الثلاثاء , 25 فبراير 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 الموقف الحركي 10 المشهد الفلسطيني: الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاقة الثورة الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني بين الواقع والطموح والآمال المفقودة
المشهد الفلسطيني:  الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاقة الثورة الفلسطينية  والمشروع الوطني الفلسطيني بين الواقع والطموح  والآمال المفقودة

المشهد الفلسطيني: الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاقة الثورة الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني بين الواقع والطموح والآمال المفقودة

بقلم: ياسر المصري

     عضو اللجنة المركزية للحركة

     مسؤول الإعلام والدراسات الفلسطينية

( مجلة فتح – العدد730 )

خمسة وخمسون عاماً من عمر الثورة الفلسطينية المعاصرة، وانطلاقة حركة فتح الرائدة في المشروع الوطني الفلسطيني، بعد مسار نضالي طويل خاضه الشعب الفلسطيني، بعيد الغزوة الصهيونية، وتحديداً في أعقاب إعلان وعد بلفور المشؤوم الذي أعطى من لا يملك لمن لا يستحق، معلناً بذلك  البدء بتنفيذ مؤامرة كبرى على الشعب الفلسطيني تستهدف اقتلاعه من أرضه وطمس تاريخه الطويل على تلك الأرض، وهذا أدى إلى قيام الشعب الفلسطيني بالعديد من الثورات والهبّات، وتقديم الضحايا من أجل الحفاظ على الهوية الفلسطينية، وعلى الحق الفلسطيني التاريخي، وفي الثورة المعاصرة فإن الصراع مع المشروع الصهيوني هو صراع مستمر بغض النظر عن المؤامرات والصفقات التي أدت إلى تراجع المشروع الوطني وأعاقت تطوره، بل أكثر من ذلك أدت إلى تراجع انعكس على شكل أزمة وانقسام وتشرذم وغياب لرؤية إستراتيجية وطنية تجمع الكل الفلسطيني في إطار واحد وبوتقة واحدة.

ومن نافل القول بأنه عندما انطلقت الثورة الفلسطينية في الأول من كانون الثاني عام 1965، كان الهدف منها تحرير الأرض الفلسطينية التي اغتصبت عام 1948، لذلك ومن أجل هدف تحرير فلسطين، التف الشعب الفلسطيني بكافة شرائحه ومكوناته حول الثورة الفلسطينية، معلناً بذلك بدء مرحلة جديدة في تاريخه الوطني، متمرداً على واقع اللجوء إلى المنافي، خاطاً طريق التحرير من خلال المقاومة، رافعاً شعار ثورة حتى النصر، متمسكاً بمبدأ أن الصراع مع العدو الصهيوني صراع وجود وليس صراع حدود، ممتشقاً البندقية كوسيلة أساسية في عملية تحرير الأرض وتحقيق هدف العودة.

وبعد مسيرة عمرها خمس وخمسون عاماً، قدم من خلالها الشعب الفلسطيني عشرات الآلاف من الشهداء، ومئات الآلاف من الجرحى، أرقام لا تحصى من الأسرى، وأطفال أيتام، وأمهات ثكالى، ونساء أرامل، وشتات وتهجير ودمار منازل، وفي هذا السياق فإنه من الطبيعي أن يطرح كل أولئك سؤالاً منطقياً أين نحن من بدايات الثورة، وهل كانت تضحياتنا من أجل جزء من فلسطين، وهل يجوز أن يبقى الشعب الفلسطيني بلا مرجعية وطنية وبلا مشروع وطني فلسطيني، وما هو مستقبل قضيتنا في ظل التجاذبات السياسية والانقسام الحاصل في الواقع الفلسطيني؟!.

بعد كل تلك السنين من النضال والصراع المستمر مع العدو الصهيوني، وفي ظل استحقاقات عاصفة في منطقتنا بشكل عام وعلى صعيد قضيتنا الوطنية بشكل خاص، فذلك يتطلب من كافة القوى والفعاليات الوطنية وقفة نقدية شجاعة وجريئة تجيب على تلك الأسئلة بنظرة موضوعية عميقة تعيد الاعتبار لقضيتنا وثورتنا بعيداً عن الغرق في مستنقع البكاء على الماضي، فالمرحلة تحتاج إلى شحذ الهمم وإلى التماسك والصلابة ، وبناء المشروع الوطني على قاعدة الثوابت الوطنية، وخاصة أن الكيان الصهيوني يرى في المرحلة الراهنة الفرصة المناسبة لتمرير مشاريعه الاستيطانية والتهويدية مدعوماً من الولايات المتحدة الأميركية دعماً مطلقاً، ومستغلاً حالة الضعف والوهن العربي، بل يتعدى ذلك إلى تآمر البعض من النظام الرسمي في تطبيق صفقة القرن الأميركية، وتسارع مشاريع التطبيع في العديد من تلك الدول بشكل سافر، متخلين عن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة، وإدارة الظهر، من جانب ما يسمى منظمة التعاون الإسلامي التي لا تعير أدنى اهتمام للمقدسات الإسلامية والمسيحية، الذي يعمل الاحتلال على تهويدها في كل يوم.

