الإثنين , 20 مايو 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون دولية 10 صمود ايران والتهويل الأميركي بالتصعيد ضدها؟
صمود ايران والتهويل الأميركي بالتصعيد ضدها؟

صمود ايران والتهويل الأميركي بالتصعيد ضدها؟

 

 ( مجلة فتح – العدد 726 )

الغطرسة الأميركية بلغت حداً كبيراً من الوقاحة مع إيغال إدارة البيت الأبيض في سياسة التهديد والوعيد وفرض العقوبات على كل من يخالفها أو تفترض أنه يهدد مصالحها الإمبراطورية أو يشكل خطراً على ربيبتها الكيان الصهيوني.

قامت أمريكا باستخدام العقوبات الاقتصادية كأداة في سياساتها الخارجية خلال العقود الماضية، وكانت هذه الأداة شائعة لدى حكومات البيت الأبيض السابقة، لكنها أصبحت أكثر حدّة في فترة إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ومن أهم العقوبات الاقتصادية التي فرضتها حكومة ترامب، عقوبات على تركيا وروسيا وكوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وسوريا.

ومنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، استخدمت أمريكا العقوبات الاقتصادية مراراً وتكراراً لتغيير سياسات جمهورية إيران الإسلامية.

الثاني من أيار/مايو 2019 شكل محطة جديدة في امتحان القوة الأميركية. حيث يدخل القرار الأميركي القاضي بتصفير صادرات النفط الإيراني موضع الاختبار مع تجاوزه إيران، ليطال كل من يتعامل معها نفطياً. اختبار ضبابي يصعب توقع نهاياته. المعادلات التي تحكم قواعد الصراع بين الطرفين تستقر حتى الآن على الوقائع التالية:

مقابل الإصرار الأميركي على منع شحنات النفط الإيراني، هناك إرادة إيرانية مقابلة على الاستمرار بتصدير النفط والالتفاف على العقوبات. كلام المرشد الإيراني في هذا الإطار يقطع الشك باليقين. “قادرون على تصدير النفط بقدر ما نحتاج ومتى نشاء”. قالها الرجل الذي يمثّل أعلى مرجعية في بلاده، مؤكداً أن الخطوة الأميركية المدعومة من الرياض وأبو ظبي لن تمر من دون رد، من دون أن يوضح طبيعة الرد.

الرئيس الإيراني حسن روحاني يبدو شديد الثقة بدوره وهو يصرح أنه «في الأشهر المقبلة سيرى الأميركيون بأنفسهم أننا سنواصل صادراتنا النفطية». تتعزز هذه الثقة الإيرانية على ضوء التصريحات الصادرة من بكين وموسكو على وجه الخصوص والرافضة للقرار الأميركي.

في هذا الإطار تصبّ التصريحات بالغة الدلالة لوزير الخارجية الإيراني. من نيويورك، قال محمد جواد ظريف إن إيران ستواصل بيع النفط وسيستمر مروره عبر مضيق هرمز. أضاف «إذا لجأت الولايات المتحدة إلى منعنا من ذلك بإجراء جنوني مغامر فإننا سنردّ». هذه التصريحات واكبتها وأعقبتها مناورات ورسائل عسكرية إيرانية تبدو كأنها تستبق أي مخطط أميركي يتجاوز خطوط طهران الحمر.

يلخص ظريف موقف بلاده من المعادلات القائمة فيقول «إذا منعنا من استخدام الخليج لأمننا، فلماذا نضمن استخدام الآخرين له».

لم نصل حتى الآن إلى اللحظة التي يحبس فيها العالم أنفاسه، لكنّ في سياق الخطوات الأميركية المتصاعدة ضد إيران، قد تتحوّل رقعة الشطرنج فجأة إلى «دومينو» تتداعى معها المنطقة إلى مواجهة عسكرية تحرق النفط والعروش وتغيّر معالم الشرق الأوسط.

لن يكون متاحاً للسعودية والإمارات تعويض النقص في إمدادات النفط إذا ما تفاقمت الأزمة بين إيران وأميركا. وعود الدولتين الخليجيتين ربما تتهاوى بأسرع من مؤشرات البورصة إذا ما نحت الأمور باتجاه السيناريوهات الأكثر سوءاً.

