الأحد , 8 ديسمبر 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 طقوس العزاء عادات وتقاليد من تراث فلسطين
طقوس العزاء عادات وتقاليد من تراث فلسطين

طقوس العزاء عادات وتقاليد من تراث فلسطين

                          

  • جومانا صالح

( مجلة فتح – العدد 726 )

ـ تعتبر العادات والتقاليد الشعبية من التراث اللامادي الذي شكل التصورات والممارسات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما ارتبط بها من آلات وأدوات وقطع وأماكن ثقافية اعتبرها الأفراد والجماعات جزء من تراثهم الثقافي الذي يمثل مسرحاً في حياة الشعوب وقانوناً اجتماعياً مترسخاً في النفوس بات من الصعب الخروج عليه.

ـ وبسبب الروابط التي تجمع بلاد الوطن العربي من : اللغة الواحدة، والتاريخ المشترك، وغيره فقد تشابهت العادات والتقاليد في بعض أجزائها ـ ففي شمال فلسطين العادات والتقاليد أقرب إلى التراث السوري واللبناني، أما في جنوب فلسطين فتكون أقرب إلى اللتراث المصري ـ ومن الجدير بالذكر أن هذا التشابه الثقافي بين البلاد العربية جاء نتيجة ظروف جغرافية وتاريخية فرضتها قوى الاحتلال التي تعاقبت على المنطقة العربية، وغدّت هذه العادات تتعمق وتتعزز بتكرارها وتوارثها جيلاً عن جيل، امتدت جذورها إلى حقب تاريخية موغلة في القدم كونت ثقافة شعبية وهوية وطنية خاصة لكل شعب من الشعوب.

ـ ومنذ أن خلقت البشرية تعاملت مع الموت بقداسة، فعند الوفاة يعلن أحد أفراد العائلة الوفاة إما عن طريق الإذاعة في المسجد، أو عن طريق المنشورات التي تلصق على الجدران يُذكر فيها اسم المتوفى وعائلته من الذكور فقط، وتحديد المسجد الذي ستُقام فيه صلاة الجنازة على جثمانه وتحديد أماكن العزاء للرجال والنساء، أو من خلال  مواقع التواصل الإجتماعي حديثاً، فيشارك الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء في تشييع الجنازة… فيتجه بعضهم إلى المقبرة لتجهيز القبر، وآخرون يقومون بتجهيز المسجد وجلب الكراسي وتجهيز صالة العزاء، أما أهل المتوفى يجهزون الكفن وغسيل الميت إما في المنزل أو في المشفى حديثاً، حيث يُغسل المتوفى على الشريعة الإسلامية ويُوضأ، ويُرش على الكفن ماء زمزم إنّ وُجد، و تُحضر العطور والمسك والكافور والحناء، وقد يحضر الحمام أقرب المقربين بينما ينتظر بقية الحضور في ديوان العزاء، وبعد الإنتهاء من الغسل والتكفين يُسجى المتوفى على فراش في الأرض ويُغطى، أو يُوضع في التابوت وتجلس النساء حوله ويبدأن بالنواح، ثم يبدأ جميع الأقارب والحضور بالدخول لوداع المتوفى، وتبدأ النساء بالصراخ والعويل عند حمل النعش وإخراجه من المنزل.

ـ واقتضت العادات أن يُصلى على الميت بعد صلاة الظهر، لذا يُحمل النعش على الأكتف ويذهبون به إلى المسجد الموجود في حي المتوفى، وتصعد الجموع في السيارات وفي سيارة دفن الموتى، والبعض مشياً على الأقدام يصلون على المتوفى في المسجد ثم يحملونه باتجاه المقبرة، وقد يرافق الجنازة فرقة دينية إذا كان ذو شأن ديني أو وطني، لكن في الوقت الحاضر اقتصرت على تشغيل بعض الآيات القرآنية في سيارة دفن الموتى التي يمشي خلفها أهل المتوفى وجيرانه وأحبابه من الرجال فقط، أما النساء تنتظر في المنزل، وفي بعض الحالات تذهبن بعض النسوة من أهل المتوفى المقربين إلى المقبرة شريطة عدم اختلاطهن بالرجال بل يبقين في سيارة دفن الموتى إلى جانب النعش وقد وُجدت هذه الحالات عند النساء اللواتي تعلقهن بالمتوفى وعدم قدرتهن على استيعاب فراقه كالأم والابنة والأخت فيتم اصطحابهن إلى المقبرة كي يبقوا مع المتوفى في الساعة الأولى لدخوله القبر ويدعون له بالمغفرة والرحمة، ثم تعود الجموع إلى منزل المتوفى أو صالة العزاء لتقديم الواجب، ويُقال في العزاء عبارات خاصة مثل: عظم الله أجركم …. فيرد أهل المتوفى شكر الله سعيكم، أو البقاء لله، أو العمر لكم، أو البقية في حياتكم، و يستمر العزاء لمدة ثلاثة أيام أو أسبوع يكون ديوان استقبال الرجال بمعزل عن النساء.

ـ ومن الموروثات الشعبية الإنسانية في فلسطين أن يتم دعوة أهل المتوفى لتناول الغداء من قبل الجيران والأصدقاء والأقارب التي تستمر لمدة ثلاثة أيام أو أسبوع تقديراً لوضع أهل المتوفى، ومحاولة للتخفيف من الحزن والوحدة حيث يجتمعون في منزل المتوفى ويأكلون سوياً فيزداد تماسك الروابط الاجتماعية فيما بينهم.

ـ تعتبر طقوس الوفاة قوانين صارمة يجب على الكبير والصغير اتباعها حفاظاً على النظام الاجتماعي، ومن يخرج عنها يعتبر بمثابة إهانة للميت وأهله فيجب على أهل الحي في المدينة، أو القرية وقف مظاهر الفرح لمدة أربعين يوماً…. لكن في وقتنا الحاضر بدأت هذه العادة تضيق حتى اقتصرت على عائلة المتوفى وجيرانه، ويتم ارتداء اللون الأسود لمدة ثلاثة أيام أو أربعين يوماً لا تتزين فيها المرأة ولا يتطيب الرجل ولا تُصنع الحلويات من قبل أهل الميت في الأعياد ولا تُقبل المعايدة، ومن يخالف هذا يعتبر استخفاف وشماتة بأهل المتوفى يسقط اجتماعياً وتتم مقاطعته من قبل الجميع.

ـ من بعض طقوس الوفاة ما يُسمى «الدلايل» أو «الختمة» التي ما زالت حاضرة في وقتنا الحالي، وهي اجتماع الأقارب والجيران في بيت المتوفى أو في صالة العزاء في اليوم الثالث من الوفاة ويتم خلالها قراءة ختمة للقرآن أو اثنتين حسب عدد الحضور، ثم يتم توزيع الحلويات على الحضور مثل “الكنافة النابلسية” أو تذبح الذبائح ويُقدم العشاء للحضور…. ومن الجدير بالذكر أن عادة توزيع الكنافة عادة قديمة منذ عشرين عاماً أُلغيت في وقتنا الحاضر واقتصرت على العشاء، أو توزيع التمر.

ـ وبما أن القهوة العربية واجب الضيافة عند العرب فهي حاضرة في طقوس العزاء منذ زمن بعيد وما زالت  حتى الآن، حيث تُصب في الفنجان من قبل اهل المتوفى عند دخول صالة العزاء وأثناء الخروج، وبعد شربها يُقال عبارات خاصة: كالبقية في حياتكم، أو خاتمة الأحزان، ويجب الحذر من عبارات معتادة مثل “دايمة” لأنها تعتبر إهانة وشماتة بأهل الميت ويتم طرده من العزاء.

ـ من العادات الأخرى «الأربعين» وهي اجتماع الأهل والجيران في بيت المتوفى في اليوم الأربعين من الوفاة لكسر الحزن وفك اللون الأسود غالباً، حيث يتم خلالها نفس مراسيم الختمة من قراءة القرآن وفي بعض الأحيان الاستماع لمولد نبوي شريف .

ـ وهناك أيضاً «السنوية» التي تشبه مراسم الأربعين ، و« أول عيد» حيث تجتمع العائلة فقط في أول عيد بعد وفاة الفقيد لتقديم العزاء لأهل المتوفى والتخفيف من حزنهم ووحدتهم وشعورهم بالفقد قبل آذان الظهر، أو يسهرون في ليلة العيد مع الحذر عدم تقديم المعايدة أو جلب الحلويات.

ـ كل هذه العادات الراقية ارتبطت بطقوس الوفاة التي كانت نوعاً من التماسك الاجتماعي وأصبحت عُرفاً شعبياً تثني على من يلتزم بها ويندم الخارجين عنها.

 

عن علي محمد

مدير التحرير