الثلاثاء , 18 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 دراسات ووثائق وتقارير 10 معركة الكيان الصهيوني التي لا يُعلن فيها عن القتلى
معركة الكيان الصهيوني التي لا يُعلن فيها عن القتلى

معركة الكيان الصهيوني التي لا يُعلن فيها عن القتلى

بعد سقوط نظام صدام حسين بأشهر، كتب الصحفي الاستقصائي سيمور هيرش في مجلة نيويوركر، تحقيقا صحفيا، كشف فيه أن المئات من عناصر المخابرات «الإسرائيلية»، وبعض عملاء الموساد، يعملون في شمال العراق، لجمع معلومات حول البرامج النووية الإيرانية ومراقبة التطورات في سوريا.

ووفقا لتحقيق “هيرش”؛ فإن الكيان الصهيوني أجرى العديد من الاتصالات مع الأكراد في شمال العراق، بعد الإطاحة بصدام حسين، محاولة أن تخلق بيئة مواتية لعملها الاستخباراتي في هذه المنطقة الاستراتيجية. لم يكن الكيان متأكدا من نجاح الخطة الأمريكية في تحقيق الاستقرار في العراق، وبالتالي كان مهتم بالحفاظ على موطئ قدم في المنطقة. وبدأ عناصر الموساد «الإسرائيلي» بفتح خطوط علاقة، كذلك، مع أكراد سوريا من خلال أكراد العراق.

ويكشف “هيرش” أنه في وقت مبكر من يوليو 2003، بعد شهرين من إعلان الرئيس جورج دبليو بوش النصر في الحرب على العراق، بدأ الكيان بتحذير الإدارة من أن القوات الأمريكية في البلد المحتل ستتحول على الأرجح إلى أهداف لحملة من الاغتيالات والعمليات العسكرية. وأطلعت المخابرات «الإسرائيلية» الأمريكيين على معلومات تفيد بأن معارضي الاحتلال يتمتعون بدعم ضباط المخابرات الإيرانية الذين يعبرون الحدود المفتوحة بين إيران والعراق بسهولة. وحث «الإسرائيليون» الولايات المتحدة على إغلاق الحدود، لكن الولايات المتحدة لم تقبل هذه التوصية.

رئيس حكومة العدو الأسبق إيهود باراك، الذي أيد الغزو الأمريكي للعراق، حمل تحذيرا خاصا لنائب الرئيس ديك تشيني يتلخص في كلمات معدودة: “أمريكا خسرت الحرب في العراق”. وحاول باراك إقناع الأمريكيين من واقع تجربته كمحتل؛ أن الكيان تعلم أنه لا يمكن للاحتلال أن يحقق الانتصار، وختم باراك رسالته بالقول: “عليكم أن تتخيلوا حجم الإذلال الذي ينتظركم”.. لم يرد “تشيني” على رسالة باراك.

بعد الرفض الأمريكي للاستماع للتحذيرات «الإسرائيلية»، قررت الحكومة «الإسرائيلية» تقليل الأضرار التي سببتها الحرب في العراق عن طريق تشكيل وجود مخابرات «إسرائيلية» في المنطقة الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي في شمال العراق. وبدأ عناصر من جيش العدو ومخابراته بالعمل سراً في كردستان، وأوكلت لهم مهمة تدريب وحدات الكوماندوس الكردية والقيام بأنشطة سرية في المناطق الكردية داخل إيران وسوريا، واختار عملاء الموساد العمل كرجال أعمال.

قوة عمل الموساد في العراق سياقها طويل. اليهود الذين هاجروا من مدن العراق إلى فلسطين، بعد احتلال فلسطين، عمل جزء كبير منهم على تأسيس الوحدات الاستخباراتية، منهم؛ يتسحاق برزلاي الذي ولد في عام 1951 في العراق، وعمل في وحدة 8200 الاستخباراتية، ثم انتقل للعمل في معهد الاستخبارات والعمليات الخاصة لمدة 37 سنة حتى تقاعده في عام 1999، وكان مسؤولا في وحدة الشؤون الإيرانية تحت إمرة ضابط الموساد أوري لبروني. ويروي الياهو كوهين الذي كان أحد مؤسسي وحدة 8200 الاستخباراتية وعمل في مناصب رفيعة جدا في الموساد، قصة تأسيس الوحدة الاستخباراتية HS2 الاستخباراتية، يقول: “تم تغيير الاسم إلى وحدة 515 لأن الوحدة في بدايتها، كان فيها 500 يهودي عراقي و15 من جنسيات أخرى.

وبالإضافة لعملهم في الوحدات السرية القتالية، خدم اليهود العراقيون في وحدة هاتزاف، والتي تُعنى بجمع المعلومات الاستخبارية من المصادر المفتوحة: التلفزيون والإذاعة والأدب والصحافة. وقال أحد ضباط الوحدة في مقابلة صحفية في أكتوبر الماضي: “عندما بدأ الربيع العربي، كثيرون كانوا يعتقدون بأن النظام السوري سيسطر على الأوضاع بسرعة، وحتى وزراء كبار كان يعتقدون بهذا الاعتقاد، ولكننا أبلغناهم عن يقين بأن الأزمة ستطول”. ما يهمنا هو أن اليهود من أصل عراقي، أداروا ويديرون الاستخبارات «الإسرائيلية» فيما يتعلق بالملفات الإيرانية والسورية والعراقية والتركية وحتى الخليجية.

وفي عام 2007 أعلن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن “إيران مستعدة لملء الفراغ في العراق، ورغم أن الولايات المتحدة كانت تريد الانسحاب بأي ثمن دون التفكير بالآثار الكبيرة والعميقة لهذا الانسحاب، ولم تلق بالا لإعلان نجاد، إلا أنها وجدت نفسها قلقة من النشاط الإيراني في العراق، حيث بدأت إيران نشاطا أمنيا مكثفا هناك، شمل تدريب مجموعات على التتبع والمراقبة والتخفي، وكشفت المخابرات الأمريكية في وقت لاحق أن قوة قدس عينت ممثلين لها في العراق، مهمتهم؛ جمع المعلومات والاتصال مع العناصر المؤيدة لإيران. ووصل القلق الأمريكي لدرجة إعلان القائد السابق للقيادة المركزية في الجيش الأمريكي الجنرال بترايوس بأن ضباط المخابرات الإيرانية يملأون العراق متسترين تحت غطاء التجارة والدبلوماسية، محذرا من تفاقم هذه الحالة.

ووفقا للجنرال أوديرنو، وهو قائد سابق في القوات الأمريكية في العراق، فإن الجهد الاستخباراتي الإيراني في العراق، أخطر بكثير من تسليح المجموعات المسلحة وتدريبها، وأن الجهد الاستخبارتي الإيراني في العراق يهدد المنطقة ككل. في عام 2008 أفشل قائد قوة قاسم سليماني مخططا أمريكيا للإيقاع بين قوات مقتدى الصدر والقوات العراقية، وبدأ سليماني يمارس نفوذا سياسيا إلى جانب نفوذه الاستخباراتي والعسكري، وهو الأمر الذي دفع الأمريكيين للتحذير من نشاط سليماني السياسي، ولكن الأمريكان عادوا وأكدوا أن الخطر الأكبر ينبع من العمل الاستخبارتي الإيراني، وهو ما أكد على حقيقته أحد قادة القوات الأمريكية في العراق، حين حذر من النفوذ الاستخبارتي الإيراني ووصفه بالقوي والمعتمد على “قوة تنكر الوفود”.

قبل عام، رفع الأكراد علم «إسرائيل» إلى جانب علمهم، وأعلنوا عن نيتهم الانفصال. هدد نائب الرئيس العراقي الأكراد بالقول: لن نسمح بإسرائيل أخرى في  العراق”، محذرا من أن أي تصويت على قرار الانفصال يعدّ بمثابة تهديد جدي لأمن المنطقة. كما وحذرت تركيا من عواقب الانفصال، وشدد رئيس الوزراء التركي على أن أنقرة سترد على أي تهديد داخلي أو خارجي لأمنها، وبدأت تركيا مناورات عسكرية بالقرب من الحدود مع العراق.

