الإثنين , 15 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 عبد الوهاب المسيري رحلة موسوعي انتصر لعدالة القضية الفلسطينية
عبد الوهاب المسيري رحلة موسوعي انتصر لعدالة القضية الفلسطينية

عبد الوهاب المسيري رحلة موسوعي انتصر لعدالة القضية الفلسطينية

أحمد علي هلال

( مجلة فتح – العدد 724 )

في رحلة الأستاذ الدكتور والمفكر العربي الإسلامي عبد الوهاب المسيري، جملة من المحطات الهامة والذي يشكل السمة البارزة لها، ليس مرحلة (التكوين والبذور والجذور) فحسب، وإنما وعيه بأبعاد القضية الفلسطينية واستحقاقات الصراع العربي الصهيوني، وعي معرفي بامتياز، مشبع بأصالة الباحث، وأكثر من ذلك بوعيه بحقائق الصراع العتيدة.

ذلك أن رحلته العلمية المشرفة في محطاته منذ تخرجه من قسم اللغة الانكليزية عام 1955، وسفره إلى الولايات المتحدة عام 1963، وتابع دراسته فيها حتى نيله الدكتوراه عام 1969، وبعد عودته إلى مصر دخل حقل التدريس في جامعاتها وغير جامعة عربية، فضلاً عن كونه عضواً في مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام عام 1970، وغير ذلك أيضاً من المناصب والمسؤوليات الكبيرة، ولعل مرحلة الجذور والثمر، أي توصيف رحلته العملية كما جاء على لسانه، وأصبح عنواناً لكتابه الهام، في (البذور والجذور والثمار)  قد قادته إلى أن يعيد البناء والتأمل في التاريخ والأديان والعقائد، ليكون من أهم ما كتبه هو (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية)، انموذجاً تفسيرياً.

وتدلل شواغله المعرفية بطابعها التاريخي/ الاستقرائي من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة، اشكالية التحيز، رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، فضلاً عن مؤلفات أخرى في مجالي الحداثة الغربية والدراسات اللغوية والأدبية، والأدب والفكر، وديوان شعر حمل اسم (أغاني الخبرة والحيرة والبراءة)، هذا المهاد النظري والعملي،  هو الذي صنع شخصية ذات فرادة واستثنائية دالة، أي في مساحات وعيها بحضور قضية عادلة، فذهب إلى استقرائها علمياً،كما استبطان كل مكوناتها،ونقصد بذلك موسعته الأشهر والتي فتح بها غير أفق للقراءة، بل لمقاومة ثقافية لا مثيل لها، جعلته مطارداً من العدو الصهيوني لدرجة التهديد باغتياله، والخشية من عقله العلمي الذي ذهب إلى آليات الصراع ليقف على حقيقة الغزو الصهيوني الاحتلالي والتوسعي، ومخاطره على الوجود العربي وليس الفلسطيني فحسب.

في أنموذج شخصيته العلمية لعلنا نستعيد حقاً تلك الرحلة بالمعنى التاريخي وبالمعنى الجدلي أيضاً،  رحلة مفكر عانى من سرطان الصهيونية طويلاً، فواجهه بكفاءة العالم الباحث، لكنه المقاوم التليد الذي قدم تراثاً عميقاً سيملأ الدنيا ويشغل الناس، لا سيما وأنه قدم (أفضل خريطة علمية إدراكية لفهم إسرائيل واليهود في العالم، فهو الابن الشرعي لكل من كتب بمنهج علمي عن المشروع الصهيوني ابتداءً من نجيب عازوري صاحب كتاب (يقظة الأمة العربية)، ووزير المعارف المصري الأسبق الدكتور محمد عوض محمد صاحب كتاب (الصهيونية فينظر العلم)، وصولاً إلى ما أبدعه المفكر جمال حمدان، والكاتب المصري المبدع محمد حسنين هيكل وغيرهم.

يقول د. عبد الوهاب المسيري: (تعلمت من جمال حمدان الخروج بالظواهر اليهودية والصهيونية، من دائرة التوراة والتلمود والدراسات اليهودية، وإدخالها في نطاق العلم الإنساني العام… لقد تعلمت من جمال حمدان كيف تُكتشف الأنماط داخل ركام التفاصيل المتغيرة،وكيف نجرد الحقيقة من الحقائق… ولا أدري هل تعلمت منه شيئاً من الصلابة والقدرة على المقاومة؟).

إن القدرة على تفكيك الصهيونية واعتبارها مشروعاً استعمارياً، فضلاً عن إبراز الإبداع الجمعي للشعب الفلسطيني، كانتا سمتان بارزتان في مشروع د. عبد الوهاب المسيري، ذلك المشروع الذي لن يطاوله النسيان، لا سيما في استشراف المسيري لآفاق الصراع العربي الصهيوني ومآلاته الكبرى واستحقاقاته الدائمة،  مفكر عابر للحدود والجغرافيات والفكر كان مؤسسة بحق، ونسيج وحده بتلك المعرفة المؤسَسَة والمؤَسِسِة، والتي من شأنها أن تغني الفكر العربي لعقود طويلة، وتسهم في استنهاضه من جديد، استنهاض وعي معرفي أكثر أصالة بحقيقة الصهيونية، وبذات الوقت بعدالة القضية وجسارة الشعب الفلسطيني في نيله حقوقه التاريخية.

عن علي محمد

مدير التحرير