفقر والقذارة، أدى الى أن تماهي مرض السل مع الفقر اضاف له بعدا يدعو الى الخجل. وكأن المرضى هم المسؤولون عن مرضهم. عندما اصاب مرض السل ايضا برجوازية القرن التاسع عشر العليا اضيف اليه بعد رومانسي يدمج بين الدم والحب والموت. ولكن الفقراء في اوروبا يمكنهم فقط الحلم بالمستشفيات الباهظة التي تظهر في الأدب. الآن، مع العولمة، فان وباء الكورونا يضرب الجميع ولم تطور بعد اتجاهه علاقة، سوى الاعتراف بمسؤوليتنا المتبادلة كمجتمع انساني.

الكثيرون يتهمون الآن العولمة في عصرنا، والحركة الحرة للناس والبضائع التي سهلت جدا انتقال الفيروس من مكان الى آخر. إلا أن العلاقة بين العولمة والفيروس ليست امرا جديدا كما ذكرنا. ولأنه لا توجد امكانية لإعادة العولمة الى الوراء، يجب اعطاء الانتباه بأنه لا يوجد ما يكفي من العولمة لتطبيق نفس المسؤولية الانسانية الاساسية بمعايير موحدة.

الوباء من شأنه أن يهز المجتمع وقيمه من اساسها. بالوباء الاسود في اوروبا (1347 – 1351) مات بين ثلث – نصف سكان القارة. ولكن الهبوط الديمغرافي أدى الى خفض اسعار الاراضي وزيادة قيمة الفلاحين، واختفاء الاقطاعيات، وقفزة في مستوى المعيشة، وتطور تكنولوجي لا يحتاج الى قوة بشرية كبيرة. وقد كان للوباء ايضا تأثيرات بيئية – اوروبا كانت تقريبا خالية من الغابات وفيها اراضي قفراء حول 1200. بعد الوباء عادت الطبيعة وسيطرت على مناطق عديدة. وفقط عندما عاد سكان اوروبا وتكاثروا عاد ايضا القمع والاستغلال بدرجة أكبر. ولكن في هذه الاثناء ازدهرت ايضا افكار جديدة وتغيرت الظروف الاقتصادية. وقد كان من ادعوا بأنه لولا الوباء الاسود لما كنا حظينا بعصر النهضة في اوروبا.

في زمن الوباء ايضا الثقافة والدين يمران بهزة شديدة. في فيلم “الختم السابع” لاينغريد بيرغمان يلعب الفارس الاسكندنافي العائد من الحملات الصليبية الشطرنج مع الموت، ذاك الذي يحصد بمنجله موتى الوباء الاسود. دولة مثل النرويج فقدت 60 في المئة من السكان والصدمة كانت كبيرة. النغمة في الأدب والفن اصبحت مريضة، و”الرقصة المروعة” (هكذا ايضا ينتهي “الختم السابع”) التي تظهر فيها هياكل عظمية وهي ترقص مع الاموات، اصبحت فكرة مقبولة. الرعب والشك يخلق الحاجة الى العثور على متهمين، واحيانا الاصبع وجهت لليهود، اعداء الحضارة، الذين اتهموا بتسميم الآبار. في شترسبورغ مثلا قتل 2000 يهودي وجاليات كاملة أبيدت. يجب علينا فقط الانتظار، وليس كثيرا، كي نسمع حاخام معين أو آخر يتهمون “الشعب” الذي لا يعبد الله أو نسمع عن تفسيرات شيطانية اخرى مختلفة.

الخوف الاكبر هو من الانحلال الاجتماعي والاخلاقي. المؤرخ من اثينا توكيديدس مرض هو نفسه بالوباء الذي تفشى في اثينا. عندما جمعت اثينا جميع السكان في غابة اثناء حربها مع اسبارطا (431 ق.م)، كان توكيديدس يعيش في عصر طب أبو قراط، الذي ركز على النظر ووصف دقيق للواقع، وهكذا ايضا فان علم التاريخ يتغذى من اللقاء بين الطب والمجتمع. ونحن نوصي بقراءة الوصف بالكامل (تاريخ حرب لوبونس – ترجمة أ.أ هليفي). ولكني سأقتبس النهاية فقط، التي تحذر مما يمكن أن يحدث. “المرض هو الذي تسبب ايضا بجميع الجرائم الشديدة الاخرى، التي ملأت المدينة. لقد كان من السهل الآن في نظر الشخص أن يتجرأ على فعل ما يخطر بباله علنا، وهو ما كان يفعله في السابق في الخفاء. لقد رأوا أنه فجأة يتغير مصير الانسان، والناس يصبحون سعداء ويغرقون في أملاك الآخرين، واولئك الذين كانوا في السابق لا يملكون أي شيء، يملكون الآن الممتلكات. هكذا، سمحوا لانفسهم بأن يأخذوا من الحياة ويستمتعوا بها. لأنهم رأوا اجسادهم واموالهم واصبحوا يفكرون في يومهم فقط. لم يكن أي احد مستعد للتعب من اجل الشرف، لأنه كان يعرف أنه لن يموت قبل أن يحظى بهذا الشرف. ولكن كل شيء كان فيه متعة فورية، وكل شيء من شأنه من أي جانب أن يكون مفيدا، كان يفعله. لذلك، لم يكن هناك خوف من الالهة أو من قوانين الناس.

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد