الخميس , 13 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 المشهد الفلسطيني: الكونفدرالية الفلسطينية – الأردنية خطوة من خطوات صفقة القرن الأميركية
المشهد الفلسطيني: الكونفدرالية الفلسطينية – الأردنية خطوة من خطوات صفقة القرن الأميركية

المشهد الفلسطيني: الكونفدرالية الفلسطينية – الأردنية خطوة من خطوات صفقة القرن الأميركية

بقلم: الأخ أبو عمر المصري

                    عضو اللجنة المركزية

                    مسؤول الإعلام والدراسات

 ( مجلة فتح – العدد 724 )

بغض النظر عن جدية الفكرة والتي طرحت في الآونة الأخيرة من عدمها، والتي تتعلق بإقامة كونفدرالية أردنية-فلسطينية، فإنها قديمة جديدة، لها جذور تاريخية، ساهمت بإنشاء الكيان الصهيوني، ولها أيضاً مضاعفات ومنعكسات على القضية الفلسطينية، واليوم يُعاد طرحها أميركياً من بوابة صفقة العصر، استكمالاً لتصفية الحق الفلسطيني، والتي هي أساساً فكرة صهيونية هدفها ترسيم الكيان الصهيوني كدولة طبيعية ومركزية في المنطقة من جهة أولى، وتذويب القضية الفلسطينية في اتحاد كونفدرالي من جهة ثانية، وذلك استكمالاً لسلسلة خطوات بدأت بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، واعتبارها العاصمة الأبدية للاحتلال الصهيوني، وتنفيذ قانون يهودية الدولة الصهيونية، وشطب حق العودة من خلال إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني وإلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

وفكرة الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية، تم العمل بها، في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وتحديداً بعد النكبة الفلسطينية، حيث تم الاتفاق في مؤتمر أريحا، الذي انعقد عام 1949، على الوحدة بين الضفة الغربية والأردن، وذلك من خلال الزعامات الفلسطينية التي طالبت بذلك، وبقي العمل سارياً في ذلك الاتفاق  إلى أن حدثت نكسة حزيران عام 1967، واحتل الكيان الصهيوني الضفة  الغربية وقطاع غزة والقدس بشكل كامل، وكان ذلك الاتفاق لا يمثل الحل الأمثل للشعب الفلسطيني بل كانت الحاجة هي التي تتطلب ذلك، نظراً لغياب الكيانية السياسية والمؤسساتية للشعب الفلسطيني في ذلك الحين، ولحاجته إلى سند وعمق يستوعب آثار النكبة، وتم في إطار ذلك الاتفاق معاملة الفلسطيني مثل الأردني في الحقوق والواجبات، وبقي العمل سارياً بذلك الاتفاق حتى عام 1988، حيث أعلن الملك حسين عن فك الارتباط مع الضفة الغربية.

والكونفدرالية في القاموس السياسي تعرف على أنها (رابطة أعضاؤها دول مستقلة ذات سيادة، وتُفَوضْ بموجب اتفاق مسبق بعض الصلاحيات لهيئة أو هيئات مشتركة لتنسيق سياساتها في عدد من المجالات)، وفي موضوعنا هذا فإن الكونفدرالية في الراهن السياسي لا تنطبق على وضعنا الفلسطيني فنحن لا نتمتع بمواصفات الدولة وليس لدينا سيادة لأننا مازلنا تحت الاحتلال الصهيوني، لذلك لا ينطبق علينا صفة الاتحاد الكونفدرالي، ولكن هذا الطرح الأميركي له خلفية تتعلق بالمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية، بحيث تطمس جميع معالمها، وتذوب في كيانات أخرى أردنية أو عربية أو غيرها من خلال التوطين أو  التجنيس أو التهجير.

وهذه الفكرة بالأصل هي فكرة صهيونية، وليست فكرة أميركية كما يدعي غرينبلات الذي قدمها لـ «السلطة الفلسطينية»، بعد أن ناقشها هو وكوشنير (صهر الرئيس الأميركي ومبعوثه الخاص) مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز متضمنة أربعة نقاط أساسية تمثل مفاوضات بين الكيان الصهيوني والفلسطيني تحت مظلة إقليمية، وتقوم تدريجياً نحو حل الدولتين وتسليم الفلسطينيين مناطق إضافية في الضفة الغربية، ومنح السلطة الفلسطينية مساعدات اقتصادية سخية، وبغض النظر عن ذلك فإن ساسة الكيان الصهيوني طرحوا هذه الفكرة منذ زمن قديم، حيث اعتبر أولئك الصهاينة بكافة أطيافهم السياسية بأن فكرة الدولة الفلسطينية مرتبطة بشكل أساسي باتحاد كونفدرالي مع الأردن، وكان واضحاً في ذلك شمعون بيريز حين قال: «إن الأردن جزء من فلسطين التاريخية، أي أنه أرض أردنية»، جاء ذلك في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) الذي صدر في عام 1993، ويضيف شمعون بيريز: «أما بخصوص اللاجئين فالحل يكمن في تحسين ظروف حياتهم الاقتصادية والسماح لهم بالعودة إلى الدولة الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية حيث أراضي الأردن الواسعة ذات القدرة على استقبال أعدادهم الكبيرة في المدن الجديدة التي ستنشأ بالمال الخليجي طبعاً».

لقد أجمعت معظم التسريبات والمعلومات على أن المقترح الأميركي الذي قدمه (غرينبلات وكوشنير) يقوم على أن تكون الضفة الغربية المحتلة بدون القدس تحت الرعاية الأمنية الأردنية، والتي ستحمي  حدود الكونفدرالية الأردنية-الفلسطينية مع «إسرائيل»، على أن يعلن الاحتلال الصهيوني ضم القدس المحتلة والمستوطنات إليه، كما ووفقاً للمقترح فإن قطاع غزة لن يكون جزءاً من الكونفدرالية، رغم أن كل الاتفاقيات الموقعة ما بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني تعتبر غزة والضفة وحدة واحدة، ولكن هذا المقترح أميركياً كان أو صهيونياً فقد عبر عنه غرينبلات خير تعبير حين قال: «لن نقدم أي خطة سلام لا تراعي أمن إسرائيلأي ».

والمشكلة ليست بالمقترح أميركياً كان أم صهيونياً، بل المشكلة تتعلق بطرفين أساسيين هما النظام الرسمي العربي من جهة، وما يسمى السلطة الفلسطينية من جهة أخرى، فمعظم الحكام العرب يميلون إلى حل القضية الفلسطينية بأي شكل من الأشكال، وهذا قد تجلى في العديد من المواقف أبرزها قمة بيروت 2002، وما تلاها من مواقف عبرت عن التخلي عن القضية المركزية تحت شعار لن نكون ملكيين أكثر من الملك، ونقبل بما يقبل به الفلسطينيون وغيره، هذا وقد سبقت شعاراتهم أفعالهم التطبيعية مع الكيان، التي فتحت على مصراعيها من قبل دول الخليج العربي، بأشكال سرية وعلنية، والأكثر من ذلك فإن بعض تلك الدول تمارس اليوم ضغطاً سياسياً من أجل القبول بصفقة القرن، تارة بالتهديد والوعيد وتارة بالإغراء والإثراء.

ومن جانب آخر فإن ما يسمى السلطة الفلسطينية قد أعلنت موافقتها على الكونفدرالية شريطة انضمام «إسرائيل» لها، في محاولة تذاكي لإيقاع الكيان الصهيوني بشرك الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وترسيم حدوده، ولكن الكيان أذكى من ذلك بكثير فقد أعلن مراراً بأن الكونفدرالية ستكون بين الأردن والحكم الذاتي الفلسطيني، أي أنه لا اعتراف صهيوني بدولة فلسطينية مستقلة، ومن جهة أخرى فقد أعلن رئيس الوزراء الصهيوني السابق إيهود باراك في حوار مع «راديو إسرائيل»: إن الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية هي فكرة جيدة لصالح «إسرائيل»، يراها وفق الرؤية الأمنية والسياسية والاقتصادية، التي ينفذ من خلالها كافة السياسات الصهيونية دون أي عوائق أو عراقيل.

ومن الجانب الأردني فإنه قد أعلن رفضه لتلك الخطوةـ، مدركاً أبعادها الخطيرة على مستقبله السياسي، بعد أن لعب دوراً بارزاً خلال العقود الماضية في استيعاب آثار النكبة، لكن اليوم المخطط الصهيوأميركي يهدف إلى تحويل الأردن إلى وطن بديل على أرضه، وخاصة إذا ما علمنا بأن عدد الفلسطينيين في الأردن يقارب الأربعة ملايين نسمة، ففي ذلك خطر على المستوى الديمغرافي الأردني، من أجل ذلك هناك خشية وتخوفات أردنية على كافة المستويات من ذلك المشروع، وفي هذا السياق بادر العديد من ساسة الأردن رفض تلك الفكرة، وعدم وجودها على جدول الأعمال، لكن هناك بعض المعلومات التي أشارت إلى الوضع الاقتصادي المتردي في الأردن، والذي بلغ حجم الدين العام فيه ما يقارب خمسة وأربعين مليار دولار، وربطه ببعض المحاولات الأميركية والصهيونية والعربية بإغراء الأردن بقبول تلك الفكرة مقابل تحسين الأوضاع الاقتصادية.

إن الخطوات الصهيونية والأميركية التي تجري في هذه الآونة، قد تجد آذاناً صاغية عند بعض الواهمين الفلسطينيين والعرب، ولكن حُكماً لن تجد طريقها إلى الشعب الفلسطيني، الذي رفض اتفاق أوسلو قبل خمسة وعشرين عاماً، وقبله رفض وأسقط العديد من المشاريع، وها هو اليوم يلقن الاحتلال الصهيوني دروساً في المواجهة الشعبية من خلال مسيرات العودة في قطاع غزة، الذي يحاول جاهداً ايقاف الطائرات الورقية والبالونات الحارقة، ولكنه فشل في ذلك، لأن الشعب الفلسطيني عرف طريقه منذ زمن طويل، وهو طريق المقاومة والكفاح، الذي لن يتنازل عنه حتى ينتزع حقوقه الوطنية كاملة، وتحقيق عودته وتحرير أرضه كاملة من براثن الاحتلال الصهيوني.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير