الثلاثاء , 12 نوفمبر 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون العدو 10 اخبار 10 “نبع السلام” وضياعُ الأحلام
“نبع السلام” وضياعُ الأحلام

“نبع السلام” وضياعُ الأحلام

عادل ياسين (مختص بالشأن الإسرائيلي)

( عن موقع عكا للدراسات الإسرائيلية)

تُرَي ما الذي دفع السناتور الأمريكي “لندسي جراهام” لوصف الانسحاب الأمريكي من شمال سوريا كابوساً بالنسبة لإسرائيل؟ وما هو سر اهتمام “إسرائيل” بعملية نبع السلام التي تقوم بها تركيا ضد الأكراد في شمال سوريا؟ وما شأنُها بما يحدث على بُعد أميال وأميال عن حدودها رغم أنها غارقة في مشاكلها الداخلية؟ ولماذا تجند السياسيون والإعلاميون وقادة الأجهزة الأمنية الحاليون والسابقون للدفاع عن الأكراد رغم اختلاف انتماءاتهم؟ بل إن بعضهم دعا للإسراع في دعمهم بالسلاح وحشد الرأي العام الدولي لتشكيل قوة لحمياتهم؛ لكن وكما يُقال إذا عُرِف السبب بطل العجب، ومن هنا نبدأ لنعرف أصل الحكاية.

أولاً: شكلت عملية نبع السلام ضربة قاسية لإحدى السياسات الرئيسة التي تبنتها إسرائيل على مدار عقود من الزمن حيث تمحورت حول رؤية “حلف الضواحي” التي أعدها بن غوريون ومقربوه بين عامي 1957/1958 كأحد الدروس المستفادة من حرب 48 وإدراكه لافتقار “إسرائيل” لعمق سياسي وجغرافي، لذلك سعت لإقامة علاقات مع دول الطوق الثاني والأقليات التي تعيش في دول الجوار واستغلال حاجتها وطموحها لخدمة السياسة الإسرائيلية وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال دعمها لمتمردي جنوب السودان بالسلاح ومساهمتها في بناء جيشهم وتدريبه على تدمير الجسور وإغراق السفن بهدف إشغال الجيش السوداني ومنعه من تقديم مساعدة للجيش المصري أثناء حرب الاستنزاف في سبعينيات القرن الماضي، كما طبقت هذه الرؤية لانهاك العراق من خلال دعمها للأقلية الكردية فيها وقد استغلت قيام كردستان العراق بعد انتهاء عهد صدام في إقامة قواعد لها “حسب مصادر بريطانية وفرنسية” وفي لبنان تكرر المشهد بدعمها للأقلية المسيحية وتزويدها بالسلاح لكي تقوم بمواجهة التنظيمات الفلسطينية نيابة عنها.

ثانياً: أضاعت فرصة تاريخية لتحقيق حلمها بإقامة دولة كردية موالية لها على الحدود بين سوريا وتركيا والعراق كخطوة استكماليه لما بدأته في العراق، وما يترتب من فقدانها لفرص تعزيز نشاطاتها في تلك المنطقة المحورية لقربها من إيران.

ثالثاً: أفشلت محاولات إسرائيل لاستغلال الأحداث في الشرق الأوسط لإعادة رسم حدودها وترسيخ مكانتها من خلال إيجاد مراكز ثقل وازنة وموالية لها، باعتبارها أمر ملح لأمن إسرائيل ولحماية حدودها في ظل التطورات المتتالية التي تشهدها المنطقة كما أشار إلى ذلك عضو الكنيست تسفي هاوزر.

رابعاً: مَثَل الانسحاب الأمريكي من شمال سوريا دليل آخر على تراجع مكانة الولايات المتحدة والذي بدأ منذ سنوات وهو ما يؤثر سلباً على مكانة إسرائيل لاسيما وأنها استغلت العلاقات الثنائية معها كجسر لتعزيز علاقاتها السياسية مع الدول الغربية وإقامة علاقات مع دول عربية وإسلامية، عدا عن استغلالها كغطاء لتمرير سياستها الاستيطانية وللتغطية على جرائمها تجاه الشعب الفلسطيني والتهرب من القانون الدولي.

خامساً: تراجع الدور الأمريكي سيفتح المجال أمام روسيا وإيران وتركيا لمليء الفراغ وتعزيز نفوذها مما سيؤثر على ميزان القوى في المنطقة لغير صالح إسرائيل كما سيقيد حركتها لمواصلة عملياتها في العراق وسوريا.

سادساً: تتزايد المخاوف الإسرائيلية من إمكانية قيام الإدارة الأمريكية باتخاذ قرار آخر لاستكمال سحب قواتها من منطقة التنف التي تعتبر منطقة استراتيجية حساسة، مما دفع الأجهزة الأمنية لرفع حالة التأهب لاسيما وأن إيران مارست ضغوط لفتح ممر بري بين إيران والعراق وسوريا، مما يضطرها لتغير خطة عملها وتكثيف نشاطاتها الاستخباراتية لإحباط محاولات إيران نقل أسلحة متطورة إلى لبنان.

سابعاً: فقدت وسيلة للضغط على تركيا وابتزازها لمنعها من مواصلة تدخلها في القدس والمدن الفلسطينية الأخرى، إذ أنها تعتبر شمال سوريا بمثابة الخاصرة الهشة لتركيا وهو ما يفسر تهديدات ليبرمان السابقة للضغط على تركيا من خلال المنظمات الكردية المعادية لها.

ثامناً: اعتقدت إسرائيل بأن إقامة دولة كردية في شمال سوريا سيشجع الأقليات الأخرى داخل إيران للمطالبة باستقلالها مما سيؤدي إلى تفككها وضعفها أمام إسرائيل لاسيما وأنها تتكون من 80 عرقية “تقريباً” كما ستشجع أكراد تركيا للمطالبة بإقامة دولة خاصة بهم إذ أنهم يشكلون 20% من نسبة السكان.

هذه الأسباب دفعت إسرائيل للتعامل مع الانسحاب الأمريكي من شمال سوريا وما تلاه من عملية نبع السلام التركية على أنه نقطة تحول استراتيجية تتطلب إعادة التفكير في سياساتها وخطة استعداد جيشها للتعامل مع التهديدات المستقبلية التي قد تنتج عن هذا التحول، لاسيما وأن المؤشرات تدل على تعاظم قوة خصومها في ظل ضعف منظومتها السياسية والتآكل المستمر في قوة ردعها، لذلك تحاول استدراك الخطر ووقف عجلة التاريخ أو إعاقتها بكل ما أوتيت من قوة لكنها نسيت بأن لكل زمن دولة ورجال.

عن علي محمد

مدير التحرير