الأحد , 15 ديسمبر 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 الأم.. وطن وأمة
الأم.. وطن وأمة

الأم.. وطن وأمة

أحمد علي هلال

أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً.. فبكت دمعتين ووردة

هي الأم قبلة الضوء ومهوى جهات الأرض، وكلمة سر الأبجدية، وعندها تأتلف القلوب لتمتح من رمزيتها الباذخة معنى الوجود.

في البدء كانت الأم الأرض التي ضرجت الشموس ترابها فأورقت ربيعاً أبدياً ظل في الذاكرة خفق الأرض ودروبها وشرايينها، صارت الأم وطناً على اتساع الحياة وما بعد الحياة، أنموذجاً في العطاء بلا حدود، والتفاني بل التضحية منذ أن وجدت أم الشهيد وبنت الشهيد وأخت الشهيد في ذلك التعدد الذي جعل منها أيقونة الأيقونات، تلك التي لا تُختزل بكلمة أو صورة، لأنها بحجم أمة، بحجم تاريخ يُكتب كل لحظة وكل دقيقة، يُكتب بخفقات القلوب ونشيد الرؤى ومهج العيون.

يا أمنا الأرض كم انتبهت إليك الجهات والحواس والكلمات واللغات، لينتبه التاريخ في دورته إلى وعد بالجمال والجمال مقاومة، جمال الافتداء ومآثره التي لا تنتهي.

يا أمنا الأرض… كم ذهبنا عميقاً في تضاعيفك لكأننا نعود إلى ذلك الرحم الذي ما اعتاد إلا أن يكون نوراً يضيء قلب العالم، في ربيع يتجدد ليشي بضوعه، ويبث شذاه وعطره على الكلمات.

يا لفجرها… كيف تحمله آلاف النهارات وآلاف الشموس المشرقة، لتذهب إلى كل الحيوات التي تبدأ ولا تنتهي، وينكتب بها سر التاريخ الذي استوى على قمم الشهب كلها، لعله استحضار لا يذهب إلى لحظة بعينها بقدر ما يفتح في أفق الإنسانية غير منفذ للنور، ومن النور اشتقت قصيدة الأرض، فالأرض أم، ومن الأرض اشتقت قصيدة الشهيدة، والشهيدة وطن، وأم الشهداء الكبرى -أرضنا- لكن أمهات الشهداء الوارفات في صباحات ربيعنا، أصبحن الآن كشعلة الأولمب يحملن النور من زمن إلى زمن، ومن تاريخ إلى تاريخ، فكم تمجد التاريخ بأسمائهن الأبهى، كذلك قالت فلسطين.. كم ضممتكم يا أبنائي أحياء وشهداء وشهود، تعبرون خط الأفق إلى مجد يليق بكم، ولا ينتهي إذ لا تكف الأرض عن الدوران، ففي ربيع المنتظر تكون صوركم هي امتداد الشموس، وتكون أسماؤكم كل الأسماء، التي تتجدد معها الصباحات لتصوغ ربيعاً أبدياً يليق بالذاكرة المشتهاة.

يا أمنا الأرض… كم أنجبت من نهارات تليق بنا وحملنا أرواحنا إليك، لتظلي هنا أو هناك كأجمل الحقائق، بل كل الحقائق التي تظل أبد الدهر تولم للأحياء بأن يكونوا، أو يكونوا، نشيدك وصوتك الصارخ في البرية، فطريق جلجلتك من حمل خُطانا إلى مسرى النور ومعراج المجد… وعند أم الشهيد ينحني التاريخ ليعيد دورته، وتشرع اللغات أبوابها لتخّصب الرؤى بمداد قدسي لا ينفد، كأثر العطر الذي تحمله الريح وتطوف به كل الجهات لتعلن قيامة الحياة، ثقافة الحياة، ثقافة الأرواح الطالعة من أتون الجمر والتوق والانعتاق، لخلاص أرضنا من نير الغزاة الطارئون العابرون.

أما أنت يا أم الشهيد ويا أخت الشهيد ويا بنت الشهيد، أمهاتنا العاليات، فكم يليق بكنَّ النشيد، بل أنتن النشيد الذي نتقرى نوره كل مطلع نهار، وكلما مس الورق حرف بهي، هو ربيع القلوب وفرح المعنى، فكم يرسم هذا المعنى ابتسامات النهار الباقي أبداً في الذاكرة كما مآثر الشهيدات والشهداء.

عن علي محمد

مدير التحرير