الخميس , 17 يناير 2019
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 المثقف الثوري وأفق الدلالة المفتوحة
المثقف الثوري وأفق الدلالة المفتوحة

المثقف الثوري وأفق الدلالة المفتوحة

أحمد علي هلال

في المشهد الصراعي والكفاحي، تستحق الكثير من التوصيفات، بل الاصطلاحات التي تعكس ضرورتها التاريخية الوقوف عندها تحليلاً، بغية الذهاب إلى سياقها التاريخي المديد، لأنها ضرورة أكثر منها حاجة، يمليها استحقاق الواقع واللحظة التاريخية، لأنها في المعنى الشامل صيرورة كفاحية تمتد عبر الأزمان والأمكنة، بل تخترق أزمنتها لتصل اللحظة المعاصرة بالماضي التليد ومنها على الأقل ما نتداوله في أدبياتنا الراهنة من مفهوم المثقف الثوري إلى المثقف المشتبك، لأن هذا المفهوم  المستمر وبأشكال مختلفة هو صورة لجوهر واحد، وماهية واحدة، هي روح الكفاح المتجددة عبر رموزها وحواملهم الكفاحية، وكيف تواتر تأسيس هذا المفهوم في الوعي الفلسطيني الجمعي، كما الذاكرة الجمعية الفلسطينية، التي سنجد ما يصاديها في المدونة الإبداعية الفلسطينية على سبيل المثال، ومنها ما خطه الشعر على ألسنة الشعراء المقاومون من أمثال عبد الرحيم محمود، وإبراهيم طوقان، وأبو سلمى (عبد الكريم الكرمي) أولئك الذين أسسوا وبجدارة لهذا المفهوم ليأخذ بالاتساع والامتلاء لتأتي كوكبة أخرى في -سياق هذه الصيرورة- مثلّها الأدباء المقاومون من أمثال ماجد أبو شرار، وغسان كنفاني، وفيما دونوه في الذاكرة الوطنية الفلسطينية، التي انفتحت على أمداء إبداعية عبر الرواية والقصة وغيرها من الأجناس الأدبية، إذ إن مفهوم المثقف هنا أصبح أكثر من واقع هو رؤيا اشتق له المثقف الفلسطيني ما يحايثه من متون إبداعية، سوف تجهر بعلامات إبداعية من شأنها أن تعمق ذلك التأسيس وتفتح له غير أفق في الوجدان الفلسطيني يصل إلى لحظتنا المعاصرة عبر العديد من  الخطابات الروائية القصصية/ الثقافية في بعدها الآخر، هذا إذا تذكرنا عشرات الروايات التي لم تكن إلا تجليات لصورة المثقف الفلسطيني المقاوم، والذي جعل من الكلمة على ألسنة أبطاله قوة مثال، بل طلقة وعي كانت إلى جانب مآثر الفدائيين في جولاتهم الصراعية والكفاحية مع العدو الصهيوني، وما يميز تلك المراحل وهي خصبة، هو ذلك التأسيس النوعي لمفهوم المثقف/ الفدائي، أي بتلازم البعد الفكري والسلوك الثوري، ولعل هذه الجدلية التي امتدت في الوعي الفلسطيني المعاصر، قد أنتجت غير مفهوم واصطلاح، ارتقى بالواقع الكفاحي وقرّبه من استحقاق الواقع، وجدلية الفهم الثوري لمتغيرات هذا الواقع، تلك المتغيرات التي انعكست على الوعي لئن يكون صورة شعب ورمزية لنضاله عبر العقود الطويلة، ومن هذه الماهية كان تعبير المثقف المشتبك في الأزمنة الكفاحية الراهنة، والذي كان له أمثولته من أمثال الشهيد باسل الأعرج ورفاقه المشتبكون، وبالمعنى الصراعي المفتوح، ما يجعلنا نعود إلى أن مكونات انطلاقة حركتنا فتح الانتفاضة، وعبر تلك العقود تراكمت في نسيج وعي الفلسطيني المقاوم لينتزع جسارته وجدارته بالحياة، ليكتمل مفهوم الرسالة بين الأجيال، تلك الرسالة  العابرة إلى أزمنتها الجديدة، بعنواناتها الأكثر حضوراً في الوجدان، والأكثر التصاقاً به، ما يعني في جدلية التأسيس والمبادرة جدلية انتصار على الغزوة الصهيونية ومرتكزاتها، انطلاقاً من تأصيل الوعي وتجذير الأهداف، هذا الوعي المعرفي بحقائق الصراع، والذي أثمر رؤيا المثقف حينما يكون في الميدان، مترجماً معطيات فكره ووعيه ومعرفته لتصبح استحقاقات الصراع هي استحقاقات المستقبل الذي نحسب أن أولئك قد أتوا منه ولم يذهبوا إليه فقط، وهذا يعيدنا إلى القول: إن الدلالة المفتوحة لمفهوم  المثقف الثوري، وفي صيغة أخرى المثقف المشتبك، ستبدو على أرض الواقع بذروة تجليها، استحقاق الجدارة لشعب مازال يواصل كفاحه بأشكال مختلفة، ويعبّر عن ماهيته الوطنية بصور باذخة، من شأنها أن تطور كل مفهوم إجرائي يغذي حقيقة الوعي النضالي، مضافاً إليه الوعي المعرفي، وبهذا المعنى إن شرف التأسيس سيكتمل بما يُنجز اليوم على أرض فلسطين التاريخية، أم البدايات وأم النهايات.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد