الثلاثاء , 19 مارس 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 في يوم الشهيد الفلسطيني هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في يوم الشهيد الفلسطيني هذا هو العرس الذي لا ينتهي

في يوم الشهيد الفلسطيني هذا هو العرس الذي لا ينتهي

موسى مراغة

( مجلة فتح – العدد725 )

قدّم الشعب الفلسطيني وعلى مدار سنوات نضاله الكثير من الشهداء، الذين روّوا بدمائهم الزكية أرض فلسطين، فمنذ الانتداب البريطاني الذي غزا فلسطين في بداية القرن الماضي وإلى يومنا هذا، لم تتوقف قوافل الشهداء جيلاً بعد جيل إيماناً من الشعب أن الشهادة والتضحية هي طريق النصر والتحرير والعودة.

وكان للشهيد المكانة والرمزية الكبيرة في قلوب الناس وشكل مثلاً يحتذى في التضحية والفداء، وهو الذي ضحى بأعز ما يملك وهي وروحه ودمه في سبيل الوطن.

وشكل الشهيد في الذاكرة الفلسطينية مشهداً مهيباً، فلم تكن الشهادة محض موت، بل كانت حياة جديدة يهبها الله للشهيد، وأصبحت مواكب تشييع الشهداء بمثابة عرس فلسطيني له طابعة الروحاني الخاص، وفي موكب التشييع تعلو الزغاريد، وينثر الأرز والرياحين وتعلو أصوات الناس مرددين بالسير على طريقه.

ولا يزال الشهيد مصدر الهام حقيقي للشعراء والزجالين وأصحاب الأغنية. ولم تبرح سيرته العطرة خاطرهم في أي وقت من الزمان، وعلى اختلاف المواقع النضالية التي امتدت على مساحة واسعة من الأرض العربية من فلسطين إلى لبنان وسورية.

ولا يخلو بيت فلسطيني من شهيد أو أكثر، وهذا كان مصدر اعتزاز، وقد انبرى الكثير من الشعراء وأصحاب الكلمة والقلم في ذكر وتمجيد الشهادة والشهيد، ورسموا عبر كلماتهم وأشعارهم صور الشهيد الذي انطلق إلى ساحات الوغى، وصوروا ردود الأفعال لدى الأهل والأقارب الذين استقبلوا نبأ شهادة ابنهم بكل عز وفخار.

وفي هذا المقام لابد لنا من ذكر قصيدة الثلاثاء الحمراء التي كانت من بدايات الأغاني التي تتحدث عن الشهداء. فقد صور الشاعر الشعبي نوح إبراهيم شهداء ثورة البراق في أيام الانتداب البريطاني وهم «عطا الزير_ محمد جمجوم_ فؤاد حجازي» وكيف تسابقوا إلى منصة الإعدام، وكل يريد أن يسبق لنيل شرف الشهادة، وتقول بعض أبيات تلك القصيدة التي غدت أغنية مشهورة ذات شجن كبير على يدي الملحن الفلسطيني حسين نازك والتي تزخر بالعنفوان والمقاومة والتحدي.

كانوا ثلاثه رجال/ تسابقوا ع الموت/ أقدامهم عليت فوق رقبة الجلاد/ وصاروا مثل يا خال بطول وعرض البلاد. ويقول محمد أنا أولكم/ خوفي يا عطا اشرب حسرتكم/ ويقول حجازي أنا أولكم / ما نهاب  الردى ولا المنونا.

ومع أن لحن هذه الأغنية جاء حزيناً، إلا أنه يختمر في داخله معاني البطولة والتضحية والفداء.

وتعد قصيدة الشاعر الكبير إبراهيم طوقان «سأحمل روحي على راحتي» من أشهر وأبلغ ما قيل في الشهيد، وقد أجاد طوقان وهو يتكلم باسم الشهيد الذي أعد العدة للشهادة غير أبه بالأهوال التي ستلاقيه. فهو يعلم أنه ماض إلى حياة الخلود.

تقول بعض أبيات قصيدة طوقان، والتي غنيت ولحنت لأكثر من صوت عربي  ذلك اللحن الذي يبدأ متصاعداً يحمل نبرة التحدي والأقدام ومشهد المقاتل السائر إلى ساحة القتال.

سأحمل روحي على راحتي/ والقي بها في مهاوي الردى/ فإما حياة تسر الصديق/ وإما ممات يغيظ العدى/ ونفس الشريف لها غايتان ورود المنايا ونيل المنى/ أرى مصرعي دون حقي السليب/ ولكن احث إليه الخطى.

ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في الفاتح من كانون الثاني عام 1965، عندما حمل الشعب الفلسطيني السلاح متخذاً من الثورة المسلحة طريقاً للنضال والكفاح لبلوغ النصر وانطلقت العمليات الفدائية باتجاه الأرض المحتلة، وخاض الفدائي الفلسطيني مواجهات حامية مع جنود العدو المحتلين على أرض الكرامة وفي جنوب لبنان،¬_ وسطر الشهداء الذي ضحوا بدمائهم وبذلوا أرواحهم رخيصة في ميادين المواجهة والجهاد.وهاهي الجموع تستقبل عودة الشهيد بهذه الأهزوجة.

جابوا الشهيد جابوه _ جابوا العريس جابوه _ بعلم الثورة جابوه_ يا فرحة أمه وأبوه_ أنا أمه يا فرحة أمه _ في عرسه في ليلة دمه_ يا تراب الحرية ضموا.

في هذه الأغنية تعلو الزغاريد في جو يشوبه الحزن، ولكن الكلمات تؤكد أن الشهادة لم تفت في عضد أخوته ورفاقه، فهم سائرون على دربه ليكملوا المشوار، ويرسل الشهيد الذي نال شرف الشهادة في المعركة، رسالة كلها فخر واعتزاز بالعمل الذي قام به، فهو لم يجبن ولم يولى الأدبار حينما حمي وطيس المعركة، وظل سائراً يركب الأهوال إيماناً منه بان النصر سيكون باستشهاده.

ففي نشيد عهد الشهيد يقول: أنا يا أخي فوق التراب سقطت احتضن السلاح/ وأقبل الأرض الحبيبة بالشفاه وبالجراح/ قبلات حر ظامئ للمجد يصنعه السلاح، فامدد يدك وضمني، وامضي على درب الكفاح.

وفي نشيد أخر زاخر بالعنفوان والتحدي، فها هو الشهيد لا يأبه لاستشهاده ما دامت هذه الشهادة هي الشعلة التي تضيء الطريق لأخوته من بعده، وهو ينادي عليهم بأن يكملوا المسيرة لترتاح روحه عند بارئها، ونسمع كلماته تقول:

أنا أن سقطت على التراب وغالني ناب الردى / وتعفر الهام الأبي وداس جثماني العدى/ أنا سوف اصرخ في القلوب فتسمعون هنا الصدى/ هو صوت ثأري في دماء المخلصين توقدا.

ومع امتداد مسيرة الثورة المسلحة، غدت مواكب تشييع الشهداء أعراساً لا تنتهي، وتتحول إلى مناسبات وطنية تتقبل فيها التهاني والتبريكات بالشهداء.

ومن جديد يتصدى الملحن المبدّع حسين نازك لكلمات الشاعر محمود درويش في قصيدته «عاشق من فلسطين»، ويجعل من ذلك اللحن أهزوجة فرح تغنى في مواكب تشييع الشهداء تقول بعض أبيات تلك القصيدة: هذا هو العرس الذي لا ينتهي/ في ساحة لا تنهي/ في ليلة لا تنهي/ هذا هو العرس الفلسطيني/ لا يصل الحبيب إلى الحبيب/ إلا شهيداً أو شريد/ أتراك يا وطني لأن صدورهم مأوى عصافير الجليل وماء وجه المجدلية.

بلا شك فان أغاني الشهداء تعتمر في القلوب، وما أكثرها ولن نستطيع أن نحصيها. ولكن في هذه العجالة، لن ننس النداء الذي يشد من عزم أم الشهيد، وهاهم أخوته ورفاقه يجعلون من أنفسهم سنداً ودعماً لأهله جراء الغياب الذي حصل، وتبقى من أجمل الألحان والكلمات زغرودة الأم في وداع أبنها الشهيد : يا أم الشهيد و زغردي_ كل الشباب أولادك/ حي الله الأخت الثائرة / حي الأم الصابرة.

وها وهو العرس الفلسطيني بالشهيد مستمر ودائم، وها هم الشهداء لا زالوا يعتلون منصة الشهادة، الواحد تلو  الأخر _ وهاهي أم الشهيد بزغاريدها تودع  العريس الذي يزف في يوم عرسه: زغردي يا أم الشهيد وزغردي / انثري منديل عرسه والغضب/ زغردي يا أم الجدايل زغردي/ زيني فخر الأصايل بالودع/ وازرعي الحنة على الصدر الندى/ ونادي بعالي الصوت اووف ياعرب.

عن علي محمد

مدير التحرير