الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون عربية 10 اغتيال الخاشقجي .. وابتزاز البقرة السعودية الحلوب
اغتيال الخاشقجي .. وابتزاز البقرة السعودية الحلوب

اغتيال الخاشقجي .. وابتزاز البقرة السعودية الحلوب

أكدت جميع المعطيات أن هناك جريمة على طريقة داعش جرى تنفيذها بحق خاشقجي وكانت القنصلية السعودية في إسطنبول مسرح الأحداث ومن بطولة 15 عشر رجلاً سعودياً شكلت عصابة الاغتيال بحضور القنصل السعودي شخصياً.

وأكد موقع «ميدل إيست آي»، أن الكاتب الصحافي جمال خاشقجي سُحب من مكتب القنصل السعودي العام في إسطنبول، محمد العتيبي، ليقتله رجلان قدما خصيصاً من الرياض ضمن فرقة اغتيال سعودية مكوّنة من 15 شخصاً، وبعد ذلك بطريقة وحشية، ومن ثم قطعا جثته بمساعدة مدير الطب الشرعي في الإدارة العامة للأدلة الجنائية، التابعة للأمن العام، صلاح محمد الطبيقي.

خلافات كبيرة تعصف بآل سعود

يبدو للكثيرين أن النظام السعودي «قوي ومتماسك»، لكن وقائع الأمور تدل على أن هناك خلافات مريرة ضمن العائلة المالكة في إطار الصراع على الحكم، تماثلها معارضات سياسية وشعبية في مناطق عدة من المملكة وخاصة في المناطق الشرقية والجنوبية.

وعلى خلاف ما كان متوقعاً فقد شهدت المملكة سابقاً محاولات اغتيالات سياسية عديدة منها ما نجح ومنها ما فشل، ولعل أبرز حادث اغتيال هو اغتيال الملك فيصل على يد ابن أخيه فيصل بن مساعد والذي اعتبر أشهر اغتيال في تاريخ المملكة.

كما  منع  النظام السعوديفي وقت سابق الأمير مساعد بن عبد العزيز ـ أبو فيصل وخالد ـ من النشاطات السياسية ومن تقلده أي مناصب في الدولة بدعوى اضطراب عقله، والمعروف عن مساعد أنه كان ضد انتقال الحكم إلى الملك فيصل بعد الانقلاب الأبيض الذي قاده على أخيه الأكبر والملك سعود بن عبد العزيز عام 1962.

وفي سلسلة الاغتيالات تم اغتيال وزير الدفاع والطيران منصور بن عبد العزيز بطريقة غامضة، ورغم صغر سنه مقارنة بأخويه سعود وفيصل وحتى خالد وفهد إلاّ أن اعتماد أبيه عبد العزيز عليه ربما كان يفوقهم جميعاً، حيث كان وزيراً للدفاع والطيران معاً وقد شارك مع والده في بعض المعارك، كما وضع الخطط الأولى لتكوين وتطوير الجيش السعودي، الأمر الذي دعا بعض المحللين السياسيين للقول إنه كان أحد أقوى المرشحين لخلافة والده عبد العزيز رغم ترتيبه المتأخر عمرياً عن إخوته بسبب موقعه كوزير دفاع قوي وصلاته المتينة مع البريطانيين والأمريكيين لكونه وزيراً للدفاع وهو لم يتجاوز الثلاثين من العمر.

و تضاربت الروايات حول مقتله، فبينما أشارت إحداها إلى أنه توفي متسمّماً بالكحول بعد حفلة استضافها حاكم الرياض الأمير ناصر أحد أكبر إخوته، قالت أخرى: إنه توفي في رحلته إلى باريس مع أخويه الكبيرين فيصل وخالد، حيث وقع مغشياً عليه بعد وصول الطائرة إلى باريس، لكن العديد من المحللين السياسيين لا يقبلون مثل ذلك ويرون أن إخوته اغتالوه باعتباره المرشح الأقوى كولي عهد بدلاً منهم.

كما تعرض محمد بن نايف بن عبد العزيز بدوره إلى أربع محاولات اغتيال فاشلة كان آخرها عام 2009 وهو الذي كان نائباً لوزير الداخلية آنذاك وحدثت تلك المحاولة في منزله بجدة عندما كان يستقبل ضيوفه، وقد طلب أحد المواطنين لقاءه فسمح له، وعندما دخل تعثر ثم داس على زر بهاتف جواله فتناثرت أشلاؤه.

و هذه المحاولة لم تكن الأخيرة في سلسلة الاغتيالات داخل العائلة المالكة والتي غالباً ما تنتهي بالموت عن طريق السم أو بطرق طبية أخرى، وهذا ما حدث مع الملك خالد وسواه الذين لم تعلن أسماؤهم، ولعل تحطم طائرة منصور بن مقرن مؤخراً يأتي في هذا السياق، فالأسرة السعودية غامضة في تعاملاتها وتصفيات بعضها.

ناصر السعيد أشهر المعارضين السعوديين

لم تشمل الاغتيالات الأسرة الحاكمة وحدها بل شملت رموز المعارضة في السعودية ومنها قتل المعارض السعودي البارز ناصر السعيد الذي كان أبرز وأشهر وأول معارض لنظام بني سعود منذ تأسيس المملكة.

*ويُعتبر ناصر السعيد أول معارض لنظام الحكم في السعودية منذ نشوئها عام 1932 ، وولد في مدينة حائل شمال وسط الجزيرة العربية عام 1923   أي بعد سقوط حائل بيد عبد العزيز آل سعود بعام عرفته السعودية في تاريخها، له كتاب بعنوان «تاريخ آل سعود » الذي يفضح فيه أصل هذه العائلة الحاكمة وعمالتها لبريطانيا وتالياً للولايات المتحدة الأمريكية، وممارسات أمرائها في قهر أهل الجزيرة العربية !!.

* انتقل إلى الظهران عام 1947 للعمل في استخراج النفط  وتكريره مع شركة ارامكو وعاش مع بقيه العمال السعوديين ظروفاً معيشية صعبة فقاد مع زملاءه هناك سلسلة من الإضرابات للمطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية والسكنية ورضخت الشركة لممطالبهم. وفي عام 1953 قاد ناصر انتفاضة العمال للمطالبة بدعم فلسطين وتم اعتقاله وارسل إلى سجن العبيد في الإحساء وافرج عنه لاحقاً وحكم عليه بالإقامة الجبرية في مدينة حائل، وبعد وفاة الملك عبدالعزيز اقيم حفل استقبال للمك الجديد (سعود) في مدينة حائل القى فيه ناصر السعيد خطاباً طالب فيه بإعلان دستور للبلاد وبإصلاح وتنظيم الموارد المالية للدولة وحماية الحقوق السياسية وحقوق حرية التعبير للمواطنين وحقوق الشيعة، وفي عام 1956 غادر من حائل إلى مصر بعدما وصلته معلومة عن صدور أمر بالقبض عليه وإعدامه.

* اشرف ناصر السعيد على برامج إذاعية معارضة للحكم السعودي  في إذاعة صوت العرب في مصر ثم انتقل إلى اليمن الجنوبي عام 1963 وانشأ مكتب للمعارضة هناك. انتقل بعدها إلى دمشق ثم إلى بيروت التي اختطف فيها في 17 ديسمبر 1979 لصالح الدولة السعودية.

مقتل الخاشقجي .. الحصول على حصة أكبر من الثور السعودي المذبوح

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ما الجديد في قضية خاشقجي؟ كي تنتفض في سبيلها جميع وسائل الإعلام العربية والغربية، وجميع المدافعين عن حقوق الإنسان، ولتحظى بهذا الكم الكبير من تصريحات المسؤولين الغربيين وتهديداتهم ووعيدهم والتلويح بفرض عقوبات اقتصادية، وكأنهم اكتشفوا فجأة السلوك الإجرامي وغياب الحريات والاستبداد الذي يمارسه آل سعود بحق شعوبهم وشعوب المنطقة، وهم أنفسهم كانوا في مقدمة المشيدين والمعوّمين للعهد السعودي الجديد بقيادة محمد بن سلمان.

الجدير بالذكر أن خاشقجي حتى أيامه الأخيرة، لمن يكن منشقّاً ولا معارضاً بالمعنى الحقيقي، كما أنه لم يعلن أي موقف ضد العائلة المالكة، لكن بالرغم من ذلك يحلو للإعلام الغربي اليوم أن ينعته بـ «بالمعارض العريق»، فهنالك من يريد أن يصنع منه رمزاً للحرية والديمقراطية، متناسياً أن خاشقجي كان ممن حملوا السلاح مع أسامة بن لادن، وعمل مع عبدالله عزام في باكستان، كما أن كتاباته لم تخلُ من التحريض الطائفي والدعوة للتطرف خاصة في القضية السورية، وهو الذي وصف قطع رؤوس جنود سوريّين من قبل داعش بأنه “تكتيك عسكري نفسي فعّال، كما احتفى بالتفجيرات الإرهابية التي حصلت في الضاحية الجنوبية في بيروت، وكان متساوقاً إلى حدّ كبير مع السياسات السعودية، وصوتاً إعلامياً في الدفاع عنها.

