الإثنين , 24 يونيو 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 القدس 10 قضية باب الرحمة.. بين أهداف الاحتلال وهبّة الفلسطينيين
قضية باب الرحمة.. بين أهداف الاحتلال وهبّة الفلسطينيين

قضية باب الرحمة.. بين أهداف الاحتلال وهبّة الفلسطينيين

(عن مركز رؤية للتنمية السياسية )

مقدمة:

نجح الفلسطينيون في مدينة القدس المحتلة من فتح مصلّى وباب الرحمة، بالمسجد الأقصى، بعدما أغلقه الاحتلال في العام 2003 متذرعًا باستخدامه من مؤسسة غير قانونية، هي مؤسسة التراث الإسلامي، وبقي الإغلاق قائمًا منذ ذلك الحين، وقد ثارت مخاوف الفلسطينيين من حينه بأنّ الهدف من هذا الإغلاق هو تأسيس كنيس يهودي في الموقع، وبالفعل فقد تجددت الاعتداءات ومحاولات إحكام السيطرة النهائية على هذا الموقع منذ مطلع العام 2019.

نجاح الفلسطينيين في كسر الهجمة “الإسرائيلية” الاستيطانية والحكومية على حدّ سواء على باب الرحمة، يذكّر بالإنجاز الفلسطيني فيما عرف بـ “هبة باب الأسباط” في تموز/ يوليو 2017، التي ثارت رفضًا لقرار حكومة الاحتلال تركيب بوابات إلكترونية تجبر المصلين على المرور منها إلى المسجد الأقصى، بهدف تعزيز سيطرة الاحتلال على المسجد، إذ كسر الفلسطينيون ساعتها قرار الاحتلال كذلك.

وبالرغم من ذلك الإنجاز، إلا أنّ هجمات الاحتلال المتعددة، بلا توقف، حتى بعد هبّة باب الأسباط، التي باتت تأخذ أشكالاً أكثر كشفًا عن الرغبة اللحوحة في فرض التقسيم المكاني على المسجد، كما أنّ المخاوف ما تزال قائمة من عودة الاحتلال لمحاولة إغلاق مصلّى باب الرحمة من جديد.

هبة باب الرحمة.. مجريات العدوان ومواجهته

بدأت هجمات الاحتلال الجديدة على باب الرحمة؛ منذ مطلع العام 2019، فعلى سبيل المثال، قامت مجموعات من المستوطنين في 2 كانون الثاني/ يناير بأداء رقصات في مقبرة باب الرحمة1، كما تواصلت الاعتداءات بكثافة منذ مطلع شباط/ فبراير، سواء من جهات رسمية أو استيطانية، فقد أبعدت قوات الاحتلال سبع مقدسيات عن المسجد الأقصى بتهمة جلوسهن في منطقة باب الرحمة، وتكررت بعد ذلك اقتحامات المستوطنين لمنطقة باب الرحمة، ضمن برنامج التقسيم الزماني الذي يحاول الاحتلال تكريسه، فعلى سبيل المثال، وفي الرابع من شباط/ فبراير، اقتحمت مجموعات من المستوطنين ساحات المسجد الأقصى من باب المغاربة لينتهي اقتحامها بأداء صلوات في باب الرحمة، وقد تكرر المشهد تمامًا في السادس من الشهر نفسه.

في الثالث عشر من شباط/ فبراير 2019 بدأت أوساط فلسطينية في الحديث عن نية الاحتلال إقامة كنيس يهودي في منطقة باب الرحمة، بعدما ضاعف الاحتلال من إجراءاته تجاه كلّ من يقترب من منطقة الباب، بما في ذلك موظفو دائرة الأوقاف، ويبدو أن البداية الفعلية للمواجهة في باب الرحمة كانت حينما قام في الرابع عشر من شباط/ فبرايرالماضي، أعضاء من مجلس الأوقاف الإسلامية، بالصلاة داخل مبنى باب الرحمة، وعلى إثر ذلك، وفي السابع عشر من الشهر نفسه، أغلقت قوات الاحتلال الباب الحديدي القائم على رأس الدرج المؤدّي إلى باب الرحمة بالسلاسل الحديدية9، وهو ما ردّ عليه الفلسطينيون عمليًّا، في اليوم التالي لإجراء الاحتلال، بصلاة العشرات منهم الظهر قرب باب الرحمة، لتنتهي صلاتهم بتحطيم المصلين للباب الحديدي.

وفيما يبدو وكأنه اختزال –في حينه- للأزمة في السلاسل الحديدية، لا في قضية إغلاق باب الرحمة، قامت دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس بإعادة تركيب الباب الحديدي، في التاسع عشر من الشهر نفسه12، في حين أعلن الاحتلال عن إزالته للأقفال الحديدية عن باب الرحمة، وهو ما عدّه بعض المسؤولين في الأوقاف الإسلامية في القدس انتهاء للأزمة كما في تصريحات الشيخ واصف البكري، نائب قاضي القضاة في القدس وعضو مجلس الأوقاف الإسلاميّة، الذي قال إنّ الأزمة حلّت بفضل اتصالات مكثفة أجراها “الملك عبد الله الثاني وكافة السلطات الأردنية ووزارة الأوقاف ووزارة الخارجية والسفارة الأردنية ودائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ومجلس الأوقاف الإٍسلامي، لحل أزمة باب الرحمة”.

بيد أنّ الأزمة لم تنته بالنسبة للمقدسيين الذين رأوا أن القضية في إغلاق مصلّى باب الرحمة ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه لا في مجرد إغلاق الباب الحديدي بالسلاسل الحديدية.

وبناء على ذلك قرّر شبّان مقدسيون استمرار التوافد على باب الرحمة و إداء الصلاة عنده، الأمر الذي واجهته قوات الاحتلال بتحويل ساحات المسجد الأقصى إلى ثكنة عسكرية، بالإضافة لسلسلة إجراءات أخرى، رافقت القضية منذ بدايتها، منها اعتقال عدد من المعتصمين والمصلين بالقرب من باب الرحمة، وقد استمرت الصلوات قرب بالرحمة إلى أن تمكن الفلسطينيون، وبعد الدعوة إلى نفير عام، من افتتاح المصلى والصلاة فيه يوم الجمعة، وسط الهتافات، وكان من بين المصلين، المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين، وأعضاء مجلس الأوقاف الإسلامية ومشايخ القدس، بما فيهم رئيس المجلس الأعلى للأوقاف الإسلامية في القدس، الشيخ عبد العظيم سلهب.

و لتثبيت الإنجاز الفلسطيني، ورفض قرار إغلاق منطقة باب الرحمة، قرّر مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس الإبقاء على مصلى باب الرحمة مفتوحًا، وتعيين إمام له، وعدم الاعتراف بأي قرار يصدره الاحتلال بخصوص المسجد الأقصى.

استمرار المواجهة

في أثناء الهبّة، وبعد تمكّن الفلسطينيين من افتتاح المصلى والصلاة فيه، كان الاحتلال قد اعتقل كلاً من رئيس مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس الشيخ عبد العظيم سلهب، ونائب المدير العام لدائرة الأوقاف الاسلامية الشيخ ناجح بكيرات، لساعات، وسلّمهما، بعد ذلك، قرارات بالإبعاد عن المسجد الأقصى لمدة ثمانية أيام، قابلة للتجديد، في حين أكّد سلهب أنه لا عودة عن قرار فتح المصلى وترميمه، وبحسب كل من سلهب وبكيرات، فإنّ ساعات التحقيق معهما كلها تمحورت حول افتتاح المصلى، وبما ينمّ عن إرادة الاحتلال في العودة لإغلاقه.

 

وفي حين تتواصل الاتصالات بين الأردن و”إسرائيل” للوصول إلى تسوية بخصوص باب الرحمة، فإنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كان قد أصدر أوامره بإنفاذ قرار محكمة الاحتلال الصادر بشأن مصلى باب الرحمة التابع للمسجد الأقصى المبارك، وإعادة إغلاقه من جديد وإخلائه من محتوياته، ودون أي تسويات مع مجلس الأوقاف الإسلامية بالقدس، وهي الأوامر التي نقلها وزير الأمن الداخلي غلعاد أردان للشرطة الإسرائيلية، ولكن دون تحديد جدول زمني للشروع في تنفيذ هذه الأوامر، علمًا بأنّ محكمة إسرائيلية كانت قد أصدرت في العام 2017، قرارًا تؤيّد فيه قرار إغلاق الشرطة الإسرائيلية لمصلّى باب الرحمة.

وكانت قوات الاحتلال في سياق هذه المواجهة قد اعتقلت أكثر من 100 مقدسي من بينهم محافظ القدس عدنان غيث، والذي أفرجت عنه لاحقًا، ومن بينهم كذلك رائد دعنا، مدير الوعظ والإرشاد في المسجد الأقصى، وأول من أم المصلين في صلاتهم أمام مصلى باب الرحمة، كما أبعدت عن المسجد الأقصى أكثر من 120 مقدسيًّا.

والحال هذه، فإنّ الاحتلال، وفي سياق سعيه للعودة بباب الرحمة إلى ما قبل افتتاحه من المصلين رغمًا عنه، دفع ببعض قادته الأمنيين، وتحديدًا قائد شرطة القدس ومسؤول كبير في جهاز “الشاباك” لاقتحام باب الرحمة، كما أنّ اعتداءات المستوطنين لم تتوقف، إذ أقدم بعضهم على كتابة شعارات معادية للعرب والمسلمين على مدخل باب الرحمة من الجهة الخارجية الملاصق لسور المدينة الشرقي.

في إطار المواجهة، دار جدل، حول التوجه القانوني للمحاكم الإسرائيلية بخصوص قانونية إغلاق باب الرحمة، ولاسيما أنّ هذا الإغلاق مقرّ من محكمة إسرائيلية في آب/ أغسطس 2017، بيد أنّ طاقم المحامين الذي ترافع عن معتقلي باب الرحمة، بيّن أنّه يؤكد على موقف دائرة الأوقاف وشؤون المقدسات الإسلامية بالقدس بعدم ولاية القانون والقضاء الإسرائيلي في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى، إلا أنّ الطاقم بيّن، أن مرافعته كانت في الأساس عن عدد من المعتقلين الذي اتهموا بفتح باب الرحمة، مستندًا في مرافعته على كون قرار المحكمة في آب/ أغسطس 2017، غير قانوني وغير ساري المفعول، وأنّ القرار تعلق بـ “لجنة التراث” فقط، وأنّه غير ساري المفعول على المستوى الإجرائي الشكلي كون الأمر انتهى في أواخر العام 2017، وهي المرافعة التي أخذت بها محكمة الصلح الإسرائيلية، ثم المحكمة المركزية التي استأنفت لديها الشرطة الإسرائيلية.

المواقف والتصريحات

أصدرت الرئاسة الفلسطينية عدّة تصريحات بخصوص اعتداءات الاحتلال على المسجد الأقصى وباب الرحمة، محذرة من مساعي الاحتلال لتقسيم المسجد الأقصى زمانيًّا ومكانيًّا، قائلة إنها تقوم بالاتصالات اللازمة للضغط على الاحتلال لوقف اعتداءاته على المسجد الأقصى والمصلين فيه، مطالبة بالحفاظ على الوضع القائم منذ العام 1967.

الحدث في سياقاته

 

 

لم يكن إغلاق باب الرحمة منفصلاً عن الهجمة “الإسرائيلية” المتصاعدة على المسجد الأقصى عمومًا، ولكن زيادة وتيرتها في الآونة الأخيرة، تكشف عن مساعي محمومة لفرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى، في سياق الحركة السياسية الجارية، حيث يتصاعد الحديث عن إطلاق الإدارة الأمريكية لخطتها المشهورة إعلاميًّا بـ “صفقة القرن” والتي أخذت مفاعيل واقعية ضمن جملة خطوات تخصّ قضايا القدس واللاجئين وسوى ذلك، فقد زادت نسبة الاعتداءات على المسجد الأقصى في العام 2018 بنسبة 17٪ عن العام الذي قبله، وبلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد خلال العام 2018 أكثر من 29800 مستوطن2، بواقع 376 اقتحامًا، بالإضافة لإبعاد 176 شخصًا عنه طوال ذلك العام43.

ولم يخل شهر من العام 2018، من اقتحام لمنطقة باب الرحمة أو الاعتداء عليها44، كما أنّ النوايا الإسرائيلية تجاه باب الرحمة، لم تبدأ مع إغلاقه في العام 2003، ففي الخامس من كانون الثاني/ يناير 2001، اقترحت لجنة منبثقة عن مجلس الحاخامات الرئيسية في دولة الاحتلال إقامة كنيس داخل المسجد الأقصى المبارك، وجعلت من بين الأماكن المقترحة لهذا الكنيس، باب الرحمة، أو مبنى المحكمة، أو المدرسة العمرية، أو المصلى المرواني، وفي سياق محاولات فرض هذه الوقائع، أُطلقت النار على غرفة حراس المسجد الأقصى الموجودة قرب باب الرحمة أيار/ مايو 200145، هذا فضلاً عن الاعتداءات المستمرة على مقبرة الرحمة التي تلاصق السور الشرقي للمسجد الأقصى.

