الجمعة , 20 سبتمبر 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون دولية 10 خروج من التكتيك إلى الاستراتيجيا إيران تصعّد الضغوط بـ«خطوة ثالثة»
خروج من التكتيك إلى الاستراتيجيا إيران تصعّد الضغوط بـ«خطوة ثالثة»

خروج من التكتيك إلى الاستراتيجيا إيران تصعّد الضغوط بـ«خطوة ثالثة»

 ( عن الأخبار اللبنانية)

180 يوماً من المهل الإيرانية الثلاث خفّضت خلالها الجمهورية الاسلامية في إيران التزاماتها التي تعهّدت بتنفيذها في الاتفاق النووي. الاتفاق نص على خفض الأنشطة النووية وتجميد بعضها لمدد تصل أحياناً إلى خمسة عشر عاماً مقابل رفع العقوبات المفروضة على طهران. التحرك الإيراني بدأ منذ إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عزمه على الخروج من الاتفاق خلال حملته الرئاسية قبل وصوله إلى البيت الأبيض. مراكز القرار في طهران وضعت سيناريوات لخروج واشنطن من الاتفاق، مع وجود توقعات بأن يكون الموقف الأوروبي أكثر صلابة في حال انسحاب واشنطن، لكن كلام قائد الثورة، السيد على الخامنئي، عن عدم الثقة بالأوروبيين، خاصة البريطانيين والفرنسيين، فتح باب المواجهة المحتومة.

تم إعداد مشاريع استباقية في مجلس الشورى لمواجهة الخرق الأميركي، واجتمعت لجان الأمن القومي لوضع خطط لمواجهة «الاعتداء» الاقتصادي – السياسي المحتمل، في حين كان العسكر على جاهزيته كالعادة، كونه في حالة حرب مفتوحة. تم إعداد سيناريوات المواجهة ووُضعت الخطط بإتقان، مع اقتناع الجميع بأن الخلافات الداخلية قد ترفع أو تخفض مستوى شعبية التيارات الحاكمة من إصلاحيين ومحافظين محلياً، لكن نقل هذا الخلاف خارج الحدود يعني الهزيمة الحتمية إقليمياً ودولياً.

الخطوات الثلاث، التي نُفّذت حتى اليوم، كانت مقررة سلفاً، والقرار بتنفيذها اتُخذ على أعلى المستويات وبإجماع تام ومن دون أي معارضة: لا انسحاب كاملاً من الاتفاق كي لا تتحمل إيران مسؤولية فشله، بل محاولة للرد بالمثل على مساعي تفريغه من محتواه، وبالتالي بقاؤه حبراً على ورق. أما لو أراد الأوروبيون الانخراط علناً في مواجهة إيران، بما يعنيه ذلك من حتمية الاصطفاف العسكري وإشعال نار في المنطقة، فستصل ألسنة لهبها إلى أماكن لا تريدها الترويكا الأوروبية، كما تحذر منها روسيا والصين، في حين تتهيّب واشنطن خوض غمارها، وعلى هذا، تكون إيران لا تريدها لكن لا تخشاها.

الخطوة الأولى كانت كسر حاجز مخزون اليورانيوم وتخطيه 300 كلغ، إضافة إلى تحرير مخزون المياه الثقيلة. أدارت إيران هذه الخطوة بذكاء، فأطلعت «الوكالة الذرية للطاقة الذرية» على تفاصيل عملها تحت أعين المراقبين وكاميرات المراقبة، وبالتالي تجنّبت الدخول في ما يسمى «أنشطة سرية»، بل أدت الأمر علناً. جاءت الخطوة الثانية برفع مستوى التخصيب بأقل من 1%، ولم تتجاوز حاجز 5%، وبالتالي لا استخدام فعلياً للمواد المخصبة إلا في المجال الطبي وأيضاً تحت إشراف «الوكالة الدولية».

باتت طهران تعرف أين وكيف ترد في الحرب الاقتصادية

هاتان الخطوتان يمكن وصفهما بالتحرك التكتيكي، فيما تُظهر الثالثة دخول التحركات الاستراتيجية حيّز التنفيذ، إذ إن إعلان استئناف الأبحاث على أجهزة الطرد المركزي «IR6» يعني أن طهران انتقلت إلى دراسة أجهزة بقدرة عشرة أضعاف الأجهزة الحالية. ومن جهة أخرى، الخطوتان الأولى والثانية يمكن إيقافهما في حال التقدم في المفاوضات مع الأوروبيين، خاصة أن سياسة الضغط الآن انتقلت من الملعب الإيراني إلى الجانب الغربي، فإيران قادرة على إيقاف وخفض المخزون من اليورانيوم والمياه الثقيلة في أيام معدودة، لكن استئناف العمل الفعلي على تطوير الأجهزة وضخ الغاز فيها يعني خطوة كبيرة باتجاه مواكبة الصناعة النووية وعدم التأخر في تطويرها، ما يشي بأن ثمة فرصة فتحت للأبحاث وانطلاقها، وأن طهران لن تتوقف عن هذه الأبحاث في حال طلب منها ذلك، لأنها سابقاً لم تكن تجري هذه الاختبارات، وكان من المقرر أن تتوقف ما بين 8 إلى 15 سنة. لذلك، المشروع، حتى في حال الاتفاق، لن يتوقف، فضلاً عن معرفة الإيرانيين بأنه لا حلّ قريباً لهذه القضية، أقلّه خلال وجود ترامب في البيت الأبيض.

الموضوع الأبرز الآن هو ماهية الخطوات المستقبلية ومهلة الشهرين الإضافيين التي منحت للأوروبيين؛ فإيران ما زالت لديها أوراق لتخرجها. وبقراءة بسيطة للاتفاق النووي، يمكن أن نلاحظ أن الجمهورية الإسلامية تمتلك خيارات من شأنها أن تحرج الجانب الأوروبي وتعيد خلط الأوراق، خاصة أنها متمسكة بسلمية البرنامج النووي، باعتراف «الوكالة الدولية»، وبالتالي لم يدخل مشروعها مرحلة الغموض، فالخيارات مفتوحة ومباحة، ومن ضمنها:

1. رفع عدد أجهزة الطرد المركزي إلى أكثر من 6000 في منشأة نطنز.

2 استبدال أجهزة «IR1» بأجهزة من الجيل الرابع «IR4».

3 الانسحاب من البروتوكول الإضافي الذي يسمح بزيارة مفاجئة إلى المنشآت النووية، وهذا ممكن بقرار من «مجلس الشورى».

وتبقى خطوتان تعتبران عودة إلى النقطة الصفر وهما:

1. إعادة تشغيل مفاعل «أراك» للمياه الثقيلة بالاستخدامات السابقة نفسها، وإعادة تصميم القالب القديم للمفاعل الذي كان يشكل عقدة في التفاوض وهدفاً أميركياً، إضافة إلى تشغيل منشأة «فوردو» لتخصيب اليورانيوم وتجهيزها بأجهزة طرد مركزي، ما يعتبر ضربة كبيرة لواشنطن التي قدمت الكثير من التنازلات لتعليق العمل بهذه المنشأة التي تُعدّ أهم مركز تخصيب بعد «نطنز». وإيران، بسبب عدم الحاجة إلى تشغيلها بوجود «نطنز» أوقفت العمل بها، وبالتالي العودة إلى تشغيلها مع «أراك» ستشكل عودة إلى 2012 حينما أنهى كبير المفاوضين النوويين، سعيد جليلي، مفاوضاته مع السداسية الدولية.

في جميع الأحوال، سيفتح الانتقال الإيراني من التكتيك إلى الاستراتيجيا احتمالات التصعيد ومن ثم محاولات احتوائه، مع معرفة الجميع بأن التصادم مع إيران عسكرياً سيشعل حرباً، في حين أن طهران باتت تعرف أين وكيف ترد في الحرب الاقتصادية.

أعلنت إيران، أول من أمس، تفاصيل الخطوة الثالثة، في إطار سياسة تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي. خطوةٌ تستهدف تصعيد الضغوط على الأوروبيين بهدف دفعهم إلى الإيفاء بتعهداتهم بموجب الاتفاق، مع إبقاء قناة التفاوض الفرنسية مفتوحة

طهران | اتخذت إيران الخطوة الثالثة في إطار سياسة التخفّف من الالتزامات بالاتفاق النووي، حينما أدت معارضة الولايات المتحدة للاقتراح الفرنسي بتعليق حظر مبيعات النفط الإيراني بصورة موقتة، إلى إلقاء ظلال من الشكّ على قدرة الأوروبيين على تلبية المطالب الإيرانية. وأعلن الناطق باسم وكالة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، أول من أمس، التفاصيل التقنية للخطوة التي كان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، أصدر الأسبوع الماضي أمراً بتنفيذها. وتحدث كمالوندي عن أربع خطوات جديدة تتمثّل، بدايةً، بضخ الغاز في أجهزة الطرد المركزي المتطورة من طراز «اي آر 6 إس»، وسلسلة «اي آر 6» المكوّنة من 20 جهازاً، فضلاً عن تشغيل سلسلة «اي آر 4» المكوّنة بدورها من 20 جهازاً، وإنتاج المواد المخصبة بواسطة المكائن الجديدة، مشيراً إلى أن بلاده لا تعتزم، في الوقت الراهن، وضع قيود على عمليات الإشراف التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب الاتفاق.

ورداً على عدم التزام الدول الأوروبية الموقِّعة على الاتفاق بتعهداتها الواردة فيه، أقدمت إيران، على مدى الأيام الـ120 الماضية، على خفض التزاماتها خطوة بخطوة. في الخطوة الأولى، أوقفت مبيعات اليورانيوم والمياه الثقيلة لمفاعلاتها، ما أدى إلى تخطّي احتياطي اليورانيوم المخصّب عتبة الـ300 كيلوغرام المحددة بموجب الاتفاق. أما الخطوة الثانية، فتمثلت في زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم من 3.67% المسموح بها وفق الاتفاق، إلى 4.5%. ورأى وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، في سياسة تقليص إيران التزاماتها، انتهاكاً للاتفاق النووي، واستمراراً للجهود الإيرانية لخرق معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما دعت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، إيران إلى مواصلة التزاماتها بموجب الاتفاق.

المواجهة بين إيران وأميركا بلغت مرحلة «برزخية»

أما الخطوة الثالثة التي تزامنت مع زيارة يقوم بها المدير العام بالنيابة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كورنيل فيروتا، لطهران، فتتعلّق، بحسب مسؤولين إيرانيين، برفع القيود عن الأبحاث والتطوير (R&D)، وتُعدُّ رمزية للضغط على الأوروبيين، كونها لن تؤثّر بشكل جاد في الاتفاق. وبينما كان البعض يتوقّع أن تتخذ إيران إجراءات أكثر تشدّداً، مثل التخصيب بنسبة 20%، فضّلت الأخيرة التحرّك بشكل مدروس في المرحلة الراهنة. من هنا، فإن توسيع النشاطات في مجال الأبحاث وتطوير أنواع أجهزة الطرد المركزي، مهما كان جاداً، فليس بمقدوره في الحقل العملياتي للصناعة النووية، إثارة قلق بالغ لدى الغربيين على الأمد المتوسط.

العجز الأوروبي

على رغم أن إيران تسعى للإفادة من خفضها التدريجي لالتزاماتها، كوسيلة للضغط على المفاوض الأوروبي، بيدَ أن ثمة شكوكاً كبيرة حول قدرة الأوروبيين وجدوى المحادثات معهم. وعلى مدى الأشهر الـ16 الأخيرة التي تلت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، لم يستطع الأوروبيون التعويض عن الخسائر التي مُنيت بها طهران على أرض الواقع. ومع ذلك، فإنهم كانوا يتوقّعون منها أن تبقى ملتزمة بالاتفاق كما هو. فآلية التبادل المالي المعروفة بـ«إنستكس»، والتي كان مقرراً أن تفتح قناة للتبادل المالي مع إيران، لم تكن مجدية لحدّ الآن. أما الاقتراح الأخير للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بمنح خط ائتماني بقيمة 15 مليار دولار لبيع النفط الإيراني، فلم يستطع، لغاية الآن، تحقيق أي خرق. والسبب الرئيس وراء ذلك، يكمن في معارضة واشنطن لأي تعليق للعقوبات، أو منح إعفاءات لشراء النفط الإيراني، وهو الأمر الذي أكده الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أخيراً.

وعليه، فإن الكثيرين يذهبون إلى الاعتقاد بأن المواقف المستقلة لباريس هي استعراض استراتيجي أكثر منها مواقف حقيقية، إذ أظهرت هذه الأخيرة أنها تتبع واشنطن في القرارات الاستراتيجية، وأن خريطة الطريق الفرنسية الجديدة إنما وُضعت بهدف رفع العتب إزاء الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وكذلك في محاولة لاحتواء إيران. ولم تكن إشارة ماكرون، أخيراً، إلى أن بلاده غير راغبة في التضحية بمصالحها مع الأميركيين من أجل مصالح طهران، إلا دليلاً على ذلك.

الرئيس الأميركي، وفي ضوء معارضته للخطة الفرنسية، يكون قد وأدها عملياً في المهد. وعلى رغم أن سياسة «الضغوط القصوى» التي مارستها الولايات المتحدة منذ انسحابها من الاتفاق تسببت بمصاعب وضائقة للاقتصاد الإيراني، لكن المؤشرات تفيد بأن قسماً رئيساً من الطاقة الناتجة من ضغوط العقوبات، قد تَحرّر. وعلى النقيض مما كان يظنه ترامب بدايةً، فإن الاقتصاد الإيراني لم ينهار، لا بل تجاوز تقلّبات العام المنصرم، وبات يشهد اليوم نوعاً من الاستقرار في هذا المجال.

من جهة أخرى، فإن الجمهورية الإسلامية، وفي ظل إجراءات مثل خفض التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، وكذلك إسقاط الطائرة المسيّرة الأميركية، واحتجاز ناقلة النفط البريطانية، أظهرت أنها لن تتخذ موقفاً انفعالياً في مقابل الضغوط. وعلى رغم أن سياسة «الضغوط القصوى» لم تعط النتائج المستعجلة التي كانت تتوخاها واشنطن، لا يبدو أن الأخيرة ستتخلّى عن هذه السياسة في المستقبل القريب. فإعطاء ترامب الضوء الاخضر لخطة ماكرون في البداية، ومن ثم تغيير موقفه لاحقاً، كان ناجماً قبل أي شيء عن معارضة المسؤولين الإيرانيين للقاءٍ يجمع روحاني وترامب قبل رفع العقوبات.

المواجهة بين إيران وأميركا بلغت مرحلة «برزخية»؛ فالجانبان لا يريدان السلام ولا الحرب. وكل طرف يريد رفع ثمن الوضع السائد للطرف الآخر، على أمل أن يحصل على تنازلات منه. وفي هذا الإطار، فإن ما يضعف ويتقوّض ويفقد مصداقيته شيئاً فشيئاً، هو الاتفاق النووي.

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد