الخميس , 20 سبتمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 الأعمال الروائية للراحل حنا مينه و تجلياتها في السينما
الأعمال الروائية للراحل حنا مينه و تجلياتها في السينما

الأعمال الروائية للراحل حنا مينه و تجلياتها في السينما

موسى مراغة

فقدت الساحة الثقافية والأدبية شيخ الروائيين السوريين والعرب، حنا مينه، فقد رحل صاحب (المصابيح الزرق – الشراع والعاصفة – الياطر – بقايا صور – وغيرها..) عن عاماً يناهز 94 عاماً بعد أن أثرى الأدب والرواية العربية بكم وافر من الإبداعات، وكان له الدور الريادي في مسار الرواية عبر نشره عشرات الأعمال التي اتسمت بالواقعية.

حنا مينه كان قد ولد في اللاذقية عام 1924 ، وتأثر كثيراً بهذه المدينة، وانعكس ذلك كثيراً على مجمل رواياته التي تحدثت عن البحر وأهله، وعرف الأديب الراحل بدايات صعبة في حياته، وتنقل بين أعمال عدة، حيث عمل حلّاقاً وحمالاً وبحّاراً قبل أن ينصرف إلى الكتابة.

وقد تم تحويل العديد من روايات حنا مينه إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية لاقت النجاح الكبير، فقد جذبت رواياته صناع الفن السابع وكل المشتغلين بالصورة الجميلة. فقد كانت كتابات الراحل أقرب إلى السيناريو منها إلى الرواية، فأقبل السينمائيون ومن يتعاطى الفن التلفزيوني على أعماله ليصبح أكثر روائي سوري قدمت أعماله في السينما والتلفزيون. ويأتي عربياً بعد نجيب محفوظ ممن تحولت أعمالهم الأدبية والروائية إلى أفلام سينمائية.

لقد كان للمؤسسة العامة للسينما في الجمهورية العربية السورية قصب السبق في تحويل روايات حنا مينه إلى السينما. حيث نقلت خمساً من رواياته وهي «اليازرلي ، ثم بقايا صور، والشمس في يوم غائم، واه يا بحر، وأخيراً الشراع والعاصفة». كما قدمت الدراما التلفزيونية من أعماله مسلسل «نهاية رجل شجاع من إخراج نجدت أنزور، ثم رواية المصابيح الزرق من إخراج فهد ميري».

كان أول من تصدى لروايات الراحل حنا مينه محولاً إياها إلى السينما، المخرج العراقي «قيس الزبيدي» فمن إنتاج المؤسسة العامة للسينما في سورية عام 1974 صنع الزبيدي فلمه الذي حمل عنوان (اليازرلي)عن قصة طويلة بعنوان “على الأكياس” يقول الناقد سعيد مراد : (إن «على الأكياس» التي هي قصة من السيرة الذاتية، مكتوبة بأسلوب ذكريات حارة، بسيطة تحولت في الفيلم إلى بناء معقد يحوي معاني الاضطهاد في مجتمعنا من تخلف و قسوة وعنف واستغلال، وأراد المخرج الزبيدي أن يجعل من تلك المعاني نماذج معممة تجسدها الشخصيات التي يعبر كل منها عن واحد من تلك المعاني القيمة. كما لجأ المخرج إلى نوع من المونتاج يحاول به أن لا يفسح مجالاً لتأثير عاطفي بقدر ما يقطع هذا التأثير ليتوجه إلى عقل المشاهد، كي يحرضه على أن يركز على هذه المعاني المجسدة، ثم يكشف عن الحقيقة الواقعية للحلم، ويرتفع للواقع ببعض تفاصيله إلى مستوى الحلم، يتداخل ذلك في نسيج واحد فيجعل من الماضي، الذكريات، الحلم والواقع كلاً واحداً، وذلك بوسيلة بصرية ومونتاجية).

وفي عام 1979 حقق المخرج الراحل «نبيل المالح» فيلم «بقايا صور»عن رواية حملت نفس الاسم، وفيه عودة إلى عشرينيات القرن الماضي، حيث قصة الأب السكير، والأم الضعيفة الطهرانية وحكايات الأخوات والمدرسة والخال، والصراع في ريف الاسكندرون واللاذقية بين الملاكين والفلاحين.

وقد قدم الفيلم صورة بانورامية عن الحياة في ذلك الزمن حيث المواجهات بين الفلاحين والدرك في الريف السوري، من خلال شاعرية واضحة بنماذج حياتية متعددة. فنجد الزوجة المسكينة التي يظل شغلها الشاغل خوفها على أسرتها و أولادها بينما الزوج يضج صدره بالأحلام والرغبات، ولكنه يظل عاجزاً عن تحقيق أي شيء منها، والجارة القوية سارقة لبّه، والمناضل الذي حمل بندقيته مقرراً أن يواجه كل ألوان العنف بذراعيه، والطفل الذي تتفتح عينيه على هذه الحياة القاسية.

وقدم المخرج الراحل «محمد شاهين» فيلمين اعتماداً على روايتين لحنا مينه، الأول عام 1985 «الشمس في يوم غائم» عن رواية أيضاً تحمل نفس الاسم. والفيلم الثاني هو «آه يا بحر» عام 1994 المأخوذ عن رواية «الدقل».

ففي فيلم «الشمس في يوم غائم» تدور الأحداث في مدينة ساحلية أيام الاستعمار الفرنسي و محورها الشاب (عادل) الذي ينتمي إلى أسرة غنية و يطمح في تغيير حياته والابتعاد عن مناخ العائلة، فيتعرف على حياة الفقراء في حارة شعبية، الصياد، الاسكافي، المغني، هؤلاء الناس البسطاء الذين قاوموا الاستعمار الفرنسي، فينتمي إلى هؤلاء محققاً ذاته التائهة ويتمرد على واقعه. إن الفيلم ليس عن النضال ضد الاستعمار، أو صراع الفقراء والأغنياء فحسب، وإنما هو كلمة أخرى تضاف إلى الجدل الفلسفي الدائر حول الحرية بمعناها الأشمل والأعمق ودور الفن في تجسيدها و الاحتفاء بها.

وفي فيلمه الثاني «اه يا بحر» يقدم المخرج  «محمد شاهين» فيلماً تدور أحداثه في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينيات من القرن المنصرم، في ظل الاحتلال الفرنسي. حيث تبدأ الأحداث مع وصول أسرة البحار «صالح حزوم» من لواء الاسكندرون إلى اللاذقية في محاولة للبحث عن الأب المفقود، حيث يحاول الابن سعيد اقتفاء أثر والده، بعد أن انطلقت أكثر من إشاعة عن سبب اختفائه، ويقرر أن يصبح بحاراً مثل أبيه ويتعرف على الريس «عبدوش» ويعمل معه في البحر. وفي عاصفة بحرية تواجه السفينة المبحرة، يبقى السؤال معلقاً هل يغرق سعيد حزوم أم ينجو؟..

وتنتقل رواية حنا مينه «العاصفة والشراع» عام 2011 إلى الشاشة الكبيرة، على يد المخرج غسان شميط. جمع الفيلم بين عالمين إبداعيين في الأدب والسينما، حيث تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي توفر له معطيات إبداعية وفنية وتقنية مختلفة، استطاع بها موازاة رواية تميزت بعوالمها و شخصياتها وأطروحاتها وبيئاتها المتعددة، يقول المخرج غسان شميط: ( حاولنا السير مع الفكرة الأساسية التي تتلخص فيها الرواية ككل، لكننا لم نتشعب في أكثر من اتجاه. حاولنا السير بمحاذاة الشخصية الأساسية وهي البطل الشعبي الطرطوسي الذي بني عليه العمل، وقد ارتأينا إنهاء الفيلم مع نهاية العاصفة، لكونها ذروة النجاح بالنسبة إلى الشخصية المحورية، بينما تقدم الرواية أحداثاً عديدة بعد العاصفة. كذلك اعتمد السيناريو على تقديم قصة متكاملة تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية، وركز على علاقة بطل العمل بالبحر والتحديات التي تقف في وجهه).

ستبقى الأفلام التي نقلت أحداثها من روايات حنا مينه علامة بارزة ومفصلية من إنتاجات المؤسسة العامة للسينما في سورية، لما لتلك الروايات من عمق إنساني والتصاق بالواقع، وتصوير دقيق للمعاناة الإنسانية، ولوقوفها إلى جانب المقهورين والمضطهدين، وفي ندائها من أجل الحرية والعدالة والتحرر من الظلم.

عن علي محمد

مدير التحرير