إن الحالة الفلسطينية في الوضع الراهن يعتريها العديد من الأزمات والتشتت، وغياب الرؤى الإستراتيجية والمرجعية الوطنية والمؤسسات، وخاصة أن المرجعية التي كان الشعب الفلسطيني يلجأ إليها في الأزمات، غائبة كلياً أو منفصلة عن الواقع، ونقصد هنا منظمة التحرير الفلسطينية، فما يجري في الضفة الغربية من  اعتقالات وقتل للمناضلين وتوسع للاستيطان وهدم للمنازل، وما يجري في قطاع غزة من اعتداءات متكررة على الشعب الفلسطيني، وحصار ظالم يعود إلى أكثر من ثلاثة عشر عاماً وعقوبات تفرض على أسر الشهداء والجرحى وغيره من عقوبات أخرى، وفي الأردن يتعرض لتبديد هويته نتيجة لأكثر من عامل، إضافة إلى محاولات التهجير والمعاناة التي يعانيها أبناء شعبنا في لبنان نتيجة سياسة الاهمال وقوانين العمل الجائرة، أما في ما يتعلق بسورية وما جرى في المخيمات الفلسطينية من تشريد وتدمير أدى إلى هجرة عشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية إلى المنافي، فلم يلمس الإنسان الفلسطيني أي دور لمنظمة التحرير في تخفيف معاناته، (اللهم فقط صرف مبلغ لا يكفي لإطعام عصفور أو قط من القطط السمان).

وبمقابل ذلك يقوم شعبنا الفلسطيني بإمكاناته البسيطة وإرادته الصلبة على ابتكار وسائل نضال وصراع أزعجت العدو وأربكته، فقطاع غزة أنتجت قواه المقاومة صواريخ وصلت في مداها إلى عمق تل أبيب وأدت إلى اختباء مئات الآلاف من المستوطنين في الملاجئ وعلى رأسهم «نتنياهو»، كما أن مسيرات الجمعة التي انطلقت منذ عامين مازالت مستمرة برغم سقوط مئات الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى، وبرغم الضغط من أطراف عربية ودولية من أجل إيقافها، وفي الضفة الغربية وبرغم التنسيق الأمني ما بين أجهزة «السلطة الفلسطينية» والكيان الصهيوني، قام عشرات الشبان بعمليات فدائية نوعية أدت إلى تعميق مأزق الاحتلال الأمني، ومازال شعبنا الفلسطيني في خارج أرضه المحتلة (لبنان، سورية، الأردن) متمسكاً بهويته يرفع لواء المقاومة ويترقب اللحظة التي يشارك فيها بالصراع والاشتباك مع العدو بشكل مباشر فهو يمتلك من المخزون النضالي والإرادة الشيء الكثير مما يؤهله القيام بدور كبير في عملية التحرير، ولا يمكن أن ننسى الدور النضالي الذي يقوم به أبناء شعبنا الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 1948، من تمسك بالهوية النضالية برغم كل محاولات العدو الطمس والتهويد والتهجير والتدمير.

ومن جانب آخر لابد من رؤية التحولات في الواقع المحيط بالقضية الفلسطينية على مستوى المنطقة والعالم، فإذا كانت العديد من الأنظمة العربية قد تخلت عن مسؤوليتها القومية اتجاه فلسطين وشعبها، وذهبت باتجاه التطبيع والاعتراف بالعدو، فإن هناك محوراً حقق ويحقق انجازات وانتصارات أعاقت المشروع الأميركي-الصهيوني في سورية والتي انتصرت على الإرهاب واستعادة سيادتها على معظم الأراضي السورية، وفي العراق أفشلت المقاومة المشروع الداعشي القائم على تكريس التجزئة والتقسيم الطائفي، وفي اليمن حقق أبناؤه انتصارات أذهلت ما يسمى (التحالف الدولي) ومن خلفه أيضاً، كما أن لبنان المقاوم وعلى رأسه حزب الله في كل يوم يثبت أن تطور قدراته ترعب العدو الصهيوني وتعمق مأزقه، وفي الجانب الإيراني فإن الصراع المحتدم مع أميركا والكيان الصهيوني وصل إلى مرحلة فشل أميركي وهلع صهيوني نتيجة القدرات التي تمتلكها إيران في إدارة الصراع السياسي والأمني والعسكري.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن الشعب العربي الذي حاولت الأجهزة الغربية والأنظمة العربية تدجينه وتعميق وعيه القطري على حساب الوعي القومي، وعملت على حرف بوصلة صراعه مع العدو الصهيوني من خلال خلق عدو وهمي، وإثارة نعرات طائفية ومذهبية وفوضى منظمة من خلال ما سمي «ربيع عربي»، كل ذلك فشل إلى حد كبير نتيجة تمسكه بالقضية الفلسطينية، وهذا تجلى بشكل واضح إبان انعقاد ما سمي «ورشة البحرين» التي مهدت لتصفية القضية الفلسطينية، والتي وحدت الشارع العربي في العديد من العواصم التي خرج بها أبناء الشعب العربي رافضين «صفقة القرن» ورافعين راية فلسطين.

وفي سياق ذلك لابد من قراءة تلك التحولات، وتنامي قدرات محور المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني واستمرار مقاومته في بلورة مشروع وطني يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على ما يلي:-

1- وضع إستراتيجية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية على كافة الصعد، وترسم مسارات مستقبل العمل الوطني وتحدد معسكر الأصدقاء والأعداء.

2- مراجعة نقدية شاملة وخاصة لمسار التسوية والمفاوضات والنتائج التي تلت اتفاق أوسلو الكارثي من اعتراف بالعدو الصهيوني والتنسيق الأمني والاعتراف بالكيان الصهيوني وغيره من اتفاقيات أضرت بالمصلحة الوطنية.

3- اعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وثوابت وطنية واضحة بوصفها مرجعية لكافة أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وعلى قاعدة الميثاق الوطني بكافة بنوده الثابتة التي تحفظ الحق الفلسطيني.

4- انتهاج المقاومة وعلى رأسها المقاومة المسلحة كخيار أساسي في عملية التحرير وفي بناء المشروع الوطني وتحديد الانتماء لمحور المقاومة،  العمق الاستراتيجي لنضال شعبنا الفلسطيني.

5- التأكيد على سقوط أوهام التسوية التي انتهجها البعض في الساحة الفلسطينية، وعلى أن الصراع مع العدو هو صراع وجود وليس صراع حدود، وترسيخ ثقافة المقاومة والعمل على تعبئة الجماهير بها.

6- التأكيد على أن  الشعب الفلسطيني مازال في مرحلة التحرر الوطني، وأن المؤسسات والهيئات والمنظمات الشعبية والوطنية هي في خدمة المشروع الثوري، وأن قيادة الشعب الفلسطيني تستمد شرعيتها من خلال برنامجها ودورها الثوري.

7- إن الانقسام في الساحة الفلسطينية ضار، ويخدم الأعداء، ويتطلب منا العمل على رأب صدعه من خلال رؤية تقوم على تحقيق المصالح الوطنية العليا، وعلى أساس برنامج ومشروع التحرير، وليس على قاعدة أوهام سلطوية تعمق الانقسام وتزيد التشرذم.

8- التأكيد على أن مواجهة الأخطار التي تستهدف القضية الفلسطينية وخاصة صفقة القرن وأي صفقات أخرى، يتطلب جهداً عملياً يقوم على وضع خطة عملية واضحة وشفافة تحدد كيفية العمل على إسقاط تلك الصفقات والمشاريع.

ومن الأهمية في هذه المرحلة التاريخية الإشارة إلى أن الوحدة الوطنية هي مسألة ضرورية، لكن لا يعتقدنّ أحدٌ بأن تلك اللحمة الوطنية ممكن أن تتحقق من خلال ما يسمى الانتخابات التشريعية المنوي إجرائها في الأشهر القادمة في الضفة والقطاع، على قاعدة إعادة إنتاج مؤسسة لم تكن في يوم من الأيام من صلب العملية المؤسساتية الوطنية، فهي قد طرأت وتشكلت بعيد اتفاق أوسلو، وبغض النظر عن النوايا والدوافع لكل طرف من الأطراف التي تدعو لتلك الانتخابات فإن شعبنا الفلسطيني اليوم بحاجة إلى التئام أطره ومؤسساته الوطنية التي تشمل الداخل والخارج، وليس جزء منه لتثبيت وحدة الشعب الفلسطيني على قاعدة برنامج التحرير وعلى أنه مازال في مرحلة التحرير، وأن مؤسساته تقوم في خدمة وتنفيذ ذلك البرنامج، دون التفاف أو مواربة أو تدليس من هذا الطرف أو ذاك في تحقيق الغايات والأهداف.

عن علي محمد

مدير التحرير