منذ ذلك التاريخ، ومنطقة باب الرحمة تتعرض للاقتحامات والاعتداءات المستمرة طوال السنوات الماضية، وقد استشعر الفلسطينيون، ولاسيما في السنوات الأخيرة، الأهداف الإسرائيلية الكامنة من الحرص الشديد في السيطرة على باب الرحمة، وتقنين إغلاقه، وتغطيته بستار قانوني، وجرّ الفلسطينيين إلى الملعب القانوني الإسرائيلي46، وفي مواجهة هذه المساعي الإسرائيلية، سبق للفلسطينيين أن حاولوا تخليص باب الرحمة من السيطرة الإسرائيلية، كما فعل بعض المعتكفين في المسجد الأقصى في العشر الأواخر في رمضان من العام 201847.

وبهذا يمكن القول إنّ الإجراء “الإسرائيلي” الأخير بخصوص باب الرحمة، يأتي في سياق عام متصل بالمسجد الأقصى يهدف لفرض التقسيم المكاني، بجانب الاعتداءات المتواصلة عليه، بهدف فرض التقسيم الزماني، والذي يتمثل حاليًّا في الاقتحامات اليومية المحميّة من الشرطة الإسرائيلية، وبالرغم من ذلك فإنّ الاقتحامات لم تصل بعد إلى غايتها من تطبيع التقسيم الزماني، أو من البلوغ به إلى درجة اقتسام الأوقات مع المسلمين، أو تخصيص المسجد الأقصى بالكامل لليهود في أيام أعيادهم، وهو ما يدفع الإسرائيليين لمحاولة فرض التقسيم المكاني48، أي اقتسام جزء من المسجد الأقصى وتحويله إلي كنيس يهودي، وقد سبقت الإشارة إلى أنّ باب الرحمة مقترح لهذا الغرض منذ العام 2001، وإصرار الاحتلال على السيطرة على هذه المنطقة دليل واضح على ذلك.

 

وفي المجريات الراهنة، يمكن ربط الإجراء “الإسرائيلي”، بالانتخابات “الإسرائيلية”، وتصاعد المزايدات بين أقطاب “اليمين الإسرائيلي”، ففي دعايته الانتخابية، أخذ وزير الأمن الداخلي غلعاد أردان، يعدد إنجازاته، والتي جعل في طليعتها إخراج الحركة الإسلامية عن القانون، وإخراج المرابطين والمرابطات من المسجد الأقصى، ومضاعفة أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى ثلاثة أضعاف، كما أن الأحزاب “اليمينية الإسرائيلية” تطالب نتنياهو بإغلاق باب الرحمة، جاعلة من الانتخابات القريبة القادمة ورقة ابتزاز بهذا الخصوص، وعلى أيّ حال فإنّ فرض الوقائع في المسجد الأقصى، قد يكون مطلبًا إسرائيليًّا لتثبيتها في خطة التسوية القادمة التي يقال إنّ الإدارة الأمريكية الحالية بصدد الإعلان عنها.

وتأتي قضية باب الرحمة، ضمن جملة من التعقيدات، فالقضية متصلة بالعلاقات الأردنية الإسرائيلية، ويبدو أنّه من الصعب على الأردن الرجوع بما أنجزه المقدسيون إلى الوراء، كما أنّ “إسرائيل” على أبواب انتخابات، فإذا كان نتنياهو بحاجة لأصوات “اليمين الإسرائيلي”، فإنّه في المقابل يخشى من احتمالية انفلات الأوضاع من بين يديه51، ولاسيما مع التحذيرات الأمنية من إمكانية اتساع الهبّة في القدس والضفة الغربية بالنظر إلى التوتر القائم أصلاً في الضفة، وإمكانية تصاعد احتجاجات الحركة الأسيرة.

وبينما ما تزال الحكومة “الإسرائيلية” تظهر إصرارًا على رغبتها في العودة لإغلاق باب الرحمة، وفي حين تتبادل الأوساط الأمنية “الإسرائيلية”، وكذلك الحزبية، الاتهامات بخصوص الإخفاق في منع الفلسطينيين من إعادة افتتاح المصلى في الباب، فإنّ الاحتمالية قائمة لتجدد الهبّة واتساعها، في حال أقدم الاحتلال مجدّدًا على إغلاق باب الرحمة، وذلك بعدما أظهرت قضية الباب إجماعًا فلسطينيًّا عليها، ورفعت من معنويات الفلسطينيين الذين تمكّنوا للمرة الثانية في غضون أقل من عامين على كسر القرارات الإسرائيلية المتعلقة بالمسجد الأقصى، ولاسيما في ظل انغلاق سياسي، وانقسام مستمر يبدد جهد الفلسطينيين.

عن علي محمد

مدير التحرير