الإثنين , 20 يناير 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 دراسات ووثائق وتقارير 10 المهاجرون غير اليهود إلى الكيان الصهيوني وعودة سؤال من هو اليهودي؟
المهاجرون غير اليهود إلى الكيان الصهيوني وعودة سؤال من هو اليهودي؟

المهاجرون غير اليهود إلى الكيان الصهيوني وعودة سؤال من هو اليهودي؟

 ( عن مركز مدار للدراسات الإسرائيلية)

ثارت في إسرائيل في الآونة الأخيرة ضجة حول عدد المهاجرين غير اليهود إلى إسرائيل في إطار موجهات الهجرة اليهودية ضمن “قانون العودة”. غير أن الموضوع المطروح ليس بجديد، فقد كان أحد التحديات التي واجهت إسرائيل فيما يتعلق بهجرة واستيعاب اليهود، وبسؤال من هو اليهودي؟ والذي كان محل سجال تاريخي عندما تم تشريع “قانون العودة” العام 1950، وعندما تم تعديله العام 1970.

وفي العام 2004 نشر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية كتابا حول هجرة غير اليهود بحسب الشريعة، أشار فيه إلى أن هنالك 300 ألف غير يهودي هاجروا إلى إسرائيل خلال الهجرة الروسية في تسعينيات القرن الماضي، مما أنتج واحدة من أهم نقاط الصدام بين الأحزاب التي تمثل المجموعة الروسية والتيارات الدينية الأرثوذكسية. وبرز هذا النقاش من جديد بعد نشر معطيات اعتمدت على سلطة السكان والهجرة في وزارة الداخلية، تشير فيها إلى أن 6 من كل 7 مهاجرين في السنوات الأخيرة هم من غير اليهود، وبعد الضجة التي أثارتها هذه المعطيات أعلنت وزارة الداخلية عن خطأ وقع في المعطيات وأنها ستقوم بفحصها من جديد، وقد استهجنت الوكالة اليهودية هذه المعطيات مشيرة إلى أن الارقام غير صحيحة، كما خرجت ضد هذه المعطيات منظمات يهودية مختلفة، خاصة في الولايات المتحدة، وشككت في صحتها أو دقتها. وفي تصحيحها للمعطيات نشرت وزارة الداخلية معطيات تؤكد فيها أن 60% من المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق كانوا من غير اليهود، فيما تصل هذه النسبة إلى 40% من مجمل المهاجرين، واضافت أن 96% و95% من المهاجرين من فرنسا والولايات المتحدة على التوالي هم من اليهود. وبغض النظر عن دقة المعطيات أو عدمها، فإن هذه الظاهرة قائمة وكبيرة وغير جديدة ومعروفة للباحثين ولأصحاب الشأن في الموضوع.

وقد طرحت عدة توجهات لمواجهة هذه الظاهرة أو المشكلة، حسب نظرة كل طرف لها.

ويمكن تصنيف التوجهات على النحو التالي:

الأول: توجه لتعديل “قانون العودة” والذي يشير أصحابه إلى أن الواقع اليهودي في العالم تغير بسبب الاختلاط من جهة، وهجرة أغلب اليهود الذين يعانون من الملاحقة أو التضييق من جهة أخرى. ويقترح هذا التوجه توسيع القانون المذكور بحيث يسمح لهجرة من هم من غير اليهود حسب الشريعة اليهودية ولكن لديهم قريب يهودي (خاصة من طرف الوالد).

الثاني: توجه اتسهيل التهويد الفردي (غيور)، ويشير أصحابه إلى أن الحل لا يكمن في تعديل “قانون العودة”، بل في تسهيل عملية التهويد الفردي وانتقال الفرد إلى اليهودية، وذلك بخلاف موقف المؤسسة والأحزاب الدينية الأرثوذكسية التي تصر على بقاء عملية التهويد الحازمة كما هي، الأمر الذي يصعب عملية التهويد الفردي ويطيل مدتها، مما يمنع الكثيرين من الموافقة على مرورها.