وإذا كان نائب الرئيس العراقي قد لمّح لتورط «إسرائيل» في محاولة الانفصال الكردي، فإن الرئيس التركي أردوغان صرّح بذلك علانية، وقال: “إن الأعلام الإسرائيلية التي ظهرت في شمال العراق، تثبت بشكل واضح تأثير الموساد هناك، والتاريخ المشترك”. إذاً، حتى تركيا مستفزة، وذلك بحكم الموقع الاستراتيجي لشمال العراق، سواء اقتصاديا أو جيوسياسيا وانعكاسات ذلك على الأمن القومي لكل من إيران وتركيا وسوريا. بعض الخبراء اعتبروا محاولة الأكراد الانفصال، بمثابة محاولة «إسرائيلية» لمنع إقامة جسر بري إيراني يربط بين إيران ولبنان، مرورا بالعراق وسوريا، ولكن في النهاية؛ أنهى قاسم سليماني القضية باستمالة أحد الأحزاب الكبيرة.

قبل أحداث البصرة بشهرين، نسبت تقارير غربية «لإسرائيل» مهاجمتها قوافل للحشد الشعبي في شمال العراق، وتبع التقارير تهديد لقائد الحشد هادي العامري باستهداف «إسرائيل» بشكل مباشر، مؤكدا أن الحشد سيلقن «إسرائيل» درسا لن تنساه أبدا. في المقابل، قال المستشرق “إيدي كوهين” إن “إسرائيل” لن تترك الحشد الشعبي يسيطر على العراق بكل هدوء، متوقعا أن تفتح “إسرائيل” جبهة للحشد في المناطق الكردية من خلال الأكراد. وبالفعل هاجمت قوة كردية معارضة لطهران قوة من الحرس الثوري مما أدى لمقتل لعدد من عناصر الحرس الثوري، وتختم المشاهد بضربة إيرانية لمقر للأكراد في العراق في 9 سبتمبر الجاري، ولا أحد يعلم من كان في المقر، لكن 11 شخصا قتلوا، ويرجح أن يكون من بينهم عناصر مخابرات «إسرائيلية»؛ خاصة مع الاهتمام المبالغ به من قبل «إسرائيل» بالضربة وتبني الحرس الثوري لها.

أمس (29/9)، كشفت طهران عن تعرض “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس الإيراني لمحاولة اغتيال داخل العراق بعد التهديدات الامريكية بقتله. وأشارت الديار إلى أن قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني نجا من محاولة اغتيال في شمال العراق، في حدود محافظة صلاح. وذكرت الصحيفة أن ضباط المخابرات السعودية الموجودين في المحافظات العراقية ليسوا الآن بأمان بعد محاولة اغتيال “سليماني”، كذلك ضباط المخابرات «الاسرائيلية» بلباس الجيش الاميركي وهم من حملة الجنسية الأوكرانية.

وبحسب ما أفصحت عنه طهران، فقد تم وضع ناقلة جند مدرعة مملوءة بالمتفجرات الثقيلة على طريق موكب اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ولدى مرور موكبه انفجرت ناقلة الجند المحشوة بالمتفجرات الثقيلة، لكن سليماني كان قد قام بتغيير موكبه على الطريق بعد انطلاقه من محافظة صلاح الدين إلى الموكب الثاني وإلى السيارة الرابعة في الموكب فلم يصب بأي اذى واستطاع افشال مخطط المخابرات الاميركية السعودية «الإسرائيلية» لمحاولة اغتياله.

إن إعلان طهران، يأخذنا لاستنتاجين رئيسيين، أن إيران قررت كشف المعركة الاستخبارتية بينها وبين «إسرائيل» في العراق للعلن، وأن «إسرائيل» تلقت ضربة موجهة بحجم قرار اغتيال سليماني. وقد تشهد تلك الساحة تزايدا في الأحداث وتبادل الضربات، في مواجهة لم يكن يُعلن عنها ولا يكشف تفاصيلها أحد، لا القتلى ولا التفاصيل.

عن علي محمد

مدير التحرير