التصريحات المتوالية ترفع حرارة الترقّب بانتظار الخطوات الأميركية التالية. الإجراءات التي فرضها دونالد ترامب على إيران منذ نقضه الاتفاق النووي وصلت تقريباً إلى مرحلة الإشباع. تكاد إدارته تستنفد أوراقها الاقتصادية والمالية في محاصرة طهران. إن أقصى وأقسى ما يمكن فعله لإخضاع الجمهورية الإسلامية عبر الأدوات الناعمة جرى اللجوء إليه فعلاً. يكفي أن نستعيد هنا ما قاله ترامب عندما دخلت الحزمة الثانية من العقوبات حيّز التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم. وصفها حينها بالأكثر شدة في تاريخ الولايات المتحدة.

ماذا وراء التهويل الأميركي بالتصعيد ضد إيران؟

التقارير الاستخبارية المزعومة بشأن أنشطة ضد المصالح الأميركية، يستخدمها جون بولتون لإشباع رغبة الكيان الصهيوني والسعودية والإمارات في جرّ ترامب والبنتاغون إلى التصعيد العسكري، لكن إيران الواثقة من قدرتها على مواجهة العقوبات والتصدّي لأسوأ الاحتمالات في حال حدوثها، لا تتأثر بالتهويل والحرب النفسية.

جون بولتون يستند إلى تقارير استخبارية تزعم بملاحظة خطط أنشطة إيرانية “تجعل واشنطن أن تعتقد بعملية تصعيد إيران لضرب المصالح الأميركية ومصالح حلفائها”، كما يقول. وفي التفصيل تذكر صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية أن هذه الأنشطة تستهدف القوات والمصالح الأميركية براً وبحراً في العراق، وربما في سوريا. وتستهدف أيضاً القوات الأميركية في الكويت والخليج وباب المندب.

لكن “نيويورك تايمز” التي تنقل الخبر تلاحظ أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلّة ملموسة، وهو ما يطالب به رئيس القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيت ماكينزي، على الرغم من الطلب بتزويده المزيد من الوحدات العسكرية على سبيل الاحتياط بناءً على المعلومات الأولية.

في هذا السياق أعلن بولتون عن توجه حاملة الطائرات الأميركية «يؤو إس إس أبراهام لنكولن» مع طرادات وقاذفات من منطقة القيادة الوسطى الأميركية في الشرق الأوسط إلى المتوسط والخليج« ويشير إلى أن أميركا لا ترغب بالحرب لكن أي هجوم سيقابل بقوّة شديدة».

معلومات موقع «أكسيوس» الأميركي تفيد بأن التقارير الاستخباراتية هي تقارير «إسرائيلية» وفي كل الأحوال من المستبعد أن تكون تحركات بولتون بعيدة عما وصفه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الباءات الثلاثة وهي بنيامين نتانياهو ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد. وهذه الباءات الثلاثة التي يمكن إضافة إليها مايك بومبيو ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس، تعمل مع الفرق التابعة لها على اختلاق الادعاءات المزيفة للضغط على ترامب وعلى البنتاغون للتدخل العسكري وعدم الاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية والاعتداءات السياسية سواء ضد فنزويلا أم ضد إيران. فهذا التوجه يعبر عنه السفير الأميركي في روسيا بقوله «كل حاملة طائرات في مياه المتوسط تعادل 100 ألف طن من الدبلوماسية العالمية» في إشارته إلى حاملة الطائرات الأميركية «هاري ترومان» التي دخلت إلى قبالة الساحل السوري مع 5 سفن حربية قبل أكثر من أسبوعين.

واقع الحال لا يقدّم التهديد الأميركي بحاملة الطائرات، ولا تؤخر في تغيير المعادلات، ولهذا يصفها المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني كيوان خسروي بأنها عملية استعراضية وبأن بولتون لا يفقه العمل العسكري. فإيران قادرة في الظروف الحالية على بيع نفطها ويمكنها الحفاظ على اقتصادها، كما يؤكد ظريف.

وعلى الرغم من كل الضغط الأميركي في العقوبات وتلويح بولتون بالتصعيد العسكري، لا تزال البحرية الأميركية ملتزمة بالتنسيق مع «حرس الثورة» بالدخول إلى مضيق هرمز ولا تدّعي أميركا بأنها ستتدخل بأي شكل من الأشكال لمنع السفن الإيرانية أو المحملة بالنفط الإيراني من عبور المضيق، وفي البحار والمحيطات. فهي تفرض عقوبات على الشركات العالمية وعلى الدول التي تشتري النفط الإيراني، ولم تنصاع الصين وتركيا وبعض الدول الأخرى ووجدت إيران طرقاً رمادية لتسويق النفط.

