الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون عربية 10 سدّ النهضة الأثيوبي يهدّد مستقبل الأمن القومي المصري…! ويؤسس لمزيدٍ من النفوذ «الإسرائيلي» في القارة الإفريقية
سدّ النهضة الأثيوبي يهدّد مستقبل الأمن القومي المصري…! ويؤسس لمزيدٍ من النفوذ «الإسرائيلي» في القارة الإفريقية

سدّ النهضة الأثيوبي يهدّد مستقبل الأمن القومي المصري…! ويؤسس لمزيدٍ من النفوذ «الإسرائيلي» في القارة الإفريقية

( مجلة فتح العدد – 732 )

هناك جملة مخاطر تهدد الأمن المائي المصري،منها أزمة سد النهضة الإثيوبي. حيث توترت العلاقات السودانية ـ المصرية ـ الإثيوبية بسبب الخلاف بخصوص موضوع السد الذي تبنيه إثيوبيا على الروافد الرئيسة لنهر النيل في منطقة «بني شنقول» قرب الحدود السودانية، وعلى بعد نحو 900 كيلو متر شمال غرب أديس أبابا، وتتخوف مصر من أن يؤثر هذا المشروع في حصتها المائية من نهر النيل.

سد النهضة الأثيوبي، كارثة حقيقية على مصر، الأمن القومي المصري في خطر، والسد يؤدي إلى جفاف مصر، ويشرد أكثر من ثمانية ملايين مصري… هذه بعض صرخات وتحذيرات أبناء مصر، سواء من المسؤولين السابقين، أو من الخبراء والمستشارين في شؤون الزراعة والري وبحوث المياه، ومن خلال الصحافة المصرية، وهي تحذيرات موجهة إلى القيادة المصرية، منذ مهدت أثيوبيا الطريق لبناء «سد النهضة» وفق خطة مدروسة بدأتها بإعداد وطرح وتبنّي الاتفاقية الإطارية لدول المنابع «منابع النيل والأنهر الأخرى»، وقادت الصراع لإنجازها منذ عام 1995.

لقد ظهرت مشكلة سد النهضة، حين استغلت إثيوبيا (التي يرد منها 80 في المائة من مياه النيل) انشغال مصر باضطرابات أحداث يناير 2011 ، وشرعت في بناء السد الذي طالما رفضت مصر السماح لها ببنائه، ولم تجرؤ شركة عالمية التقدم لبنائه خوفاً من رد الفعل المصري الذي وصل لحد التلويح بالعمل العسكري، ووجدتها إثيوبيا فرصة لدعوة الشركات وجهات التمويل الدولية للمشاركة في بناء السد، الذي يحتاج إلى تخزين 70مليار متر مكعب من المياه لاستخدامها في توليد كميات هائلة من الطاقة الكهربائية تكفي استخدامات إثيوبيا وتبيع الفائض لمن يريد من دول الجوار، وهو الأمر الذي سيؤثر قطعاً على حصة مصر من المياه التي لا تكفي احتياجاتها بعد أن تجاوز عدد سكانها الـ 100مليون.

إضافة إلى ذلك فقد استغلت أثيوبيا ضعف مستوى التفاوض مع مصر وغياب الردع القسري غير عابئة بالاعتراضات المصرية، ومن ثم استغلت جميع الظروف وكسبت الوقت لإنجاز بناء السد من دون أي تعديل، لفرض الأمر الواقع، لأن بناء السد ينطلق ويستند إلى صراع سياسي واقتصادي غير معلن مع مصر، وبتخطيط أمريكي ـ «إسرائيلي»، ولن تعبأ بالاعتراضات المصرية.

ومما يدعو إلى دق ناقوس الخطر، أن سد النهضة إسمنتي بالكامل وليس سداً ركامياً مثل السد العالي، ما يجعل معامل أمانه منخفضاً واحتمالات انهياره مرتفعة، وانطلاق 74 مليار متر مكعب من المياه في توقيت واحد، تعني إبادة مدينة الخرطوم بالكامل وجميع المدن شمالها وتغطيتها بالمياه بعمق تسعة أمتار، ما يهدد السد العالي في مصر بالانهيار إذا كانت البحيرة خلف السد ممتلئة وذلك يعني اجتياح جميع المحافظات المصرية بالكامل حتى مدينة الجيزة.‏ و في نفس السياق، أكد خبراء ومسؤولون مطلعون بأن مصر ستتكلف سنوياً 50 مليار جنيه (7 مليارات دولار) لتحلية مياه البحر وتعويض النقص الذي سيسببه السد الإثيوبي في حصة مصر من مياه النيل، أي بواقع 12 في المائة من ميزانية الدولة ستخصص لتغطية الاحتياجات المائية للبلاد.

وبناء «سد النهضة»، الذي لا ريب في إضراره بالأمن المائي لمصر، وبأمنها القومي والاستراتيجي، لا يمكن إدراجه إلاَّ في سياق سعي استراتيجي لإضعاف مصر، ولإعلاء بنيان «إسرائيل العظمى»، فيد الكيان الصهيوني التي ستحْكِم قبضتها على كهرباء السَّد، إنتاجاً وتوزيعاً، في بناء هذا السَّد مرئية لكل من له عينان تُبصران.

هذا السَّد، وبما يتمتع به من أهمية كهربائية وزراعية ومائية، وبما يتسبب به من إضعاف لمكانة مصر الاستراتيجية، سيكون نقطة انطلاق لمزيدٍ من النفوذ «الإسرائيلي» في القارة الإفريقية التي أهملها العرب بما جعلها تطلب مزيداً من هذا النفوذ. وإنه لَمِنَ الوهم القاتل للحكومة المصرية، أنْ ينظر إلى الصلة الاستراتيجية المتنامية بين الكيان وأثيوبيا على أنها أمر عابر مؤقت، فأثيوبيا لديها من المصالح والأهداف الإقليمية ما يشدد لديها الميل إلى تحالف استراتيجي دائم مع الكيان، وتأسيس لوجود عسكري في أثيوبيا.

واليوم تأتي الخطوة الأخيرة في مضمار تآمر الكيان على مياه نهر النيل عبر (سد النهضة) في أثيوبيا. ويرجع اقتراح بناء هذا السد إلى 1964 عندما طلب الكيان الصهيوني من أثيوبيا بناء على نهر النيل وعندها كان الاعتراض المصري في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصرعلى إقامة مثل هذا السد الذي سوف يجعل أرض مصر جرداء ويتسبب في هلاك الزرع والضرع، وفي خطابه الذي ألقاه يوم 6/6/1964 في القاهرة (أن مصر لم ولن تسمح ببناء سدود تحجب مياه النيل عن مصر). لكن الفرصة أصبحت مناسبة للكيان لتمويل بناء هذا السد.

ورغم نفي «الإسرائيليين» قيامهم بتأجيج الحرب المائية ضد مصر والحقيقة أن الكيان يعمل بقوة على استخدام أثيوبيا كورقة ضغط على مصر، غير مخفي أطماعه في مياه النيل المصرية، حيث وضع الكيان استراتيجية محددة من أجل الوصول لمنابع النيل كورقة ضغط على السودان ومصر، ما ينعكس سلباً على التنمية في السودان ومصر، ويشكل تهديداً للأمن السوداني والمصري، والملاحظ أن الاستراتيجية «الإسرائيلية» في منطقة القرن الأفريقي تحظى بدعم الولايات المتحدة بخاصة، والدول الغربية بعامة.

وتكمن الرؤية الإسرائيلية في النظر إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر ومنطقة البحيرات كامتداد للمنطقة العربية، وكمنطقة يمكن استخدامها لمحاصرة الأمن القومي العربي، ولاسيما في امتداده السوداني والمصري وفق استراتيجية (حلف المحيط)، بإقامة تحالفات مع الحدود والجماعات الإثنية المعادية للعنصر العربي الإسلامي من ناحية، ومن ناحية أخرى الاستفادة من وجودها في المنطقة للتلويح بورقة المياه، مستندة إلى الدور الأمريكي، خاصة وأن هناك سعياً أمريكياً حثيثاً لتأسيس مناطق نفوذ من دول منابع النيل ووسط أفريقيا، سواء في إطار السيطرة على وسط القارة أو الإمساك بأوراق رئيسية فيها، ونلاحظ أن مجموعة القادة الجدد الذين يحظون بدعم أمريكا والكيان معظمهم يتركز في حوض النيل، ونلاحظ أيضاً أن الكيان قام بدور رئيسي في التنافس الأمريكي الفرنسي في وسط القارة الأفريقية.

نهر النيل. قضية أمن قومي والأمن القومي المصري لا ينفصل عن الأمن القومي العربي، لكن للأسف إن التعامل مع قضية الأمن القومي العربي يتم بالقطعة ودون حسابات أو خطط أو استراتيجيات تنم عن فهم لعمق الموضوع حتى تم ترك القرن الافريقي لأعداء العرب يعبثون فيه .

عن علي محمد

مدير التحرير