الإثنين , 17 يونيو 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 ترامب انموذج واضح للسياسة الامريكية في استغلال الضعف العربي
ترامب انموذج واضح للسياسة الامريكية في استغلال الضعف العربي

ترامب انموذج واضح للسياسة الامريكية في استغلال الضعف العربي

بقلم: ياسر المصري

مسؤول الإعلام والدراسات الفلسطينية

( ينشر بالتزامن مع موقع مسار الالكتروني )

ينعت البعض في عالمنا العربي، الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس «الأحمق»، وهذا فيه مجافاة لحقيقة هذه الشخصية ودورها، وخاصة إن ما قام به منذ توليه الرئاسة في البيت الأبيض، أشياء كثيرة عجز عنها الرؤساء السابقين، علماً أن هناك العديد من القرارات التي ينفذها أُخذت في البيت الأبيض والكونغرس منذ عشرات السنين، لكن المميز في شخصية ترامب هو جرأته في تنفيذ الرؤية الأميركية دون النظر إلى ردود الفعل، التي يمكن «للحلفاء» أن تشكل لهم انزعاجاً أو غضباً أو غيره، فهو كما يقول دوماً المصلحة الأميركية فوق أي اعتبار ومن ثم تأتي المصلحة (الاسرائيلية ) بوصفها جزءاً أساسياً من المصالح الأميركية، أو بالأصح هي في قلب المجال الحيوي الأميركي.

كما أن الاعتقاد بأن ترامب هو من يتخذ القرارات بشكل فردي، أيضاً فيه شيء من الخطأ، لسبب أساسي أن الولايات المتحدة الأميركية دولة عميقة فيها نظام مؤسساتي بغض النظر عن رأينا بطبيعة هذا النظام ومآخذنا عليه وعلى دوره، ولكن في التحليل الشخصي للرئيس الأميركي فهو بلا شك شخصية براغماتية، جريئة، يميل إلى المغامرة، وفيها إفراط بالنرجسية الواضحة، لكن بالمقابل وفي المواقف والرؤى السياسية هو متشرب أفكاراً واضحة يعمل على تنفيذها، وخاصة تلك المشاريع السياسية التي طرحت في أوائل سبعينيات القرن الماضي، حيث طرح برنارد لويس مخططات ترمي إلى تقسيم وتفتيت وطننا العربي، فلقد نشرت العديد من الوثائق السرية التي تحدثت حول ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير، وتغيير شكل المنطقة، ومن ثم نشرت خريطة في مجلة «ذا اتلانتك» عام 2007، سميت بـ (حدود الدم) لرالف بيترز، وخريطة أخرى بذات المعنى لجفري جولد بيرج.

لكن ما يهمنا تسليط الضوء عليه في هذا الإطار، الميول الصهيونية الواضحة لشخصية ترامب، الذي قال في احدى تغريداته «بأنه لو رشح نفسه في انتخابات الكيان الصهيوني سوف ينجح بنسبة تسعين بالمئة»، وذلك نظراً للخدمات الكبيرة والهائلة التي يقدمها للكيان الصهيوني، فهو قد تجرأ على نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة في أواسط العام الفائت، علماً أن القرار هو لمجلس الشيوخ الأميركي يعود إلى عام 1995، إبان عهد الرئيس الأميركي الأسبق «بل كلينتون»، ولم يجرؤ أي رئيس منذ ذلك الحين على تنفيذ ذلك القرار إلى أن جاء ترامب.

إضافة إلى القرار الأخير الذي اتخذه منذ أيام قليلة بضم الجولان إلى سيادة الكيان الصهيوني، متحدياً بذلك شرعة الأمم المتحدة والتي اعتبرت الجولان أرضاً سورية وأن الكيان الصهيوني محتلٌ له منذ عام 1967، وذلك وفق القرار الأممي 497 تاريخ 17/ديسمبر/1981، الذي اعتبرت فيه قرار «إسرائيل» فرض قوانينها وولايتها وإرادتها على الجولان السوري المحتل قرار لاغ وباطل وليس له أثر قانوني دولي، وطالب إلغاؤه على الفور، بمعنى آخر فإن ترامب بتلك الخطوة تحدى الأمم المتحدة وقوانينها، إضافة إلى تحدي العالم في خطوته قفزاً على كل القوانين، ومن جهة أخرى تحمل في طياتها تهديدات لمعظم دول العالم ونظمها بأنه ممكن أن يلجأ إلى مثل هذه الخطوة في حال تعارض مع هذا النظام أو ذاك الرئيس.

ولكن من جانب آخر دعونا نتفحص واقعنا العربي، الذي هو السبب الرئيس في «وقاحة» ترامب السياسية وامتهانه لكل الزعماء العرب، فهو يتخذ القرارات دون أخذ أي اعتبار أو قيمة لهذا النظام أو ذاك، حتى أولئك الذين قدموا مئات المليارات من الدولارات، أو الذين ينبطحون على أعتاب البيت الأبيض متسولين الحماية لعروشهم ومتنازلين عن سيادة أوطانهم وتسليمها لقيادة القواعد الأميركية في العديد من الدول العربية، وتنفيذ الاملاءات الأميركية بشن الحروب البينية من أجل استهلاك مقدرات أمتنا العربية لحساب تقوية الكيان الصهيوني، واستحضار خصم وهمي لحرف الصراع الأساسي مع الكيان الصهيوني، واعتبار الدولة الإيرانية المسلمة والصديقة، والتي هي تاريخياً جزءاً أساسياً من مكونات المنطقة عدواً لأمتنا العربية.

هذا الواقع الرديء في أمتنا العربية، من تفكك وتجزئة وتبعية، يعمل ترامب والكيان الصهيوني على اغتنامه، وانتهاز الفرصة الكبيرة التي قد لا تسمح الظروف في المراحل القادمة من تحقيقها، لذلك نجد بأن ترامب طرح خطة بعنوان (صفقة القرن أو العصر) دون  الافصاح عن بنودها، لكنه بالمقابل يقوم بتنفيذها خطوة خطوة، بدأها بنقل السفارة، ومن ثم تأييد ومباركة «قانون الدولة اليهودية»، والعمل على إلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، واليوم يبدو هناك محاولات لضم الضفة الغربية للسيادة الصهيونية.

هذا على الصعيد الفلسطيني، أما على الصعيد العربي فمشروعه في تفتيت الأمة العربية واضح وضوح الشمس فلقد كان إلى جانب انفصال اقليم كردستان عن العراق، إضافة إلى مشروعه في تقسيم اليمن إلى عدة أقاليم، وهو يدعم اليوم أيضاً فكرة إنشاء منطقة خاصة بالأكراد في سورية، وكما يقول المثل الشعبي (الحبل على الجرار) قد يكون التفتيت غداً في الجزائر أو مصر أو أي دولة عربية، فهذا هدف أساسي للولايات المتحدة الأميركية وعلى رأسها ترامب.

لا شك بأن ترامب محاط بصقور محافظين يعملون على ترسيخ نزعة  الاستعلاء الأميركية والعمل بشكل دائم على تحقيق المصالح الأميركية، حتى ولو كانت فيها شيء من الوقاحة، أمثال جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي، وجورج بومبي وزير الخارجية، وجاريد كوشنير المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، وجيبسون غرينبلات مستشار الرئيس الأميركي وغيرهم، وهؤلاء جميعاً يضعون الأولوية لأميركا وضمناً الكيان الصهيوني، لذلك نجدهم اختلفوا مع الحلف الأطلسي «الناتو»، واختلفوا مع مجلس حقوق الإنسان الأممي، وانسحبوا من مؤتمر المناخ وغيره، وكل ذلك للحفاظ على تلك النزعة الاستعلائية.

والهدف الرئيس دوماً للولايات المتحدة الأميركية منطقتنا العربية، للحفاظ على أمن الكيان الصهيوني أولاً، ونهب خيرات وثروات أمتنا ثانياً، تارة بالتهديد وتارة أخرى بالوعيد، وهذا هو جوهر المشروع الأميركي، لذلك لابد من قراءة ومعرفة ذلك المشروع من قبل النخب السياسية العربية وتحديداً القومية منها، لأن هويتنا القومية في خطر، ومشروعنا النهضوي يحتاج إلى قراءة معمقة في كيفية مواجهة تلك الأخطار، وفي المقدمة منها المشروع الصهيوني الذي يشكل رأس الحربة في العدوان على الأمة العربية وليس على فلسطين وحسب.

ومن الجانب الفلسطيني فإن مراهنة البعض على صداقة أميركا واعتبارها وسيط نزيه أو غيره، أعتقد بأنها سقطت بشكل واضح وانكشفت للقاصي والداني ليس بانحيازها للكيان الصهيوني، بل أن الكيان هو جزءاً أساسياً من المشروع الأميركي في المنطقة، وخاصة أن الوهم حول ما يسمى مشروع السلام يعود إلى أكثر من ربع قرن ، ناهيك عن ما سبق ذلك من لقاءات واتفاقيات وتحديداً اتفاقية «كامب ديفيد»، وهذا يتطلب من تلك النخب والقوى والطلائع السياسية العمل على بناء المشروع النهضوي العربي.

وإذا كان البعض يستبعد نظرياً المؤامرة على أمتنا وعلى شعبنا العربي، فهو بذلك يقصد تسويف المشاريع والمخططات (لغاية في نفس يعقوب)، أما الذين انساقوا وراء أوهامهم وأحلامهم الضيقة عليهم أن يعودوا خطوة إلى الوراء ويقرأوا تجربتهم إلى أين وصلت وكيف وصلت ولماذا؟!، ويبقى أولئك الصادقين مع أنفسهم أولاً ومع أمتهم ثانياً، الذين عليهم أن يتحملوا أعباء المرحلة الراهنة بكل قساوتها وتعقيداتها وظروفها ويعملوا بكل جد ومثابرة حثيثة على استنهاض الأمة بكافة مكوناتها وطاقاتها للحيلولة دون تفتيت أمتنا وتقسيمها ونهب خيراتها.

عن علي محمد

مدير التحرير