الإثنين , 15 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: فلسطين جدارية المقاومة أبداً
شجون فلسطينية:  فلسطين جدارية المقاومة أبداً

شجون فلسطينية: فلسطين جدارية المقاومة أبداً

أحمد  علي هلال

( مجلة فتح – العدد 724 )

لم يكن مصادفة أن يكون أيلول في الذاكرة وفي الوعي الجمعي، حمّال شجونٍ ومآثر، وبه تواترت صفات وأسماء ومسميات عديدة، كلها تمسّ القلب والوجدان، بانتسابها إلى واقع صريح يجهر بكل سرديات الألم ومحكيات الأحزان، وليس مصادفة أن تسبغ عليه الألوان أيضاً، مكثفة باللون الأسود، حتى لا ليقال أيلول الفلسطيني، أو أيلول الأسود، وللذاكرة هنا أن تصطفي لحظاتها التي لا تتماثل بل تنزع إلى الاختلاف ولو قليلاً…. رأينا محكيات الألم كلها، لكن تلك المحكيات لم تستمر في الوعي إلا من أجل عودته،وقيامته واستنهاضه ليكون شاهد التحولات لا سادن اليوميات فحسب، ولعل أدلها في هذا السياق هو تصاعد المقاومة بوصفها الجزء الأكثر حياةً في جسد أيلول، فما المعنى أن تدخل الانتفاضة الشعبية المباركة بالشهداء والجرحى، واجتراح الشباب لأساليب المقاومة وتنوعها، كذلك تتساءل الذاكرة وهي تراجع أوراق (أوسلو) الملوثة بالإذعان والخيبة، لكنها لا تقف إلا في برزخ القول الطليق، بأن ثمة شعباً انتسب إلى الحياة وتجذر في خلايا الأرض ليكتب جداريته المفتوحة، وليجذر في الوعي من جديد حق عودته إلى كامل ترابه الفلسطيني.

ثمة لوحة كان اسمها جدارية حق العودة/ مطرزة فلسطين، تم فيها تطريز اسم 1134 قرية ومدينة فلسطينية، سواء كانت قائمة أم مهدمة على قطعة قماش، لكن اللوحة الأكمل هي من يرسمها أجيال حق العودة وشهودها، أولئك الذين لم ينسَ كبارهم كما صغارهم فلسطين، ولم يستطع الغزاة أن يقتلعوا ترابها ومائها وحجارتها، من الذاكرة قبل الأرض.

هي فلسطين حارسة الوعي ونديمة يومياتنا الذاهبة إلى شرفات الحياة، قصيدة غير منتهية وكل حرف طلقة، وكل معنى شهيد يحفر اسمه هناك في أعالي اللغة، حتى نستعيدنا.

ثمة شعب مازال في إثر عدل شريد، ومازال في إثر عدالة طليقة تليق بمآثره الجمة، خُطت هناك في الآفاق كل آياتها، ومازالت جداريته حديث الزمان والمكان، حديث لغة لا تمل من مديح المحارب، وامتداح زمن الجسارة، زمن منتظر وقادم بالضرورة، بضرورة حتميات التاريخ وحقائقه العنيدة، فمن يستطيع حجب الشمس وإيقاف دورة الأرض، من يستطيع شطب الحقوق وكي الحقائق؟.

تلك هي فلسطين التي تأخذنا إليها صباحات المقاوم، صباحات بطولة الأرواح والذاكرة، ذاكرة تُستعاد الآن وفي كل دقيقة وفي كل ثانية تتعرض فيها لمحاولات الغزاة محوها، وهم الذين يستهدفونها كما الأرض والإنسان، وكل ما هو حيّ على هذه الأرض، العابرون في هوائها، لا جذور لهم في ملحها، ولهم ذاكرة النسيان أبداً، فكيف ترسم أيها الفلسطيني الآن قدرك، وكيف تمضي إليه شهيداً أو شاهداً ومقاوماً، تلك هي أبجديتك الكبرى التي لا يتقن الغزاة لغتها، فيظلون هامشاً ذليلاً على متن جداريتك التي تبدعها وتجترح قواعدها، مشتبكاً في يومياتك ونهاراتك، كي تظل وحدك من يوقد شرارة الشمس، ويأذن لفصول الخصب أن تأتِ على عجل حكايتك الفلسطينية، ولتنهض الأبجديات/ أبجديات الحياة لتعطي درسها الأعلى، أن فلسطين هي اسمنا الحركي جميعاً، وغدنا المضرج ببشارة الشهداء ونبوءات الأجداد، وحدك في المرايا خط دفاع ذكي، عن مستقبل أُمَّة، وتاريخ أرض مازالت تقاوم بامتدادها وعمقها، كل من شبّه له من شذاذ الآفاق أنه يدخلها، ويظل بها.

فلسطين في سردياتها الآخرى، هي طقوس الولادة المتجددة للأجيال المعجزة، فلها ميقات الصعود ومعراج الوصول، ولها المكان هوية، والزمان امتداداً، ليتشكل الاسم ملوناً بالأرجوان، ومضرجاً بنشيد البيلسان، اسم/ هوية حتى يعود إليها من لم يفارقها أصلاً، وظل مسكوناً بها كاسمه تماماً، لكنه حين يتعدد –الاسم- تظل فلسطين خلاصتنا الأخيرة، ذلك ما قاله الخان الأحمر مقاوماً وباقياً.

 

عن علي محمد

مدير التحرير