الأربعاء , 24 يوليو 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون دولية 10 رؤية صينية لنظام اقتصادي عالمي جديد على طريق الحرير
رؤية صينية لنظام اقتصادي عالمي جديد على طريق الحرير

رؤية صينية لنظام اقتصادي عالمي جديد على طريق الحرير

( مجلة فتح – العدد 726 )

كشفت الصين عن عزمها قيادة جهود العالم لتحرير التجارة وتعزيز التنمية الاقتصادية خلال قمة الحزام والطريق الذي يسعى لإحياء طريق الحرير التاريخي، لكن تحفظات أوروبية على مستوى الشفافية في إرساء المشاريع عكرت احتفال القمة، إضافة إلى مقاطعة الهند للقمة.

وقد تعهد الرئيس الصيني شي جين بينغ في افتتاح قمة مشروع طريق الحرير ، بتخصيص 124 مليار دولار للمشروع الذي قال إنه سيكون طريقا للسلام ولم الشمل والتجارة الحرة ودعا لنبذ النماذج القديمة للتنافس والصراع.

وتروج الصين لما تطلق عليه رسميا مبادرة الحزام والطريق كسبيل جديد لدعم التنمية العالمية، منذ أن كشفت النقاب عن الخطة الطموح في 2013 بهدف تعزيز الروابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا وما وراء ذلك من خلال استثمارات في البنية التحتية بمليارات الدولارات.

وتمثل قمة طريق الحرير أهم حدث دبلوماسي في الصين هذا العام وشارك فيه زعماء 29 دولة، (يمثلون أكثر من ثلثي دول العالم)، فرصة جديدة لتعزيز طموحات الصين في قيادة العالم في وقت يروج فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحمائية والانعزالية ويشكك في مبادرات التجارة الحرة العالمية الحالية.

إن فكرةَ المشروع الاقتصادي لا تبدو جديدة، بل إن الرئيس الصيني شي جين بينغ كان قد أطلقها في العام 2013، والفكرة تحمل من البساطة ما تحملهُ من التعقيد فهي إن كانت قائمة على إعادة إحياء طريقِ الحرير الذي ربطَ الصين عملياً بأغلبِ دول العالم عبر الممرات البحرية وشبكة طرقٍ برية تساهم بتسهيل عملية التبادل التجاري، فإن إعادة العمل بها تحتاج عملياً لمشاريعَ كبيرة في مجال النقل والبنى التحتية، لكن الأهم من كل ذلك أنها تحتاج لتكريس نظامٍ مالي يتمكن عملياً من الانطلاق والتفلت من سيف النظام المالي العالمي الذي تتحكم به اليوم الولايات المتحدة، فهل يمكننا فهم الخطوة تلك على أنها انطلاقة حقيقية تستهدف الهيمنة الأميركية.

ما هو رد فعل الولايات المتحدة؟

لكي نفهم ردةَ فعل الولايات المتحدة على كلِّ حراكٍ اقتصادي يستهدِف الخروج من عباءتها علينا العودة لعدةِ تواريخ مهمة:

الأول هو العام 1991، عامَ اندلاع الحرب اليوغسلافية في قلب أوروبا، يومها أرادت الولايات المتحدة وأدَ انطلاقة الاتحاد الأوروبي في مهدها، لدرجةٍ اضطر فيها الأوروبيون للتصويتِ على معاهدةِ ماسترخت 1992 الناظمة لعمل الاتحاد الأوروبي على وقعِ النيران المشتعلة وسط أوروبا والتي لم تنطفئ إلا بعدَ ما يقارب العقد من الزمن.

الثاني وهو العام 2011، تاريخ بدء الحرب على سورية، يومها كان هناك رؤية قدمها الرئيس بشار الأسد عن «ربط البحار الخمسة»، وهي فكرة تعتمِد على الاستفادةِ من الموانئ المتاحة بين ثلاث قارات على الأقل لتسهيلِ نقلِ وتبادل البضائع، هذه الفكرة عملياً ردت عليها الولايات المتحدة يومها بإشهار ورقة ربيع الدم العربي، وأصبح حلفاء الأمس أعداء اليوم، بمن فيهم القطريون والأتراك.

الثالت وهو العام 2017 يوم هددَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب كوريا الديمقراطية ومن على منبرِ الأمم المتحدة بتدميرها بالكامل إذا ما اضطرت الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها أو عن حلفائها، يومها لم يكن الكلام موجهاً لكوريا الديمقراطية كدولةٍ مستقلة بل لما تمثله هذه الدولة وبمعنى آخر:

كان هدف ترامب رفع سقف التوتر في شبهِ الجزيرة الكورية إلى أعلى الدرجات بما فيها المواجهة المباشرة، لأنه يدرك أن السلام الذي تعيشه المنطقة هناك هو أحد أهم أسباب الصعود الصاروخي للصين، لكنه اصطدم يومها بهدوءٍ صيني يثير الإعجاب ورفضٍ مبطن من قبلِ حلفائه في كوريا الجنوبية واليابان خوضَ حربِ الآخرين، فكان البديل عملياً محاولةَ استمالة الزعيم الكوري الديمقراطي كيم جونغ أون برفع راية الدعوة للمفاوضات والتي فيما يبدو فشلت فشلاً ذريعاً ليتجسدَ هذا الفشل بالزيارة الأخيرة التي قام بها كيم جونغ أون إلى روسيا والكلام المتبادل بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أهمية الحفاظ على نقاط القوة بما فيها البرنامج النووي للحفاظ على سيادة الدول.

هكذا تجاوزت الفكرة التي يعمل عليها الصينيون المطب الأول، لكن هذا المطب حكماً لن يكونَ الأخير تحديداً أنها ليست مجرد ربطٍ للبحار الخمسة أو تحويل عددٍ من الدول إلى تكتلٍ اقتصادي، بل الفكرة بالأساس تقوم على فرضية إطفاء النيران المشتعلة حولَ العالم بسلاحِ التطور والانتعاش الاقتصادي، إذ إن كلفة المشروع المقدرة بثمانية تريليونات دولار تبدو ضخمة وبحاجة لاستقطاب كبار رؤوس الأموال، والأهم أنها بحاجةٍ إلى نوع من الرخاء الأمني الذي سينتُج عنه رخاء اقتصادي وليس العكس، لكن المطب هنا أن من لا يزال يتحكم بتلك النيران المشتعلة يرى فيها سلاحاً بديلاً لوأدِ هذا المشروع من جديد، أما المطب الأخير فهي فكرة وجود القائد وبمعنى آخر: إن بناء التحالفات أساساً يعتمد على وجود قائدٍ، ربما ما ساعد الولايات المتحدة على إكمال التحكم بحلفائها أنهم مسلمون بفكرة وجودها كقائدٍ لديه بالنهاية كلمة الفصل، هذا الأمر تجلى عبر العقود الماضية من تبعيةٍ عمياء لكن هنا يبدو الظرف مختلفاً، أنت تريد أن تبني تحالفاً من المتناقضات فمن سيقود هذا المشروع هل هم الروس أم الصينيون؟ دون أن ننسى مثلاً أن دولاً ناشئة كإيران وتركيا يقدمون أنفسهم كلاعبين دوليين، لكن بالمطلق تبدو هذه الأسئلة سهلةً أمام التساؤل الأهم: أينَ نحن من كل ذلك؟

 

عن علي محمد

مدير التحرير