الإثنين , 6 يوليو 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 ثقافة الثورة.. وتأصيلها
ثقافة الثورة.. وتأصيلها
Palestinian demonstrators run for cover from tear gas fired by Israeli forces during a protest demanding the right to return to their homeland, at the Israel-Gaza border in the southern Gaza Strip, May 11, 2018. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa

ثقافة الثورة.. وتأصيلها

أحمد علي هلال

( مجلة فتح – العدد730 )

عقود مديدة مترعة بالتحولات والانعطافات مرت على انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ومعها تواترت أدبيات أصبحت مكونات لخطاب ثقافي وسياسي فلسطيني راسخ، لكن تلك الانعطافات بسياقاتها التاريخية وبتأثيراتها العميقة لجهة الصراع ولجهة حقائق التاريخ والجغرافيا العنيدة، قد أنتجت غير مصطلح منه ما ذهب لتثمير الأدب المقاوم ومصطلحات الثورة التي طالما رددناها في خطاباتنا ويومياتنا، والأدل منها الفدائي، ولعل صورة الفدائي التي شهدت غير تغير في مستواها  الدلالي والثقافي باتت تستحق تأصيلاً ناجزاً لأنها ارتبطت بسياقات كفاحية  ونضالية، مازال التاريخ الفاعل يؤكد على حقائقها وينقلها من مستوى إلى مستوى، وذلك ما تقوله كل اليوميات الكفاحية التي أصبحت إرثاً ذاكروياً، من المستحيل إقالته من الذاكرة ومن الزخم والتوهج اللذان حملاه من زمن إلى زمن، ومن مرحلة إلى أخرى، بيد أن القطوع التي تمر به مطلق ثورة يضع هذه الأبجديات أمام محك التطور دون العصف بالدلالة وذلك هو شأن خصوصية تلك الثورات كثورتنا الفلسطينية المعاصرة، والتي لها أنساق في الوعي الجمعي والفردي والإنساني، وما يجري من تداول لتلك المصطلحات على الرغم من تعرضها للتغير والتدوير يضعنا أمام حقائق جديدة، وهي أن تلك المصطلحات «الثورة المعاصرة والفدائي» ومنها ضرورة إعادة الوعي بها لأنها كانت ولم تزل هوية شعب مكافح ومقاوم، على الرغم من الذين ذهبوا إلى تسطيح هذه المصطلحات، بل الأقانيم التي شكلت في نسيجها الوطني رصيداً معنوياً يحمل إرادة الكفاح والمقاومة ويعززهما على الأرض، بوصفهما المعادل الموضوعي لما ينجزه المقاومون على الأرض، وفي الدلالات الثقافية التي ينبغي استعادتها مفهوم الهوية وكيف يتجذر في الوعي ليستمر بحقائق الصراع، ولينجز في سياق هذه الحقائق ما يعني قوة الشعب الفلسطيني وامتداده الحضاري ورسوخه في أرضه مقاوماً، ولو تبدلت آليات المقاومة لكن الجوهر هو واحد ومن يشتق في الفضاء المقاوم غير أسلوب للمقاومة هو الأقدر على تمثل تلك الأفكار والتي أصبحت واقعاً.

ثمة من يشيطنون صورة الفدائي بمسوغات لا ترقى إلى المنطق السليم، وبذرائع واهية تحاول استدخال ثقافات مريضة هي الأقرب إلى مناخات الاستسلام مُقنّعةً بأوهام السلام، ومستدخلة مفاهيم ومصطلحات لا تليق بحقائق التاريخ والجغرافيا، وأكثر من ذلك ثمة من يذهب إلى تفكيك معنى الالتزام وتسطيحه ليصبح موارباً، وقد رأينا ذلك في المحاولات التي تنقل هذه الأفكار إلى الأدب والإبداع، فالأدب الملتزم يشي لبعضهم على سبيل المثال بسياق تاريخي سابق دون وعي -هذا البعض- بأن حاضرنا لا ينفصل عن ماضينا، وحاضرنا المؤسس للمستبقل هو في قلب جدلية الصراع، وذلك ما يعني أن فلسطين التي تواترت في المعادل الشعري العربي والفلسطيني كانت ولم تزل فلسطين، فالإبداع الحقيقي ينأى عن محاولات كي الوعي ولي عنق الحقائق التاريخية، لأن ثقافة المقاومة ليست محدودة في قاموسها، ولا تصدر إلا عن سعة في الذاكرة الثقافية الفلسطينية، وحقيقة القول في حرب المصطلحات التي سعت لانتزاع القضية الفلسطينية من جوهرها وتفريغها منها، تكمن في صراع الإرادات، وقوة حق لا تتنازل عن أدبيات وثوابت الثورة الفلسطينية، لأنها جزء حيوي من مكوناتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية والإنسانية، التي عمدتها دماء آلاف الشهداء الذين قضوا على طريق الجلجلة ليصنعوا من فلسطين الماضي والحاضر والمستقبل وعيهم الجديد، على الرغم من الوعي الشقي الذي استبد بمن يحاولون تفكيك صورة الفدائي وصورة فلسطين وتضحيات شعبها في الوعي، فحاجتنا للعودة إلى البدهيات لا تنفي اتصالنا بالحاضر وصولاً إلى ما تبقى لنا في الخندق الموازي لرصاص الفدائي وأناشيده، وأسفاره على الأرض خندق الفكر المقاوم وثقافة المقاومة صورة وجهنا الأخير.

عن علي محمد

مدير التحرير