إذن لماذا انقلب هؤلاء فجأة على السعودية، ولماذا بدأ ترامب يطلق التصريحات الحادة حول «عقاب شديد للسعودية» إذا ثبت تورطها في تصفية خاشقجي، ولماذا توعّدت الخارجية البريطانية السعودية بـ «عواقب وخيمة»، ولماذا بدأ الكونغرس ينادي بـ «اتخاذ موقف حازم» تجاه الرياض، عدا عن الموقف المندد للمنظمات الحقوقية المختلفة، في حين أن كل هذه المواقف لم تكن تظهر من قبل في القضايا التي تمسّ السعودية أو أحد أفراد العائلة المالكة فيها.

كلمة السر في كل ما يحصل، أن السعودية اليوم في حالة ضعف، بل إنها تعيش أضعف أيامها، وما علامة كثرة الجزارين، إلا أن الثور السعودي قد وقع بالفعل (كما يقول المثل العربي)، وكل من هؤلاء الجزارين يطمح بالحصول على حصة أكبر من الثور المذبوح، فبالنسبة للدول الغربية لم يعد الوقت اليوم، وقت إنقاذ السعودية، بل أصبح وقت تقاسم تركتها، وابتزازها بأكبر قدر ممكن للحصول على أموالها، وما حادثة خاشقجي إلا الشماعة لتحقيق ذلك.

فالسعودية اليوم تعيش أسوأ حالاتها، وتعصف بها الأزمات الداخلية والخارجية من كل حدب وصوب، فالعدوان الظالم الذي شنته على اليمن قد دخل عامه الرابع دون أن يحقق أهدافه، بل تحوّل إلى عبء ثقيل على هيبة السعودية وصورتها في الخارج، كما أن الدبلوماسية السعودية قد وصلت إلى الحضيض في ظل الأزمات المفتوحة على العديد من دول العالم كقطر وكندا وألمانيا والعراق ولبنان، أما الأوضاع الاقتصادية فمهددة بالانهيار في ظل زيادة الإنفاق العام وهبوط جميع المؤشرات الاقتصادية للبلاد، أما الاضطرابات الداخلية بين أبناء العائلة المالكة التي بدأت تطفو على السطح، فهي تشكّل الخطر الأساسي الذي يحدق بالسعودية، في ظل التنافس على السلطة، ومحاولة محمد بن سلمان إقصاء الأمراء ذوي النفوذ، وسط حديث عن حالة استياء عامة داخل عائلة آل سعود من تصرفات الأمير الشاب، بل إن بعض التسريبات تحدثت عن أن سرّ نقمة ولي العهد السعودي على خاشقجي، هو انحيازه لبعض الأمراء السعوديين الذي كان على خلاف معهم.

 

عموماً فإن الأزمات في السعودية ومنذ تعيين محمد بن سلمان في ولاية العهد، قد تكاثرت بشكل مضطر، ولا شك أن اغتراره بالدعم الأمريكي، كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبها، حيث ظن أنه يستطيع فعل ما يشاء وتصفية خصومه خارج الحدود، ويبقى في منأى عن المساءلة أسوة بالكيان الصهيوني، إلا أن ترامب قد صرّح علناً بأنه لا يوجد شيء بالمجان، وإن كان من المفترض أن يقوم ترامب هذه المرة، بإنقاذ ابن سلمان، فإن الفاتورة ستكون كبيرة جداً وسط أنباء عن احتمال قيام السعودية بطرح شركة النفط «أرامكو» -التي تبلغ قيمتها السوقية تريليوني دولار- للاكتتاب العام في بورصة نيويورك فداء لرقبة ابن سلمان، كما أن تقارير صحفية أمريكية أخرى قد تحدثت عن فرضية استبدال ابن سلمان وقرب انتهاء أيامه في ولاية العهد، لكن الشيء الأكيد في كل هذا أن السعودية بدأت عصر السقوط، ومن الصعب أن تنهض منه.

عن علي محمد

مدير التحرير