الأربعاء , 24 يوليو 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: 71 عاماً على النكبة ما تبقى لكم….
شجون فلسطينية: 71  عاماً على النكبة ما تبقى لكم….

شجون فلسطينية: 71 عاماً على النكبة ما تبقى لكم….

أحمد علي هلال

( مجلة فتح – العدد 726 )

لم يك ذنب الحصان/ ذلك الدم

على حيطان البيوت/ في أزقة طروادة

لم يك ذنب الحصان/ بيضة الحذر/ التي حرث ما تحت خبائها/ الغزاة

لا تختنق القصائد بالوطن ولا السرديات ولا المدونات ولا المرويات، فثمة ما يروى طليقاً في حضرة السنديان وأنهار الليمون ووشوشات البرتقال، لذاكرة الفدائي والشهيد والشاهد كيف يعودون كل مساء إلى فلسطين، وكيف يصبح جرحهم الأعلى هوية وبطاقة عبور، والرصاص البوصلة.

قال السنديان لمن عبروا: تحت جلد الحكاية نمت ذكرياتكم طليقة بما يكفي نرجستين ولدتا في زحام الوقت والملح والعدل الشريد، فتحت سماء عالية مشبعة بالزرقة مرت ظلالهم، لتعود في المساء حيث تقيم ما اعتادت أن تقيم، لا ظل للغزاة على تلك الدروب العتيقة، قد بددتها خطا الفدائيين، الذين ساروا على طريق الجلجلة.

قال النهر: وأنا مروية الحكايات، لي شهد التدفق منذ أزمنة اليباس، منذ أن خرجوا حفاة على الطريق الشائكة، مازلت أضم ضفافي إليَّ، ليعبر النهر إلى الصبح الجميل خفيفاً كما لحن الصباح حينما يتناقله الأجداد وتطرزه النسوة على مفاتيح بيوتهن ليظل أخضراً ندياً قرب القلب أبداً، ليذكرهن بأن الأبواب مازالت في الانتظار، هي فقط من حفظت خطوط الأصابع ووهجها، وحفظت كل ظلالها لتظل دافئة، ولا تنام الأبواب الساهرة في جرحها جرح من غابوا، لكنهم تسللوا في رابعة الحلم إليها، ومكثوا في إثرها يقيمون صلاة الأرواح قرب مسجدها المبارك.

قال الرصاص: رسمت خط أفق الفدائي لأذروا خيمة المنفى، سكنت مخيماً في الريح لكنني الآن عبرته لخندق ومتراس وعلم وسارية ودرب شهيد إلى فردوسها المحلوم به، وما زلت أرسم كل فضاءاتي بلون الوطن ونكهة الأغنيات الطليقة على نوافذ الفجر… وظل في الأثر أن الفجر حدثهم ذات ليلة عاصفة على وشم في يسعى إليهم، ليزين موضع القلب منهم، وشم معطر بنكهة الرصاص وأريج السنابل، وحنطة السهول ودمع الأغنيات…. قال الفدائي: كم ولدنا في العاصفة ونفرنا خفافاً وثقالاً لنجلو عنها كل الظلال، فلا يمر الغزاة، وهم الطارئون على الأرض مثل كوابيسها.

قال الشهيد: وأنا الشاهد من حملت جرحي لتقوم الأرض، والأرض حقاً قامت… وهناك على تخوم الأرض كلها شهدت جموعهم تتقدم مثل خطوط اليدين لتصبح خط دفاع ذكي عن الشمس والبيادر والينابيع والمواويل العتيقة فتحت سمائها –فلسطين- ابتدأت بروق كثيرة بددت ليل النكبة الطويل وجعلت منه نثارات مضيئة فوق الرؤوس العارية وهي من تقرّت كل نارها المطفأة، لا يملك الغزاة ذاكرة، ولا يملكون حصة في الهواء، قالت كتب التلاميذ وسطورهم الصباحية، التلاميذ الذين ذهبوا في الصباح إلى مسيرات العودة حفاة إلا من كرامتهم، وهناك عند السياج الشائك لم يميز الغزاة ما بينهم وما بين حبات الزيتون، وأعناق الزنابق وأناشيد الصباح فكم أرعبتهم هذه الهوية التي لم تزل تصدح بها الأرض منذ أزل الدم والحلم، ومسقط رأس اللغات ومازال منصور يحلم بالذهاب إلى صفد، وأم سعد تنتظر هناك العائدين فجراً مع أسراب اليمام، وتدفق الينابيع لا تمل انتظارهم، بل هي من تشدو لهم: أعدوا لي الأرض كي أستريح، وتنهض البلاد على خفق أغنيتين مازالتا صهيل الفدائيين إلى الضفة الأخرى، لتُشفى جراح الشجر والأزاهير الشهيدة… فلسطين فكم غيرت من الأسماء التي توهم الغزاة أنها تليق بها، ظلت هي الاسم/ الهوية العصية على أن تكون إلا فلسطين، فلا الخيمة ولا المخيم سوى ذكرى لتظل الذاكرة أبداً مشتعلة بتلك المرويات الكثيفة، مروية من أحصى كل حبة رمل وكل ذرة تراب، فكم غسلتها دماء الشهداء لتورق في الكون فلسطين أبداً.

 

عن علي محمد

مدير التحرير