الإثنين , 15 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 قراءة في كتاب الشهيد باسل الأعرج وجد أجوبته، فماذا عنّا؟ الجزء الأول
قراءة في كتاب الشهيد باسل الأعرج وجد أجوبته، فماذا عنّا؟  الجزء الأول

قراءة في كتاب الشهيد باسل الأعرج وجد أجوبته، فماذا عنّا؟ الجزء الأول

 

محمد العبد الله*

( مجلة فتح – العدد 724 )

عن الكتاب :

1- كيف خرج للنور؟

بعد استشهاد باسل، تطوع عدد من أصدقاء وصديقات الشهيد، على جمع ماكتبه من أبحاث ودراسات، وكذلك التعليقات والبوستات على شبكة التواصل الاجتماعي، والمحاضرات واللقاءات التي أنجزها في جولاته الميدانية في القرى والبلدات على اليوتوب ” تُقَدر بآلاف الصفحات”. وقد تمكن كل أولئك، بجهد استثنائي في ظروف الاحتلال، من تأمين عدد لابأس به من الدراسات والأبحاث والمقالات والبوستات وتجميعها في الكتاب الذي نتناوله في هذا العرض. طُبع الكتاب في دار رئبال بالقدس المحتلة، العاصمة الأبدية لشعبنا، وصدر ووزع في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد باسل، كما تم إنجاز طبعة أخرى في ” بيسان للنشر والتوزيع” في بيروت في نفس الفترة .

2- المضمون

بين دفتي الكتاب تتوزع 400 صفحة، مابين التقديم، والأبحاث والمقالات التي أخذت نصف عدد الصفحات، ثم “البوستات”، مع إضافات ممن أشرف على اعداد المنشورة : سيرة ذاتية للشهيد ومختارات ممن كُتب عن باسل بعد استشهاده، إضافة للكلمات التي ألقيت في ذكرى أربعين الشهيد، وفي ذكراه السنوية الأولى.

غلاف الكتاب الأمامي احتوى وصية الشهيد وصورة له من إحدى المظاهرات. يفتتح باسل تلك الوصية التي وجدت في الشقة التي استشهد فيها مع مجموعة من الكتابات الموجودة في هذا الكتاب بـ (تحية العروبة والوطن والتحرير). ثلاث كلمات فيها تكثيف واضح للثوابت التي آمن بها. أما خاتمتها فتحمل من كاتبها، اعترافاً بالقناعة التامة لما وصل إليه، بوعيه وثقافته وممارسته (أنا الآن أسير إلى حتفي راضياً مقتنعاً وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ أو أفصح من فعل الشهيد. وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهور طويلة إلا أنَّ ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء فلماذا أجيب أنا عنكم فلتبحثوا أنتم. أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله).

يتشكل محور موضوعات الكتاب ، في التأكيد على ثلاث نقاط أساسية :

1 –  أهمية الوعي النظري المنغمس في قضايا الناس، وتحديداً،الطبقات الشعبية.لأن هذا الوعي هو الذي يوفر للشعب ومناضليه، القدرة على تحليل الراهن: الاحتلال والاستعمار، الاضطهاد والاستغلال، التخلف والاستبداد، من أجل مقاومته بالعنف الثوري في سبيل تغييره.

2 – المقاومة، بكل أشكالها، وفي مقدمتها الكفاح المسلح . وقد أفرد الشهيد في أوراقه مساحات لتحليل الهبات والانتفاضات الشعبية في مسار الصراع الأبدي مع الغزاة.وتناول تجارب المقاومة الإقتصادية: نموذج بيت ساحور خلال انتفاضة 1987.كما كان للمقاومة من أجل التنمية  وقفة تحليلية ( ص 53 ) مُركزاً على نظرية التنمية بالحماية الشعبية.

3 – حماية النسيج المجتمعي الفلسطيني من الأمراض الاجتماعية، خاصة، عند الشباب : الاستلاب وترسيخ الاكتئاب الوجودي لديهم، والنظرة الاستهلاكية في رسم أسلوب الحياة، و ترسيخ مفهوم الدولة القُطرية وتشجيع الشوفينية الفلسطينية في الترويج لمتسابق فلسطيني في برامج الفضائيات الغنائية من أجل تصنيع ” قدوة ” مزيفة لشعب يقاتل الغزاة . يكتب باسل في البوست رقم 24 الصفحة 263(أنا شخصياً أُصوت لحذاء الدقامسة ولااُصوتُ لأكبر رأس مشارك في مثل هذه البرامج).

