السبت , 24 أغسطس 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 الموقف الحركي 10 المشهد الفلسطيني.. 2018
المشهد الفلسطيني.. 2018

المشهد الفلسطيني.. 2018

بقلم: ياسر المصري مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح – العدد725 )

مع نهاية عام وبداية عام جديد، لا بد من التوقف عند حصاد العام الماضي، وهذه مسألة طبيعية يمارسها الأشخاص، والمؤسسات تراجع انتاجها وآلية عملها، موضع خطط جديدة، وكذلك الشركات تقوم بجردة حساب لتقييم خسائرها وأرباحها، وذلك من الضروري اسقاطه على العمل السياسي وساحتنا الفلسطينية بحاجة ماسة لمعرفة أين أصبح مشروعنا الوطني، وما الذي أنجزناه أو أخفقنا به، وما هي المكاسب التي حققناها في مشوارنا الوطني أو ما هي الخيبات التي وقعنا بها، وهل يمكن تدارك ذلك؟! طبعاً مع الفارقين الكبيرين، بين المشاريع المادية الخاصة ومسيرتنا النضالية التي قدم فيها شعبنا الفلسطيني خلالها شلالات من الدماء والتضحيات، هي أسمى بكثير من كل النزعات المادية.

فالعام الماضي حمل إلينا انجازات مهمة على الصعيد الوطني، وإن كانت متواضعة في حجمها، لكنها في الراهن السياسي وواقعه الرديء، تعتبر مهمة جداً، وخاصة لجهة مسيرات العودة التي انطلقت في أواخر شهر آذار بمناسبة يوم الأرض، ومازالت مستمرة، إضافة إلى تنامي العمليات الفدائية في الضفة الغربية، والتي أربكت الكيان الصهيوني وأجهزته الأمنية، إضافة إلى مشاركة أبناء شعبنا الفلسطيني في أراضي الـ 48 بالعديد من الفعاليات الوطنية، ووصلاً إلى القيام ببعض العمليات الفدائية.

وفي هذا الإطار فإن الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال العام الماضي، كانت لها تأثيرات واضحة على المشهد الفلسطيني وخاصة لجهة صفقة القرن، وفتح بوابة التطبيع على مصراعيها مع الكيان الصهيوني وخاصة دول الخليج العربي، التي تناوبت على الزيارات المتبادلة، واستقبال الوفود بأنواعها، خدمة للمشروع الأميركي الصهيوني الذي يعتبر «مفتاح السلام في المنطقة» هو التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، لذلك شهدنا استقبال وفود رياضية، وعلمية، ورسمية إلى العديد من دول الخليج في الإمارات وقطر والبحرين والسعودية وعُمان، ناهيك عن تصريحات البعض حول حق «إسرائيل» في الدفاع عن نفسها، وأن يكون لها «أرض ودولة»، وغيرها من التصريحات الأخرى، إضافة إلى محاولات حرف بوصلة الصراع مع الكيان الصهيوني في العديد من الدول العربية، وفي المقدمة منها سورية واليمن والعراق ولبنان.

وبعد أن عمل البعض على تغييب القضية الفلسطينية وتهميشها، وفرض صفقة القرن على أرض الواقع، جاء الرد الشعبي الفلسطيني على كل ذلك من خلال مسيرات العودة في قطاع غزة، والتي تجاوزت الأربعين أسبوعاً، إضافة إلى مسيرات العودة البحرية الأسبوعية أيضاً، والتي اشتد أوارها بعد القرار الأميركي بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس بتاريخ 14/ أيار، واتساع المشاركة الجماهيرية والسياسية، قدم شعبنا الفلسطيني من خلالها ما يقارب ثلاثمائة وخمسون شهيداً وأكثر من 24 ألف جريح فلسطيني منهم ما يقارب أربعة وخمسون طفلاً فلسطينياً، وحاول الجيش الصهيوني كسر إرادة الشعب الفلسطيني في هذه المسيرات من خلال استهداف الشباب الفلسطيني بالطائرات والرصاص الحي، واستخدام الرشاشات والمدافع في ذلك، لكن الشعب الفلسطيني كان رده بالصمود وتطوير أداته من خلال ابتكارات جديدة من الأسلحة مثل (الدواليب الكاوتشوكية، والبالونات الحارقة، والطائرات الورقية) التي أربكت المستوطنات المحيطة بغلاف غزة، انعكست بشكل واضح على الكيان الصهيوني وأدت إلى تخبط سياسي وعسكري في كيفية التعامل مع تلك الهبة الجماهيرية.

وحاول الكيان الصهيوني في الأسابيع الأخيرة البحث عن انتصار في قطاع غزة، من خلال إرسال خلية أمنية صهيونية إلى خان يونس من أجل القيام بعمليات اغتيال، واختطاف، وتحرير أسرى، لكن نتنياهو فشل فشلاً ذريعاً في ذلك، من خلال احباط المقاومة لتلك العملية أربكت الكيان الصهيوني، الذي حاول التصعيد في غزة لكنه جوبه برد من المقاومة عنيف من خلال الصواريخ العديدة التي سقطت على المستوطنات، إضافة إلى استخدام صواريخ الكورنيت، كل ذلك أجبر الكيان على إعادة الحسابات وتوقفه عن القيام بأي عمل عسكري.

هذا الحراك الجماهيري في القطاع، كان له صدى واضح في الضفة الغربية، وخاصة لجهة تنامي العمليات الفدائية (دهس، سكاكين وطعن، وهجوم مسلح)، حيث وصلت تلك العمليات إلى ما يقارب خمسمائة عملية، بدأت بعملية للشهيد أحمد نصر جرار بتاريخ 6/2/2018، قتل من خلالها حاخام صهيوني كبيرة، إضافة إلى عملية توبر قرب رام في 26/7/2018، وقتل شرطي صهيوني في 18/3/2018، وعملية الشهيد أشرف نعالوة في 7/10/2018، إضافة إلى عمليات عديدة، سطرها أبطال شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية.

برغم التنسيق الأمني اليومي والمكثف مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، استطاع العديد من الأبطال التخفي والاختباء في قرى الضفة الغربية، حيث استطاع الشهيد أشرف نعالوة الاختباء مدة 66 يوماً، وهذا دليل على وجود حاضنة جماهيرية مقاومة للعمل الفدائي بين صفوف أبناء شعبنا الفلسطيني.

وعلى صعيد الكيان الصهيوني، فقد عاش حالة قلق وخوف من تنامي العمليات الفدائية، واعترف بها وزير الأركان الصهيوني السابق «ايزنكوت» الذي قال في كلمة ألقاها بتاريخ 23/12، «أنا مقر بالواقع بأن الجيش لم ينجح بتوفير الشعور بالأمان في الثلاث سنوات الماضية مع قطاع غزة، وأن الدعوات لاتخاذ خطوات قاسية في الضفة الغربية لا تخدم مهمة الجيش الإسرائيلي في توفير الأمن هناك»، كما حذر أيضاً بتاريخ 20/9 من تصاعد احتمالات اندلاع أعمال عنف في الضفة الغربية، إضافة إلى العديد من التصريحات لمسؤولين أمنيين في قيادة الجيش الصهيوني  في ذات السياق، حيث كانوا يعتمدون سابقاً على أجهزة الأمن الفلسطينية في كشف تلك العمليات وإحباطها، ولكن نتيجة فشلها في الآونة الأخيرة، اضطر الجيش الصهيوني الدخول إلى معظم مدن وقرى الضفة الغربية لاعتقال العديد من أنباء شعبنا الفلسطيني.

وفي هذا السياق كان من المفترض فلسطينياً وخاصة من قبل ما يسمى «السلطة الفلسطينية» العمل على التماسك الفلسطيني، وإعادة تقييم خطواتها السياسية التي أدت إلى تراجع المشروع الوطني، وسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني، وإلغاء اتفاقات أوسلو الكارثية، ووقف التنسيق الأمني مع العدو، لكن تلك السلطة تغولت أكثر في قمع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وعملت على قمع المظاهرات الفلسطينية واعتقال وتعذيب العديد من أبناء شعبنا الفلسطيني، وزادت من حصارها على قطاع غزة، وحلت المجلس التشريعي المنحل منذ أكثر من ثماني سنوات، مجالس وطنية ومركزية بغاياب معظم القوى الفلسطينية، وكل ذلك امعاناً بالدور الممزق للشعب الفلسطيني على حساب تضحيات أبناءه.

أن ما جرى في المنطقة العربية مؤخراً، وخاصة على صعيد صمود محور المقاومة الذي أُستهدف من كافة دول المنطقة، وتحقيق الانتصارات الكبيرة في سورية ولبنان والعراق واليمن، انعكس ايجاباً على شعبنا الفلسطيني الذي طور من أداء مقاومته، وأعاد فلسطين إلى واجهة الأحداث والاهتمام السياسي الإعلامي، برغم خطورة صفقة القرن التي تعمل  الإدارة الأميركية على تمريرها، ولكن الشعب الفلسطيني بفضل تضحيات أبناءه العزيمة استطاع أن يُفشل تلك الصفقة، وما قام به في العام الماضي من فعل مقاوم سوف يراكم عليه خلال السنوات القادمة حتى يتم دحر الاحتلال الصهيوني وتحقيق العودة إلى فلسطين… كل فلسطين.

عن علي محمد

مدير التحرير