ومع كل هذه الاجراءات الاميركية لم تقف ايران مكبلة اليدين فهي ما زالت تمتلك العديد من الأوراق، وهي إذ اعلنت عن قدرتها على اغلاق مضيق هرمز إذ لم يمر نفطها عبر المضيق، بدأت باتخاذ عدد من الاجراءات وآخرها قرار المجلس الأعلى للأمن القومي تعليق بعض تعهدات الجمهورية الإسلامية في الاتفاق النووي، وإبلاغ ذلك الى سفراء الدول الخمس الملتزمة بالاتفاق مع إعطائها مهلة ستين يوما للالتزام بتعهداته ، وربما تتوالى إجراءاتها وصولا إلى الحد الاقصى وهو الانسحاب الكلي من الاتفاق النووي لاحقا مع ما يعنيه ذلك من تقليل قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مراقبة أنشطتها النووي.

في كل حال يبدو ان أمام طهران تملك عدد من الأوراق التي يمكن أن ترمي بها في الوقت المناسب لتعيد خلط الأوراق مجدداً وتقطع الطريق على مخططات واشنطن وتضع الدول الخمس الأخرى الموقعة على الاتفاق أمام مسؤولياتها إذ كانت تريد فعلا عدم تدهور الاوضاع الى ما لا تحمد عقباه.

هذا، ليس بالأمر الجديد، وإن كان الديبلوماسي الأول في أميركا قد بثّ خبرته الاستخبارية ومعرفته العسكرية في هندسة هجمات قاسية لتحقيق أهداف رئيسه دونالد ترامب عبر «ديبلوماسية حافة الهاوية» مع الحرص على عدم الوقوع فيها! وهنا لا ضير من إحداث جلبة وقرقعة تصم الأذان مع استعراض للقوة واعتماد ديبلوماسية البوارج وقاذفات الصواريخ للرد على تهديدات نقلها «الموساد الاسرائيلي»  للأميركيين، فعدم الاستقرار في المنطقة وجرّ الجميع إلى حرب مع إيران وحلفائها، هو غايةٌ لم يكل رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو يوماً عن السعي لتحقيقها!

 

ومع إدراك بومبيو وإدارته صعوبة خيار الحرب، إلا أنه لا مانع لديه من التلويح بها مع استمرار لعبة عض الأصابع على امل ان تصرخ الجمهورية الاسلامية أولاً ! لكن طهران وحلفائها حتى هذه المرحلة على الاقل يرفضون الاستسلام للشروط الأميركية، وهم يدركون ان أمام واشنطن مسار واحد إذا ما استمرت في ضغوطها وهو ايقاظ مارد الفوضى في عموم المنطقة الذي لن تستطيع السيطرة عليه لأنها في الافق صفقات تأمل إدارة ترامب في تحقيقها.

لذلك يبقى سيف العقوبات مشرعاً على إيران وحزب الله خصوصاً أن عدداً من المسؤولين الأميركيين أعلنوا مراراً أن هذه العقوبات بدأت تحقق أهدافها. وقد أكدت تسريبات أميركية جديدة عزم الادارة الاميركية توسيع دائرة العقوبات التي تستهدف حزب الله لتشمل جهات متعاونة معه، ولترسم مرحلة جديدة من العقوبات قالت إنها “غير المسبوقة”.

أما على الصعيد الايراني، فيأتي إصدار الرئيس الأميركي أوامر لفرض عقوبات جديدة على طهران تستهدف قطاع صناعات الحديد والصلب والألمنيوم والنحاس، كمحاولة أخرى لتعزيز الضغط على طهران بعد إنهاء الإعفاءات التي سمحت بموجبها واشنطن لثمانية دول بشراء النفط الإيراني بهدف تصفير صادرات الخام الإيراني لإجبار ايران على تغيير سلوكها!

وهنا ايضاً، يبدو أن هذا الهدف بعيد المنال، فالسلوك الإيراني لم يظهر أي تبدل، فضلاً عن أن المسؤوليين الايرانيين أعلنوا تكراراً رفضهم أي تغيير أو تفسير أو إجراء جديد على الإتفاق النووي الموقع عام 2015 بينما لا تخفي واشنطن رغبتها في اللقاء «يوما ما مع القادة الإيرانيين للتفاوض على اتفاق جديد» وفق ما عبر عنه ترامب في قراره الأخير.

 

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد