الإثنين , 20 مايو 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 النكبة الفلسطينية وتجلياتها في السينما
النكبة الفلسطينية وتجلياتها في السينما

النكبة الفلسطينية وتجلياتها في السينما

موسى مراغة

( مجلة فتح – العدد 726 )

تمر في هذه الأيام الذكرى ال 71 للنكبة الفلسطينية، والتي احدثت شرخاً داميا في جسد الأمة العربية تمثل بإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين في عام 1948،.

وقد انبرت السينما لهذا الموضوع الحار، وسجلت الكثير من الأفلام قصة ضياع وطن وتشريد شعب عبر لغة الفن السابع، وتناولت الكثير من الأفلام الوثائقية والروائية النكبة الفلسطينية وأثارها، وكانت هناك الكثير من الأشرطة التي صنعت سواء على المستوى الفلسطيني والعربي وحتى العالمي، وأظهرت تلك الأفلام البؤس والشقاء وحياة الضنك التي عاشها الشعب الفلسطيني في المنافي وفي المخيمات ودول الشتات، وحكت تلك الأفلام مصائر أبطالها وصورت قصة شعب ذاق الأمرين في حله وترحاله، حيث عاش الفلسطيني حياة الخذلان جعلته إضافة إلى نكبته بالهجرة من وطنه أيضاً يعيش كل أنواع الشقاء والظلم في أماكن لجوءه من كل النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.

ولعل من أهم الأفلام السينمائية العربية التي تناولت موضوع النكبة الفلسطينية وصورت مصائر أبطالها، وعارض قصة الترحال والضياع الذي عاشته شخوص تلك الرواية السينمائية، حيث شكل هذا الفيلم السينمائي أنموذجاً للأفلام السينمائية ذات المستوى الفني والفكري الرفيع، والذي لقي صدى ايجابياً أينما عرض، وشكل علامة فارقة في موضوع التناول السينمائي للنكبة الفلسطينية وإحداثها.

أنه فيلم «المخدوعون» للمخرج المصري توفيق صالح، والمأخوذ عن رواية «رجال في الشمس» للأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني، أن أحداث الفيلم تدور في غالبية زمنها عند الحدود بين العراق والكويت في زمن غير محدد، ولكنه بالتأكيد غير بعيد من زمن حدوث النكبة الفلسطينية التي تشرد خلالها مئات الألوف من الفلسطينيين خارج ديارهم، وآوتهم مخيمات اللجوء، مجبرة الكثير منهم على البحث عن مصادر الرزق في وقت ضاق فيه الحال على الشعب الفلسطيني، وأصبح الوضع الاقتصادي عاملاً ضاغطاً على مجمل أبناء الشعب.

حيث عرض الفيلم رحالة الشقاء لثلاثة رجال فلسطينيين يقوم أحد المهربين بنقلهم في صهريج ماء من البصرة في طريقهم إلى دولة الكويت.

لقد استطاع المخرج توفيق صالح أن يقدم فلماً ملتزماً وواقعياً بالرغم من الازدواجية في أسلوبه خلال عرضه للرد الدرامي، فمرة يستخدم الواقعية ثم ينحو إلى استخدام الوثائقية.

لقد كان الفيلم صرخة لايقاظ لشعب الفلسطيني من غفلته، وأن الهروب من المشاكل لا يحلها بل يعقدها، وقد يودي إلى الهلاك والنهاية ستكون إلى مزبلة التاريخ.

وفي عودة إلى بدايات السينما العربية التي تحدثت عن القضية الفلسطينية بشكل عام وعن النكبة تحديداً، نرى أن النتاجات العربية في هذا المجال كان في معظمها ساذجاً وسطحياً، وتناول قصة النكبة الفلسطينية بنفس ميلودرامي، ولعل الفيلمين المصريين «الله معنا» للمخرج أحمد بدرخان، وفيلم «أرض السلام» لشادي عبد السلام عام 1957 يمثل أنموذجاً لتلك الحقبة السينمائية التي تناولت القضية الفلسطينية قبل أن يحدث تطور فني وفكري في الأعمال التي بدأت تنتج في السينما العربية وذلك بعد سبعينيات القرن الماضي.

ومن الجدير بالذكر أن السينما العربية بشكل عام لم تأخذ في إنتاجاتها السينمائية القضية الفلسطينية على محمل الجد، ولم ترتق بتناولها إلى حجم المأساة التي حصلت ولم تناقش بشكل دقيق المقدمات التي أفضت إلى النكبة وقيام الكيان الصهيوني، مع استثناءات قدمتها السينما السورية في بعض أفلامها الروائية والوثائقية، والمخدوعون كان أبرزها، لذلك نجد أنفسنا مرغمين للحديث فقط عن الانتاجات السينمائية الفلسطينية:

فنستطيع الحديث عن المرحلة السينمائية الأولى التي وصفت بالثورية من عام «1968-1974» وتركزت الأعمال الفنية فيها بالحديث عن الثورة وانطلاقتها لتحرير الأرض المغتصبة.

وفي المرحلة الثانية كان موضوع «يوم الأرض» العنوان الأبرز لحضور الداخل الفلسطيني، وللحديث عن النكبة الفلسطينية وآثارها وعواقبها، وقد تمثل ذلك في فيلم حمل أيضاً أسم «يوم الأرض» للمخرج الفلسطيني غالب شعث والذي صور كاملاً داخل أراضي فلسطين المحتلة عام 1948، وفيلم «31آذار» للمخرج سمير نمر.ثم تتاولت الأحداث الفلسطينية من الانتفاضة الأولى إلى انتفاضة الأقصى إلى ما بعد اتفاقيات أوسلو مع العدو الصهيوني هذه الأحداث خلقت بيئة جديدة لأفلام جديدة ولمخرجين جدد حيث بدء الحديث عن سينما فلسطينية جديدة.

في هذا الإطار يبرز لنا مجموعة من الأفلام التي تصدت لموضوع النكبة وأبرزها فيلم المخرج إيليا سليمان «الزمن الباقي» والذي نال تقديراً وإعجاباً نقدياً وحصد العديد من الجوائز العالمية، والفيلم يحيلنا إلى الزمن الباقي لفلسطيني لاجئ لكنه عائد إلى وطنه ليعيش فيه ما تبقى من عمر بدأ يأفل ويغيب، ويعتبر فيلم المخرجة الفلسطينية ميس دروز «حبيبي بيستناني عند البحر» من الأفلام التي تمزج بين الشاعري والواقعي في مقاربته فلسطين الحلم.

وفي هذا الفيلم نرى المخرجة تعود وتعاين أماكن تواجد الفلسطيني حيث الآثار الدالة من بيوت وأماكن لازالت شاهدة على ذلك الماضي الذي كان فيه يسكن ويقيم في تلك المدن والقرى التي هدمها العدو وأباد الكثير منها. كذلك قامت المخرجة بزيارات للفلسطينيين في الشتات من مخيم اليرموك في سورية إلى الضفة الغربية والقدس ويافا وعكا، وهي في تجوالها تستنطق الفلسطيني الذي لا زال يحلم بأمل العودة إلى الديار مهما طال الزمان وصعبت الظروف.

أما في فيلم «الحجر الأحمر» فمن خلاله يوثق المخرج أحمد الضامن للتاريخ الخاص بمدينة القدس من خلال التوثيق لعائلات مقدسية وعلاقتها ببيوتها وأحلامها التي ارتبطت ببناء بيوت خاصة ذات نمط معماري خاص، وكيف سرقت تلك البيوت من قبل «دائرة أملاك الغائبين» الصهيونية، الفيلم الذي بني على أساس الانتقال من العام في القضية الفلسطينية إلى الخاص عبر سرد قصص أربعة منازل مقدسية، نرى أحلام العودة وممارسات الفلسطينيين في التمسك بذكرياتهم التي عاشوها في منازلهم القديمة التي بنوها لبنة لبنة وجبلوا ترابها بعرقهم وذكرياتهم وبتصميمهم على العودة إليها.

أن الأفلام السابقة على اختلاف أنواعها بين الروائي والوثائقي اتخذت منحى يمزج بين الجمال السينمائي والنضالي الوطني، وبرز فيها موضوع النكبة الفلسطينية كموضوع أثير وحّد صانعي تلك الأفلام على اختلاف مدارسهم الفنية وأكدوا في رسالتهم الفنية والفكرية على ارتباط الفلسطيني رغم مرور سنوات طويلة على حدوث النكبة بأرضه ووطنه وذكرياته، وهو لم يزل يعيش في الشتات وفي المنافي البعيدة على أمل العودة إلى أرض الآباء والأجداد، ولن يتغير هذا الموقف رغم كل المآسي التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني ورغم كل التضحيات التي قدمها إلا أن حلم العودة سيظل ماثلاً وعيونهم ترنوا إلى المستقبل واثقين من أن يوم العودة آت لا ريب فيه.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد