الإثنين , 23 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 اجنبية 10 المستقلون الفلسطينيون يتسلقون على شجرة المناصب السياسية
المستقلون الفلسطينيون يتسلقون على شجرة المناصب السياسية

المستقلون الفلسطينيون يتسلقون على شجرة المناصب السياسية

د. عقل صلاح

في البداية أنا لست ضد المستقلين، ولكن أريد القول أن من يشعر في قيمة الوطن والعداء للاحتلال ومن يستحق التقدير هو من قدم للوطن. بكل صراحة، عشت فترات طويلة في السجون الإسرائيلية لم التق في أي مستقل باستثناء اثنين فقط ولكنهم كانوا ينتمون إلى التنظيمات إلا أنهم فرزوا كمستقلين تحت إطار الجبهة الشعبية، أولهم الأستاذ عاطف من قرية مردا وكان ينتمي لحركة فتح الانتفاضة وبسبب حذر هذا التنظيم كان يعيش تحت إطار الجبهة في سجن مجدو سنة 1988، والثاني الشيخ الشهيد القائد القسامي يوسف السركجي فرز مستقل تحت إطار الجبهة كون حماس كانت محذورة ولم يكن لها تمثيل تنظيمي في السجون، وفي التحقيق في زنازين الاحتلال لم يصادفني مستقل واحد، جلهم من التنظيمات الفلسطينية.

واليوم عندما تجد جميع التنظيمات تتعامل مع الدكتور حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات المركزية مع احترامي وتقديري لدوره وشخصه، كمرجعية لجميع التنظيمات، حيث تعاملوا معه خارج نطاق صلاحياته التنفيذية في الشأن الانتخابي، مثل محاورة التنظيمات الفلسطينية وحسم الأمور السياسية والسيادية هذا يدلل على عجز التنظيمات، فماهوا مبرر الإطار القيادي واللجنة التنفيذية واجتماعات القيادة وما هو المانع من اجتماع جميع التنظيمات مع بعضها، والاتفاق على كل النقاط الخلافية، وما ينطبق على ناصر ينطبق على غالبية التشكيلات الوزارية والمناصب السيادية -إذا كانت هناك سيادة- حيث تجد أنهم من الذين حتى لا يعرفون الكلبشة ويعتقدون بأنها ساعة رولكس بثلاثين ألف دينار، وفي النهاية يتساءلون لماذا حال الوطن بهذه الصورة، إذا بقيت أوضاع التنظيمات على هذا الحال ستجدون سماسرة الأراضي وتجار الوطن والطفيليون في الصف الأول في التنظيمات وفي المراكز السياسية والحساسة.

فالأسرى المرضى الذين يسقطون شهيدًا تلو شهيد لا يوجد بينهم أسير واحد مستقل، فالأسير الشهيد بسام السايح الذي استشهد قبل أشهر هو من قادة كتائب القسام، والشهيد سامي أبو دياك الذي استشهد قبل شهر تقريبًا من قادة كتائب شهداء الأقصى وما ينطبق عليهم ينطبق على كل شهداء الحركة الأسيرة التي وصل عددهم 222 شهيدًا، أما أبناء المستقلين وأبناء بعض المتنفذين في المناصب السياسية لإمكان لهم في السجون أو في مستشفى سجن الرملة، فمكانهم الجامعات والدول الأوروبية. فأحد المستقلين الذي أصبح وزيرًا كان يرفض أن يتكلم فقط بكلام عن منظمة التحرير وكان يقول لأصدقائه في فصائل المنظمة “أنا مالي ومال المنظمة أنا بدي أشتغل في التجارة وبديش الاحتلال يقرب علي”، ولكنه اليوم تسلق شجرة المناصب السياسية، ولو كانت هذه المناصب تحاسب عليها إسرائيل بالسجن والمطاردة والقتل لما وجدناهم يتسابقون ويتسلقون ويسوقون أنفسهم لها، على هذا الأساس لا خير فيهم بما أنهم لا يريدون دفع ثمن بسيط من حياتهم للقضية، فالقضية بحاجة لمن يحميها ويدافع عنها ويناضل من أجلها وليس لم يحلبها ويستثمرها.

فبعض المسؤولين الكبار والوزراء على مدار الحكومات دخلاء على البيئة السياسية العامة والخاصة التنظيمية، وليس لهم ماضي في الوطنية الحقيقية (السجن والمطاردة والكفاح والإبعاد) باختصار شديد صفحتهم بيضاء عند المنسق والاحتلال، فليس لديهم خبرة في الحكومة أو الحياة السياسية العامة، وخلفيتهم الحقيقية في المجال الخاص بشخصيتهم الفردية وتخصصهم الأكاديمي.

وحتى لا يفهم بأننا ضد المستقلين ولا نريد لهم دور فيمكن للمستقلين أن يثبتوا أنفسهم ويشمروا عن سواعدهم ويصرفوا من أموالهم للقيام بالحملات الانتخابية وخوض الانتخابات التشريعية والرئاسية وغيرها، وحينها ما يحققوه من مقاعد فهو حق مشروع لهم، أما بخصوص القوائم الانتخابية الحزبية أو السيادية فهي ليست حق لهم بل هي حق لمن قدم للوطن حياته ومستقبله وليس لمن أمن مستقبله ومستقبل أبنائه وأبناء أبنائه مدى الحياة، فالمناصب والوظائف ليست عائلية وليست ملك لهم وليست حكرًا على العائلات التي لم ولن تعرف معنى النضال والمقاومة والتضحية.

فالثورة والتنظيمات التي تعجز عن إيجاد ثلاثين قائدًا وطنيًا شريفًا وبلا شبهات فساد مالي وجنسي من بين صفوفها للقيام بمهمات المراكز، وتوكل هذه المهمات لمن كان يتطلع ويرفض النضال والأنكى لمن يقف ضد النضال ومصالحه لا تتعارض مع مصالح الاحتلال فهي تنظيمات وثورة فاشلة وينطبق عليها في علم السياسة نموذج الدولة الفاشلة

وفي هذا السياق، فإن رأس المال الاجتماعي يشير أساسًا الى أن المال الاجتماعي يتكون من خلال التراكم عبر فترات طويلة من الزمن، فمن الصعب تخيل أن يتكون رأس المال الاجتماعي بصورة وقتية أو سريعة لخدمة موقف مفاجئ أو حالة عارضة، ويشير الجانب الاجتماعي إلى حقيقة بديهية مؤداها أن رأس المال الاجتماعي لا يكون فردا بذاته كما هو الحال في رأس المال المادي أو البشري وإنما يتكون في إطار جماعة اجتماعية يرتضي الأفراد الانضمام لها من أجل إستغلال ما توفره العضوية في هذه الجماعة من مزايا ورصيد اجتماعي.

وما ينطبق على رأس المال الاجتماعي ينطبق على التراكم الثوري والرصيد النضالي سواء للفرد المناضل أو الحزب الذي يراكم هذا الرصيد خلال مراحل حياته النضالية والتنظيمية فلا يمكن للفرد أو الحزب أن يكون له رصيد وطني بدون تقديم تضحيات جسام.

ولو تطرقنا إلى التنمية السياسية التي أصبحت عند بعض المنظرين كأنها تتحقق عندما ينجح النظام السياسي في معالجة مشكلات أو أزمات التنمية التي يلخصها غابريال ألموند في أربعة أزمات هي: (مشكلة بناء الدولة، مشكلة بناء الأمة، مشكلة المشاركة، مشكلة التوزيع).

أما لوسيان باي فقد اعتبر أن هناك ستة أزمات ترتبط بعملية التنمية تتمثل في: (أزمة الهوية، أزمة الشرعية، أزمة التغلغل، وأزمة المشاركة، أزمة الاندماج، وأزمة التوزيع)

أما في الوقت الحاضر؛ فهل يمكن لعلماء السياسة والاجتماع تحديد أو حصر الأزمات التي تعاني منها الساحة الفلسطينية.

وأعتقد أن الحالة السياسية الفلسطينية بحاجة إلى اقتراب جديد لتحديد الأزمات التي تعاني منها الساحة السياسية الفلسطينية بظل وجود الاحتلال والانقسام الفلسطيني وتجار الوطنية وانحدار التنمية والمشاركة السياسية بظل تغلغل عدم الثقة في النظام السياسي القائم من قبل المواطنيين.

وهذا يقودنا إلى التعريج على دور جماعة المنسق -الطابور الخامس- في تخريب وتعطيل أي دور للنهوض في الواقع الساسي ومقاومة الاحتلال من خلال خلق مناخ مقاوم وتهيئة الظروف لانطلاقة انتفاضة الخلاص من الاحتلال، فيعود تاريخ الطابور الخامس الى الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936-1939، عندما استخدمه الجنرال اميليو مولا، قائد الجيش المؤيد لفرانكو المتجه لفتح مدريد، وكان الجيش مكونًا من أربعة طوابير، ولكن الجنرال كان يتحدث عن خمسة طوابير، وعندما سألوه عن ماهية الطابور الخامس أجاب بأهم الأنصار والمؤيدون والعملاء داخل مدينة مدريد الذين ينشرون الأخبار الكاذبة ويطلقون الاشاعات عن قوة الجيش لإضعاف الخصوم وهز ثقتهم بأنفسهم. واستخدم المصطلح بعد ذلك للإشارة إلى حرب الجواسيس في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين. ثُم انتشر للإشارة إلى الأشخاص والمجموعات المناهضة لنظام الحكم في دولة ما، وتدين بالولاء لقوى خارجية، وتعمل وفقًا لتوجيهاتها فتقوم بإطلاق الشائعات وتضخيم أخطاء الحكومة والتهويل من حجم المشكلات التي يواجهها المواطنون. والهدف هو تنمية مشاعر الغضب وعدم الثقة والعداء لمؤسسات الدولة وخلق البيئة النفسية للتظاهر والخروج عن القانون، وربما في لحظة ما اسقاط هذه المؤسسات برمتها.

من يصل للمنصب بالكذب وعلى حساب الناس ويقف بوجه المخلصين والوطنيين والمتميزين ويعين المنافقين والبصيمة ويستبعد الشرفاء تكون نهايته عفشة.  وأول من يقف ضده ليس المخلصين والشرفاء لأنهم يعرفوه جيدًا بأنه لايستحق الاهتمام؛ ولكن جيشه الضعيف المصلحجي الذي يجد مصلحته مع القادم وليس معه سيعملون بالمثل الشعبي “إلي بجوز أمي بصير عمي”.

كل ماسبق هو سبب ما نحن عليه اليوم من ابتعاد عن العمل المقاوم والثوري والسياسي، فعندما يخرج السجين بعد عقدين ويجد من يتحكم في بعض مؤسسات البلد الذي كان يرفض حتى المشاركة في مسيرة سيحبط، وهذا هو الحاصل عندنا ولا أريد سرد المشاهد فهي ماثلة أمامكم والحقيقة لاتغطى في غربال. فأكثر الأسرى المحررين لامكان لهم في المؤسسات التي أصبحت مزارع لأبناء العائلات والمتنفذين الذين لم يقدموا شيئًا للوطن باستثناء قطف ثمار تضحيات الأسرى والشهداء وأبنائهم وزوجاتهم مما يؤدي بالمناضلين وعائلاتهم بأن يكفرو بكل شيء. فهذا هو مخطط ممنهج ومدروس لمحاسبة المناضلين وتكريم المتساوقين مع الاحتلال، وهذا ماحصل في البلدان العربية فالذين قاوموا وقدموا وقادوا الثورات – مصر وتونس نموذجًا- من الشباب خرجوا من المولد بلا حمص، والذين كانوا في بريطانيا وأمريكا يعملون تحت إمرة أجهزتها الأمنية جاؤوا ليتحكموا في شعوبها وينهبون ثرواتها، فهذا الحال حال مدمر لكل القيم الانسانية والاجتماعية قبل مايكون مدمر للثورة والدولة فكل الدول تم إفشالها بما فيها الثورة الفلسطينية حتى أصبح ينطبق علينا مصطلح الدول الفاشلة، حتى في فلسطين كان مخططهم أكبر بكثير من المخطط للدول العربية فقبل ما نصبح دولة تم إفشالنا ونحن سلطة بلا سلطات حتى يقولوا للعالم بأنهم سلطة فساد وإفساد وسلطة فاشلة فكيف سيشكلون دولة لكي تنضم لمجموعة الدول الفاشلة.

بعد هذا السرد والتشخيص لابد من وضع الحلول للاستنهاض والخروج من نموذج الدولة الفاشلة وكل ذلك من خلال إعادة الاعتبار للفهم الحزبي الحقيقي والعمل الثوري وتحديد الدوائر بالشكل الصحيح، دائرة الأعداء ودائرة الأصدقاء ودائرة الحلفاء، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتكريم المناضلين ومحاسبة الطابور الخامس وليس تكريمه؛ عندها سنكون قد سرنا على الطريق الصحيح طريق الانتفاضة والثورة والبناء والدولة الناجحة.

في النهاية نذكر في القول المأثور:”الظلم قوة مؤقتة”، فالاحتلال والطابور الخامس إلى زوال، وكل من يتسلق وينهب ويحبط المناضلين ويفشل البناء والتطور والتحرر يعتبر من أركان الاحتلال؛ وفي النهاية لكل قاعدة شواذ.

*كاتب فلسطيني وباحث مختص بالحركات الأيديولوجية.

عن علي محمد

مدير التحرير