* القراءة والبحث من أجل معرفة الذات والمجتمع في وطن مُحتل:

من الورقة الأولى في فصل الأبحاث والمقالات يبدأ باسل في تفكيك النكبة:المفهوم والواقع في فصل(الذاكرة الجريحة للنكبة).في المفهوم الذي يعتبر تجسيداً مادياً للكارثة المأساوية التي أصابت الشعب الفلسطيني، تمكن هذا الشعب من تحويل المأساة التي أصابته لذاكرة جريحة. لكنها بالجانب الآخر، حملت في  ثناياها البطولة والتضحية التي قدمها ومازال الشعب وأبناء الأمة وأحرار العالم. وتجلت هنا قدرة الفرد والمجتمع على استخلاص نتائج المجازر التي يعددها الكتاب” الطنطورة، دير ياسين،الدوايمة، الطيرة…”. كما يشير الشهيد باسل إلى استنساخ اليهود الصهاينة لأساليب الغزاة البيض ضد أصحاب الأرض الأصليين في القارة الأمريكية الذين اصطلح على تسميتهم : الهنود الحمر، بطريقة القتل بالحرب الجرثومية.وقد قام اليهود الصهاينة بتلويث مياه قناة الشرب التي تغذي مدينة عكا بجرثومة التيفوئيد. أما (العونة و الفزعة ) فقد تناولها الشهيد من حيث كونها تعبير عن وعي مجتمعي أبدع تنظيماً اجتماعياً أفقياً، بعكس الهرمية الحزبية، ظهر في المشاركات الشعبية الواسعة في البناء والزراعة، لكنه أخذ بُعداً سياسياً ووطنياً في العمل الجماعي لإعادة بناء بيوت عائلات الشهداء التي يهدمها جيش الغزاة المحتلين. كما استحضر الشهيد في هذا الجانب التجارب الجماعية في تطوير الاقتصاد المقاوم من خلال الوعي بأهمية بناء التعاونيات والاعتماد على الذات :الزراعة المنزلية وتربية الدواجن، خاصة في فترات الانتفاضات والهبات والحصار.

في فصل (وهم اليسار المتضامن) يتصدى الشهيد لكتبة يعملون بسوء النية لتحسين صورة الاحتلال ولدفع الأجيال الصاعدة لسراب السلام، الذي هو الاستسلام. يدحض باسل واحدة ممن يُصفق لها البعض في مجالسهم وكتاباتهم، الكاتبة الصحفية “عميرة هس”. يكتب باسل(عميرة هس لاتختلف عن أي مثقف من مثقفي المُستَعِمر، وهي ليست إلاّ جندياً في المعركة الخلفية التي يطلقها المستعمر في ميدان الثقافة والقيم… تعترف بـ” حقوقك” لكن بشروط، وأهم تلك الشروط أن تظل تدور في فلكها وأن لاتحاول التمرد على ماتُلقنه لك، وصار لزاماً على المستَعمَر أن يهضم ثقافة مضطهديه)انتهى الاقتباس.

وقد واجه بشكل لافت مايتعرض له مقاومو شعبنا في الجزء المحتل من الوطن الفلسطيني عام 1948. وكيف حاول العدو أن يصف كل فدائي بأنه “مريض نفسي” والكارثة هنا، أن يردد ذلك بعض أبناء الشعب. ويستشهد بما دار من ثرثرات وترهات عن الفدائي “نشأت ملحم” الذي نفذ العملية البطولية في شارع ديزنغوف في “تل أبيب” في 1/1/ 2016 ولوحق لمدة أسبوع قبل أن يسقط شهيداً في اشتباك مع وحدة “يمام” . لقد كتب باسل  في تحليل السقوط الوطني والأخلاقي لبعض أبناء الشعب من خلال تبنيهم لتفسير المحتلين. مشيراً إلى أن “فرانز فانون” عالج هذه الظاهرة في الجزائر، وذلك من خلال كون المستعمَر يشعر بالدونية مما يجعله يتبنى مايقوله المستعمِر الذي ينفي الصفة الوطنية والقومية عن المقاوم ويُقدمه كحالة مريضة فقط. وذلك من أجل تسخيف روح المقاومة وإسقاط أي فكرة للمواجهة .

هنا يتقدم الشهيد الصفوف بتقديم رؤية فكرية معرفية جذرية في فصل (لاتكن مع الاحتلال ضدهن) لتبديد العديد من أنماط التفكير، وأساليب التعامل  مع المرأة . يكتب باسل ص 192 ( تنشأ عند أبناء المجتمعات المقهورة، والواقعة تحت الاستعمار، خاصة، علاقة ازدراءٍ ضمنية للذات والآخر”داخل المجتمع” فَتُصَبُّ على غيرهم من أفراد المجتمع حيث يعكسون العار والمأساة ضمن منهجية واحدة. وعندما يجاهر المقهور بمقولات مسيئة لغيره من الواقعين تحت القهر ذاته، إنما هو يعبر عن مدى شعوره بالضعف والدونية والذنب، وذلك من أجل الحصول على توازن نفسي والتخلص مما يحيط به من توتر وانفعال). لهذا فإن رفض استلاب المرأة انطلاقاً من استلابها العقائدي لدورها بالمجتمع، إلى رفع الظلم الذي يلحق بها بالاستلاب الاقتصادي وووضع العراقيل لمنعها من الاعتماد على انتاجها الذاتي، ثم استلابها الجنسي ،يُصبح مهمة ثورية. لأن التسلط الداخلي الذي يحيط بالمرأة، ضروري من أجل تمكين نصف المجتمع للانتقال من موقع الضحية إلى موقع الحرية والتحرر من غلال التخلف والنظرة الدونية، وبالتالي، إلى رحاب الميادين في مواجهة المحتل الذي يضطهد كل الشعب.

في عدة فصول، ورغم اختلاف العناوين والصياغات لكل مادة وحادثة وموقف، إلاّ أن المضمون، متشابه من حيث تحديد الهدف المباشر. في فصلي (“حلوها وأسقطوهم” كانون الأول 2012 ” و”الشعب يريد مجلساً وطنياً جديداً 30 / 3 / 2013 ” ) يحلل الشهيد عوامل ضعف السلطة ويكشف عن ضرورة حلها لأنها كما يكتب “مقاول من الباطن”.فمن خلال تفكيك بنيتها القائمة على “الفساد وثقافة أوسلو والتنسيق الأمني والاستجداء ووجود شريحة صغيرة ترتبط مصالحها مع الاحتلال ويشارك رموزها في مؤتمر هرتسيليا – هنا، يستحضر الشهيد دور الحركيين في الثورة الجزائرية – . ولهذا فإن كل ذلك يكفي لإعداد لائحة اتهام لمن يجب اسقاطهم وبالتالي إسقاطها. ويختتم الفصل بما قاله الشاعر الثوري المتمرد مظفر النواب ” سنصبح نحن يهود التاريخ ونعوي في الصحراء بلا مأوى إن بقيت حالتنا هذي الحال بين حكومات الكسبة”.

أما عن المجلس الوطني، فكأن باسل بيننا ومعنا في مراقبته ومتابعته للمجلس ولكل مؤسسات المنظمة. يكتب الشهيد (في كل المظاهرات التي شهدتها شوارع بعض مدن الضفة وقادها الحراك الشبابي، بُح صوت الشباب والشابات بهتاف “الشعب يريد مجلساً وطنياً جديداً”). ويغوص باسل في تفاصيل الهدف المنشود : كيف تتم الانتخابات لعضوية المجلس؟ وعلى أي أرضية نقف؟ وهل نتوجه لها وفق التزامات منظمة التحرير أم وفق الميثاق المشوه “المُعدل”؟ وهل يتم ضمن سياسة الكوتا والمحاصصة بين الفصائل ؟ أم بما يخدم مصالح الكومبرادورات وهوامير المال والأعمال؟. يجيب الشهيد على ذلك باستفاضة (ص203) ليصل لاستنتاج ( أنا لاأؤمن إلاّ بالتغيير الجذري للنظام الاجتماعي والسياسي. نعم ، أنا مع الإقصاء، من يتنازل عن 78% من فلسطين يجب إقصاؤه، من يرتبط بعلاقات مع العدو “المعسكر الاستعماري ككل” يجب إقصاؤه، من يحترف فلسفة اعتذارية عن نضالات شعبنا ويحقرها يجب إقصاؤه، وهل يستقيم الوضع بدون اقصاء هذه الفئة المارقة؟).

في ص 122 وتحت عنوان “الانتفاضة دمرتنا” يتحدث عن هذه الادعاءات مفنداً مايردده بعض أفراد الشعب من تكرار لما تقوله ماكينة العدو الإعلامية. يكتب باسل (المطلوب لكي يكون النقد، موضوعياً ووطنياً وثورياً، أن يقوم على مراجعة التطبيق وليس النظرية أو الأيديولوجيا التي تقف وراء التجربة).

عن علي محمد

مدير التحرير