الثالث: توجه لرفض هجرة غير اليهود، وهو التوجه المتشدد الذي يطالب بعدم هجرتهم إلى إسرائيل قبل مرورهم بعملية التهويد الفردي في الخارج، وفقط مع تحولهم إلى يهود حسب الشريعة يسمح لهم بالهجرة إلى إسرائيل.

حجم هجرة غير اليهود حسب “قانون العودة”

يجدر التنويه هنا أن النقاش حول هجرة من هم غير يهود لا يتعلق بالهجرة غير الشرعية أو طلب اللجوء، بل يتعلق بغير يهود حسب الشريعة الأرثوذكسية، يهاجرون ضمن موجات الهجرة اليهودية بموجب “قانون العودة”.

وتشير الصحافية جودي ميلتس من “هآرتس” إلى أن روسيا وأوكرانيا هما الدولتان اللتان يهاجر منهما العدد الأكبر من المهاجرين حسب “قانون العودة”، وتبذل السلطات الإسرائيلية جهودا كبيرة لحثهم على الهجرة. وعموما، فقد ارتفع عدد المهاجرين إلى إسرائيل من 15 ألف مهاجر عام 2008 إلى حوالي 29 ألف مهاجر عام 2018، وأغلبهم من هاتين الدولتين، غير أن ميلتس تستدرك بأن أغلب الذين هاجروا خلال هذه السنوات، لا سيّما من روسيا وأوكرانيا، لم يكونوا يهودا حسب الشريعة اليهودية الأرثوذكسية.

وتذكر الصحافيّة في تقريرها أنه في العام 2017، جاء 49% من المهاجرين إلى إسرائيل من روسيا وأوكرانيا. في العام 2018 وصلت نسبهم إلى 57%، وفي النصف الأول من العام 2019 وصلت نسبتهم إلى 68%. بمعنى أن اثنين من كل ثلاثة مهاجرين جاؤوا من هاتين الدولتين. وتعود أسباب الهجرة إلى الصعوبات الاقتصادية عموما، وإلى الوضع السياسي غير المستقر في أوكرانيا تحديدا. وتشير المعطيات أيضا إلى أنه فقط 7% من هؤلاء المهاجرين أكملوا عملية التهويد الفردي (غيور) وأصبحوا يهودا حسب الشريعة اليهودية.

ويشير شوكي فريدمان، من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، إلى أنه في خانة السكان التي تعرّف بأنها “بدون انتماء ديني” ويصل عددهم في إسرائيل إلى 450 ألف نسمة، هناك مجموعتان، الأغلبية منهم يعيشون كإسرائيليين وغير راغبين بأن يتحولوا إلى اليهودية، والأقلية قسم منها مسيحيون لا يعلنون عن انتمائهم الديني، لأن “قانون العودة” لا يعطي الحق لإنسان بالهجرة إذا أعلن أنه ينتمي إلى ديانة أخرى غير اليهودية.

جدول (1): عدد المهاجرين في السنوات الثماني الأخيرة حسب معطيات وزارة الداخلية

  عدد المهاجرين يهود غير يهود غير مسجلين
روسيا 56342 21383 34772 297
أوكرانيا 39.740 13.235 26.256 249
فرنسا 30.361 28.967 1.168 226
أمريكا 19.721 18.608 915 198

