الخميس , 9 أبريل 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 اوبريت «ملاك السلام » مهرجان من الإسفاف الفني الهابط
اوبريت «ملاك السلام » مهرجان من الإسفاف الفني الهابط

اوبريت «ملاك السلام » مهرجان من الإسفاف الفني الهابط

موسى مراغة

( مجلة فتح – العدد730 )

كان للفن دوماً بما يشمل من موسيقى وغناء والحان ورقص تعبيري الدور الأبرز للتعبير عن ثقافة الشعوب والارتقاء بالذائقة الفنية، وتصوير حقيقي لما يحمله شعب ما من موروث حضاري، وتسابق العاملون في هذا المجال لتقديم أفضل وأرقى ما عندهم من مواهب مختزنه أبدعوا فيها في تلك المجالات السالفة الذكر.

وشعبنا الفلسطيني الذي يملك الكثير من المبدعين في مجالات التلحين والغناء الملتزم الذي كان صوت الثورة وصوت الثوار المناضلين الذي كانوا يحملون أرواحهم على أكفهم منطلقين في عملياتهم الفدائية، ناهيك عن الأشكال الفنية الأخرى التي أبدع فيها العاملون في مجالات الفنون عامة، فكانوا صادقين ملتزمين بروح الشعب الفلسطيني وأماله والآمة، فكانت الأغنية واللحن والشعر والرواية والمسرحية واللوحة الفنية ناطقة باسم ذلك الشعب المضحي وباسم الشهيد والجريح، وباسم ام الشهداء وأبناءه السائرين على درب الشهادة لتحقيق النصر.

وفي غفلة  من الزمن الردي الذي نعيشه، وفي ظل ما يسمى «سلطة فلسطينية» خاضعة وخانعة، لا تزال تتحكم بمصير هذه القضية وتمعن في أهلها ظلماً وتجويعاً واعتقالاً، ناهيك عن السياسية التي ترتبط بالدوائر الاستعمارية، والتنسيق الأمني مع العدو، وسياسة حصار وتجويع قطاع غزة تحت حجج واهية، وعلى رأس هذه السلطة يتربع شخص أطلق على نفسه «رئيس الشعب الفلسطيني» وهو الرئيس الذي لا يستطيع أن يغادر مقر مقاطعته إلا بأمر من سلطات العدو المحتل.

 في هذه الأجواء ينبري «تلفزيون فلسطين» تلفزيون السلطة بإنتاج ما يسمى «اوبريت ملاك السلام» قدم على أحد مسارح رام الله منذ أشهر قريبة، وهذا الأوبريت الذي أراد له صانعوه أن يكون مدحاً وتبجيلاً وإعلاء لمقام رئيس المقاطعة، من خلال مغناة قدمها أربعة من المطربين الذين تناوبوا على الغناء كورس ردد من خلفهم كلمات تشيد وتمدح  بملاك السلام مع شتى أنواع الامتنان والشكر والفخر الذي يفترض أن الفلسطينيين يشعرون به «اتجاه رئيسهم».

أن الذي تابع تلك المهزلة الفنية التي أسموها «أوبريت السلام» لاشك أنه شعر بالغثيان والتقزز من كمية الرياء والخداع والكذب الذي حواه ذلك الأوبريت، فكم هو مفجع أن تسمع كلمات تشيد بشخص دمر القضية الفلسطينية وتنازل عن أكثر من 87% من أرضها وعقد اتفاقيات مذلة مع العدو ويعتقل المناضلين ويزج بهم في المعتقلات ويتفاخر بالتنسيق الأمني، وبإفشاله العمليات الفدائية ويتفاخر بعلاقاته مع الصهاينة وعمله الدائب  من أجل شباب وأطفال «إسرائيل» ليعيشوا بسلام، متناسياً شهداء وجرحى ومعتقلي الشعب الفلسطيني، والمآسي التي يعيشوها، ذلك «الرئيس» الذي دمر مؤسسات الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها م.ت.ف وتنازل عن حق العودة وغيرها من الثوابت الوطنية، وأنشأ حوله عصابات من المرتزقة في السياسة والأمن,

ولعل المثير للضحك أن هذا الأوبريت بكلمات أغنيته تمجد نهجاً فاشلاً من الأصل، وهو النهج التفاوضي الذي يتبعه رئيس المقاطعه وفيها مقاطع تتعارض مع برنامجه السياسي المؤكد على التزامه بالمقاومة الشعبية ومعارضته المحمومة للكفاح والمقاومة.

وفي ظل ما تعيشه تلك السلطة حسب ما تدعي عن أزمات مالية وفقر وعدم تسديد لرواتب موظفيها، تقول الأخبار المرافقة لذلك الأوبريت المهزلة أن أكثر وزارات السلطة قد ساهمت في انجاز ذلك العمل الفني «الخارق» حتى أن الاتحاد العام للجيدو كان له مشاركة أيضاً.

ومن ناحية أخرى فإن كانت تلك الكلمات التي تحمل كماً لا باس به من النفاق والرياء والمدح المجاني كانت للمدعو خالد سكر، وهو المدير العام «لتلفزيون المقاطعة» حيث كانت كلمات الأغنية من الضعف والوهن يخجل منها تلميذ في المرحلة الابتدائية، ناهيك عن غياب الصور الفنية والجزالة في التعابير وانتقاء المفردات التي كانت تصل حد الإسفاف.

ومن الناحية الفنية والإخراج المسرحي فقد وقف الكورال الغنائي الذي ردد خلف المطربين الأربعة بشكل بائس وكأنهم خشب مسندة بلا روح وإنما إعادات بلهاء لكلمات هم بالتأكيد يحسون بكمية الرياء والنفاق فيها، طبعاً لن نتكلم عن اللحن العام الذي غاب عنه الجمال والإبداع والحس اللمسة الفنية الساحرة للحن جميل يمكن أن يأخذ بالألباب.

أن تلك المهزلة التي سميت «أوبريت ملاك السلام» وما حوته من كلمات والحان وأداء هزيل يجعلنا نترحم على إبداعات عمالقة اللحن والكلمة والأغنية الفلسطينية الملتزمة التي واكبت انطلاق الثورة وسارت معها جنباً إلى جنب.

تلك الأغاني والأناشيد التي ألهبت حماس الجماهير والمقاتلين والثوار على حد سواء وحفرت عميقاً في الذاكرة والوجدان، ولا زالت حتى اليوم تشكل ارثاً موسيقياً وفنياً وتاريخاً  نضالياً للثورة وفنها الملتزم .

أن أغاني مثل: أنا يا أخي أقسمت بالشعب المضيع والمكبل. عالرباعية. وطل سلاحي من جراحي. والشعب الفلسطيني ثورة. و يا جماهير الأرض المحتلة. فوق التل تحت التل اسال عنا الريح تندل. وفي عرس النصر أنا زاحف في عرس النصر،  وغيرها المئات من الأناشيد و الأغاني الثورية الصادقة الملتزمة التي عبرت عما عاشه ويعيشه ويتطلع اليه أبناء الشعب الفلسطيني.

أن كلمات الشعراء أبو الصادق. وأحمد دحبور. ومحمود درويش. سميح القاسم. توفيق زياد وغيرهم من الأفذاذ في عالم الكلمة الذين عبروا بكل رقي وصدق ارتباطهم بالأرض وبالوطن والثورة و والثوار والشهادة. فجاءت تلك الأناشيد صادقة لا رياء فيها، لأنها تمجد وتشيد بالثوار الحقيقيين والذين انطلقوا وعبروا الأهوال واجتازوا الصعاب من أجل تنفيذ عملية فدائية، وكذلك جاءت الألحان زاخرة بالروح المتوقدة للفدائي الحامل روحه على كفه ورشاشة على كتفه، فكانت الحان حسين نازك وعلي إسماعيل. وطه العجيل. ورياض البندك. وعبد الرحمن الشرقاوي. وغيرهم فيها الروح اللحنية والتي تثير في النفس الشجن من جانب ومن أخر تثير الحماسة والفخر والاعتزاز.

بين هذا الذي تحدثنا عنه، وبين أوبريت «ملاك السلام» يظهر كيف تم في غفله من الزمن أقامه حفلة رياء وكذب وخداع لتمجيد دمية لا تملك قرارها ومن أجل حفنة من الدراهم سوف يترزق بها  أصحاب تلك المهزلة المثيرة للشفقة وللبؤس.

ومن محاسن الصدف أن أصحاب تلك «المغناة » قد خجلوا من أنفسهم من ردود الأفعال الغاضبة التي انهالت عليهم من كل حدب وصوب بعد أن تم عرض ذلك العمل المخزي حتى أن ذلك العمل لم يعد يتوفر للمشاهدة عبر أية وسيلة مرئية، وذلك من حجم ما وصف به ذلك العمل من اسفاف وتسطيح فني هزيل جعلهم يعرفوا أنه ليس من السهولة بمكان خداع الناس، وتمرير تلك الأعمال الفنية الهابطة التي لا مكان لها الا النسيان ومزابل التاريخ.

عن علي محمد

مدير التحرير