الإثنين , 6 يوليو 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 في الطريق إلى قاسم سليماني
في الطريق إلى قاسم سليماني

في الطريق إلى قاسم سليماني

بقلم: ياسر المصري

        أمين سر المتابعة في تحالف القوى الفلسطينية

( مجلة فتح – العدد730 )

يقول فلاسفة علم الاجتماع أن الفرد لا يصنع التاريخ، لكنه يساهم في صنعه، وهناك عظماء ساهموا في صنع التاريخ لبلادهم، بغض النظر عن مدى الاختلاف أو الاتفاق مع هذه الشخصية أو تلك، ولكن لابد لنا أن نقر بأن أفراداً معينين تركوا بصمات واضحة في تأثيرهم على المستوى الوطني أو القومي أو العالمي، ومن هؤلاء نذكر الشهيد قاسم سليماني الذي كان له دوراً واضحاً على صعيد المقاومة في أكثر من مكان، يعرفها ويذكرها القاصي والداني، والعدو قبل الصديق، والدليل الأكبر على ذلك التشييع المليوني الحاشد الذي شاركت به سيول وأمواج بشرية في أكثر من مدينة إيرانية وعربية.

لقد أفنى سليماني ثلثي حياته متنقلاً من موقعة إلى أخرى، ومن ميدان إلى آخر، ومن معركة إلى أخرى، وفي كل ذلك كان يشكل الأنموذج المثالي للقائد الاستثناء في تواضعه وكفاءته وثقته بالنصر دائماً، وإيمانه بالهدف الذي يعمل عليه من أجل النصر على الظلم أينما كان ، والوقوف مع المظلوم من أجل نصرته، وكانت القدس وفلسطين الحاضر الدائم في كل معاركه، لأنه يراها البوصلة التي يجب أن لا يحيد عنها الهدف، فكانت دائماً الوجهة التي ينشدها.

فلسطين التي لم تغادره يوماً، تذكره وتذكر أمنيته في الشهادة من أجلها، والصلاة في قدسها، فهي وفية لدماءه، كما هي وفية لكل الشهداء الذين سقطوا من أجلها، وهي خبرته وعرفته في ميادين نصرتها، وصدقه في العطاء من أجلها، وبذل كل ما يملك من أجل تحريرها، فكيف لا تذكره وهو الذي  قدم لها عصارة تجربته وخبرته في تطوير مقاومتهم وارتقاءها إلى المستوى الذي جعل العدو يرتعد من اسمه، وخاصة من خلال تطوير القدرات الصاروخية التي وصلت إلى عمق تل أبيب، وأجبرت العدو على الاختباء في الملاجئ، وهروب قطعان المستوطنين إلى عمق تل أبيب، كما هو حال رئيس وزرائهم «نتنياهو» الذي فر صاغراً أكثر من مرة عندما كان يخطب لحملته الانتخابية في مستوطنات غلاف غزة.

تذكره سورية والعراق واليمن وكل من حارب داعش وأخوتها ومن يقف خلفها، فهو الذي كان في المقدمة، وهو الذي لا يهاب الموت، لأنه كان يتمنى الشهادة دوماً، فلقد جاهد وقاتل بصمت، وكان الجندي المجهول، وكان القائد الذي يضع خطط الانتصار، وكان له ما أراد فقد قاتل وجاهد وانتصر واستشهد،  وأَبو رفاقه الذين قاتلوا معه في العراق إلا أن يستشهدوا معه، ولا يفارقوه حتى في استشهاده، لأنهم أحبوه حباً فريداً من نوعه، فكان رفيقه أبو مهدي المهندس أولهم والذي صادقه ورافقه في كل المعارك على أرض العراق.

هنيئاً لك أيها القائد في استشهادك، وهنيئاً لك في جهادك، وهنيئاً لك في نعشك الذي حمل على أكتاف عشرات الملايين من أحبائك.. ستبقى خالداً فينا، وستبقى منارة للأجيال القادمة، وسنبقى على دربك حتى النصر والتحرير.

في خبر استشهاده كانت الصاعقة، ليس لأنه لم يكن متوقعاً بل لخسارته التي لم نكن نتخيلها بأنها ستحدث ذات يوم، فالفراق لشخص بحجم ودور ومناقب قاسم سليماني مسألة فيها الكثير من الألم والحسرة، حتى ونحن مؤمنين بقضاء الله وقدره. والمشاركة في تشييعه إلى مثواه الأخير كانت أكثر ألماً لأنها ستكون اللحظات الأخيرة في وداعه، ولكن ما يواسي المرء في ذلك اليوم هو الأمواج البشرية التي تدافعت من أجل الوصول إلى جنازته والصلاة عليه، فقد كانت عبارة عن سيول بشرية من الرجال والنساء والأطفال، جميعهم يبكون من قلوبهم بكل ألم، وكأنه كان يعيش معهم في كل بيت وكل شارع وكل أسرة، صوره زينت شوارع طهران وأنارت ليلها الحزين، والتف الوشاح الأسود على كل الأمكنة، وعبست الوجوه حزناً على رجل مثَّل في حياته رمزاً لأمة بأكملها، وأصبح أيقونة إيران التي لا تُنسى.

في مواكب التشييع التي حصلت في الأهواز وطهران وكرمان ومشهد وغيرها من المدن الإيرانية غطت دموع الحزن على هيبة الموت والاستسلام له، فهو قدر والكل مؤمن به، ولكن لحظة الوداع صعبة والجميع يرغب في المشاركة بها مهما كان الثمن، فالشهيد يستحق كل ذلك وقاسم سليماني شهيد استثنائي وقائد استثنائي، فكيف لا نرى تلك الجموع المليونية التي غصت بها شوارع وساحات إيران، والتي لم تكن قادرة على استيعابهم ومنهم الوفد الفلسطيني الذي تاه في زحمة الأمواج وتعرض البعض منهم لأزمات صحية نتيجة حالة الاكتظاظ البشري الذي لا يمكن وصفه، حيث لم نشاهده أو نقرأ أو نسمع عنه يوماً، لذلك يمكن اعتبارها جنازة العصر التي لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، فلقد أدركت في هذه اللحظات أن طهران خرجت عن بكرة أبيها تودع فارسها وابنها الذي جسد كل ما تعلمه في مدرسة الثورة الإسلامية الإيرانية بكل صدق وأمانة، وأهمها فلسطين ونصرة أهلها ومقاومتها.

عن علي محمد

مدير التحرير