حاولت الوكالة اليهودية حلّ هذه الاشكالية من خلال تسهيل عملية التهويد الفردي (غيور)، غير أن معارضة الأحزاب الدينية الحريدية، والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية، أفشلت هذه المبادرات، مما حدا بعدد من حاخامي الصهيونية الدينية إلى اقتراح بدائل تهويدية مُيسّرة لهؤلاء اليهود، ولكنهم كانوا موضع اتهام من المؤسسة الأرثوذكسية، التي لا تعترف بهذه العملية. في هذا السياق يشير الباحثان يديديا شطيرن ونتانئيل فيشر في مقال نشراه بهذا الشأن إلى الخطورة في اتساع هذه الظاهرة على المجتمع الإسرائيلي، حيث أن “السر”، برأيهما، الواقف وراء صمود إسرائيل ينبع من نجاحها في “تجنيد الأغلبية في إسرائيل لتنفيذ مهمات قومية بدافع الأخوة اليهودية، حيث أنها أكثر قوة من الخلافات الداخلية، ووجود مجموعة هُوية كبيرة غير يهودية في المجتمع الإسرائيلي قد يلعب دورا في اهتراء المناعة، ويضعف الهوية اليهودية للدولة”.

ويضيف الباحثان أنه في حالة لم يتم حلّ مشكلة “الغيور” فإن المجتمع الإسرائيلي سوف ينقسم إلى مجموعات لا تستطيع الزواج من بعضها، الأمر الذي قد يؤدي إلى شرخ تاريخي لا يمكن تجاوزه، وفي المقابل يشيران إلى أن وجود هذه المجموعة وحفاظها على نفسها كمجموعة مستقلة فتحا المجال لطرح سؤال الدين والدولة في إسرائيل بشكل جديّ وحادّ.

ويقول فيشر، المحاضر في الكلية الأكاديمية “شاعري ميداع ومشباط” والمتخصص في قضية الهجرة والتهويد الفردي (غيور)، إن الناس تعتقد أن الهجرة غير اليهودية ميّزت التسعينيات وانتهت، في إشارة منه إلى الهجرة الروسية الكبيرة، ولكنه يؤكد أنه بالذات في الألفية الجديدة يهاجر إلى إسرائيل الكثير من غير اليهود في إطار الهجرات اليهودية. ويفسر فيشر ذلك في أن الواقع اليهودي في العالم قد تغير، بسبب الارتفاع الكبير، والذي يصفه بالدراماتيكي، في الزواج المختلط داخل المجتمعات اليهودية في العالم، وتقريبا لكل يهودي هناك قريب عائلة من الدرجة الأولى غير يهودي، ولذا فبطبيعة الحال، حسب رأيه، يستحقون الهجرة لإسرائيل حسب “قانون العودة”.

ويضيف فيشر أن هذه الظاهرة سوف تتسع في السنوات المقبلة، لأنه مع مرور الوقت فإن عدد غير اليهود الذين يستحقون الهجرة إلى إسرائيل سوف يرتفع، حيث لم تكن هذه الحال منذ تشريع “قانون العودة” العام 1950، وحتى عندما تم تعديله العام 1970 عندما أضافوا بند الحفيد الذي يستحق الهجرة. وبحسب رأي فيشر فالحل لا يكمن في منع هذه الهجرة بل في ملاءمة “قانون العودة” لها، لأنه برأيه لا يمكن منع هذه الهجرة، إلا إذا قررت دولة إسرائيل منح الهجرة فقط لليهودي حسب الشريعة اليهودية، وعندها سيكون الواقع أن يهوداً أرثوذكس أو حريديم [متشددون دينياً] فقط يستطيعون الهجرة لإسرائيل.

التوجهات لمواجهة هذه الظاهرة/المشكلة

طرحت في السنوات الأخيرة توجهات/مقاربات مختلفة لمواجهة هذه الظاهرة/المشكلة، تم التطرق إليها في بداية التقرير.

في الفقرات التالية سوف نستعرض هذه التوجهات من خلال شخصيات مختلفة تمثلها.

الحاخام حاييم أمسالم، رئيس منظمة “شعب كامل”، يعتقد أن الحل يكمن في تسهيل عملية التهويد الفردي (غيور) للمهاجرين إلى إسرائيل، وحسب رأيه فإنهم يحملون “نسل إسرائيل”، ويشير إلى أن إسرائيل مُلزمة بإعادتهم إلى اليهودية، لذلك لا يقترح تغيير “قانون العودة” لأنه “بقرة مقدسة”، مؤكدا أن هذا الموضوع يجب أن يحظى باهتمام كبير في الحملة الانتخابية القريبة.

في المقابل فإن الحاخام حاييم مركوفيتش، من “منظمة حاخامي الجاليات [اليهودية]”، وأحد زعماء المستوطنين، متخوف من هذه المعطيات، ويتهم في ذلك وزارة الهجرة والاستيعاب [عادة لا تكون تحت سيطرة الأحزاب الحريدية]، التي لا تبذل جهودا كبيرة في جلب يهود حقيقيين إلى إسرائيل، بل تذهب إلى الأماكن المريحة وخاصة في شرق أوروبا وتقول لليهود هناك إنهم يستحقون الهجرة إلى إسرائيل بدون التأكد من يهوديتهم الحقة. ويشير مركوفيتش إلى أن دافع الهجرة من الاتحاد السوفييتي السابق هو تحسين مستوى الحياة وليس بسبب “التوق إلى صهيون” والطموح للعيش في دولة يهودية، لذلك فإنه يقترح التشديد على تعزيز الهوية اليهودية في صفوف اليهود الذين يعيشون في العالم، وفقط بعد ذلك منحهم حق الهجرة إلى إسرائيل. ويقول في هذا الصدد: “يجب منع الاختلاط، وإذا نجحنا في ربطهم بإسرائيل، فإنه نجاح مضاعف”. أما بالنسبة لغير اليهود الذي هاجروا إلى إسرائيل في إطار “قانون العودة”، فإن مركوفيتش يقترح تهويدهم من جديد إذا أرادوا العيش كيهود في إسرائيل، وهي طريق طويلة ولكنها مهمة، مثلما يحدث، برأيه، مع كل من يطلب أن يكون مواطناً أميركياً، وعليه أن يمر بمرحلة طويلة ليصبح كذلك.

أما نعمة كيلر، من معهد “ريئوت”، فتقول إنه إذا كان اليهود في الخارج هم مجرد “لحم للهجرة”، فإن الكثير من الإسرائيليين سيقولون “لا تجلبوا لنا لحماً من نوع بخس”. ووفقاً لكيلر لم يعد ينظر اليهود في العالم إلى دولة إسرائيل على أنها ملجأ، فغالبية اليهود في العالم لا يواجهون تهديدات وجودية، ومع انتهاء الهجرتين الروسية والأثيوبية لا يتم التعامل مع إسرائيل على كونها ملجأ، ولذلك تقترح كيلر التفكير من جديد في معنى الهجرة ودوافعها، والتركيز أكثر على تحسين علاقة الإسرائيليين مع يهود العالم وليس العكس.

أما الباحث شوكي فريدمان من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية فإنه يستحضر وثيقة غبيزون- ميدان التي اقترحت تغييرات في “قانون العودة”، وتمكين الهجرة لإنسان والده أو والدته يهودية، ولكن ليس لمن علاقته باليهودية ترتكز على الجد أو الجدة. لذا يقترح فريدمان تغيير بند “الحفيد” في “قانون العودة”، حيث يؤكد أن هذا البند جاء في السبعينيات عندما لم تكن هناك رغبة لدى الكثير من اليهود للهجرة إلى إسرائيل. أما اليوم فالوضع تغير وأصبحت إسرائيل مكاناً يرغب الكثير بالهجرة إليه بسبب تحسن الأوضاع الاقتصادية فيه، لذلك يقترح تعديل القانون، وفي رأيه فإن إسرائيل لا تريد يهودا جاؤوا للبحث عن السكن بداخلها (يقصد من يهاجر لتحسين أوضاعه الاقتصادية) بل من يهاجر إليها لدوافع صهيونية أولاً وقبل أي شيء.

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد