الخميس , 20 سبتمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 حديث الوطن: حوارات القاهرة.. وأهدافها بين سندان الوضع الإنساني ومطرقة التهدئة
حديث الوطن: حوارات القاهرة.. وأهدافها بين سندان الوضع الإنساني ومطرقة التهدئة

حديث الوطن: حوارات القاهرة.. وأهدافها بين سندان الوضع الإنساني ومطرقة التهدئة

بقلم: أبو عمر عضو اللجنة المركزية للحركة

               مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد – 723 )

في ظل الحراك السياسي الذي تشهده الساحة الفلسطينية، وخاصة لجهة حوارات القاهرة، والأسئلة الكثيرة التي تدور في ذهن أبناء شعبنا الفلسطيني عن جدية هذه الحوارات، وما هي النتائج التي سوف تخرج بها، وهل ستعود عليه بالآمال المتوخاة، التي ناضل واستشهد، وتحمل عذابات التشرد والجوع والحصار والدمار من أجلها، هي فعلاً أسئلة مشروعة من حق كل إنسان فلسطيني طرحها على نفسه أولاً وعلى من هم متحكمون بالقرار الوطني الفلسطيني ثانياً، بغض النظر عن مدى الاختلاف أو الاتفاق مع هذا الطرف أو ذاك.

ما يجعل الجمهور الفلسطيني يتساءل عن كل تلك الأسئلة، هو حجم القلق الكبير الذي يشعر به وينتابه، وخاصة أن العديد من المواقف والسياسات التي تعرض لها عبر مشوار نضاله الطويل لم تكن على مستوى تضحياته، لكن خطورة المرحلة الراهنة بما تعني من مشاريع تصفية للقضية الفلسطينية تثير الهواجس التي تجعله يعيش تلك الحالة، ويحترس من أي خطوة سياسية، وهو محق في ذلك، وله كل الحق في إثارة الشكوك حولها أيضاً، لأن الخطوات العملية في مسار التسوية (التصفية) آخذة بالتنفيذ من نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، إلى العمل على إنهاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وغيرها مما يتم تسريبه بشكل علني أو سري لاستكمال حلقات التصفية.

ولكن ما نريد الحديث حوله بداية هو تقييم السنوات الأخيرة وخاصة منذ عام 2005، والحوار الذي جرى في القاهرة، في ذلك الحين، وتم الاتفاق من خلاله على تشكيل إطار قيادي فلسطيني يتحمل مسؤلية إدارة دفة العمل الوطني الفلسطيني، والذي لم يجتمع يوماً، بل إنه لم يتشكل في الأساس، لأن الانقسام السياسي هو المسيطر على المناخ الفلسطيني ليس منذ عام 2006 وحسب، وبعد ذلك كرت سبحة الحوارات في أعوام 2006 و2011 و2012 و2014 و2017، ومؤخراً في الشهر الفائت، وجميع تلك اللقاءات لم تكن تفضي إلى أي خطوة عملية تتعلق في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني.

ولابد من إدراك مسألة أساسية، أنّ الحصار الظالم على قطاع غزة منذ اثني عشر عاماً يجب انهاؤه بالطرق التي تتناسب وحجم التضحيات التي قدمها شعبنا الفلسطيني جراء ذلك، كما أن ما قام به شعبنا الفلسطيني خلال الأشهر القليلة الماضية وتحديداً منذ يوم الأرض الفائت ضمن ما يسمى مسيرات العودة أربك الكيان، ومما زاد في إرباكه هو الابتكارات التي ابتدعها الشباب الفلسطيني من الطائرات الورقية والبالونات الحارقة التي أقلقت العدو الصهيوني من أعلى المستويات إلى أدناها وخاصة لجهة احتراق مساحات كبيرة من المزروعات في غلاف قطاع غزة الصهيوني والتي تقدر بستة آلاف فدان، إضافة إلى مسألة في غاية الأهمية ألا وهي سياسة الردع التي تقوم على معادلة الصاروخ بالصاروخ، وهذا أيضاً جعل الكيان في حالة حيرة من أمره في كيفية التعامل مع غزة وخاصة أن تجاربه العسكرية في معظمها لم تحقق غاياتها.

ومن جهة أخرى فإن الحصار الذي وقع على غزة، ساهمت به عدة أطراف فلسطينية وعربية وليست صهيونية فقط، فمعاناة المرضى من نقص الدواء سببه إغلاق معبر رفح، وانقطاع الكهرباء سببه «السلطة الفلسطينية» التي رفضت دفع المبالغ المستحقة عليها من أجل تزويده بالكهرباء من قبل الكيان الصهيوني، ووقف دفع مخصصات الشهداء والموظفين والأسرى قرار اتخذ من جانب سلطة رام الله، كما أنه مورس ابتزاز سياسي على قطاع غزة من قبل قطر من أجل القبول بالتهدئة مع الاحتلال الصهيوني، ولكن من جانب آخر فإن المعاناة في غزة لا تمس هذا الطرف فقط دون الطرف الآخر، أو هذه الفئة دون أخرى، فكل شعبنا الفلسطيني في القطاع هو محاصر ويعاني جراء ذلك، والذين يخرجون في تظاهرات العودة ليسوا من هذا الفريق أو ذاك، بل هم ينتمون لكل أطياف الشعب الفلسطيني، فقرار غزة ومصيرها ليس بيد هذه الفئة أو تلك، أو بيد السلطة أو سواها، بل هو بيد أبنائها والذين هم بالمحصلة جزء من الشعب الفلسطيني الذي تحمل بكافة أماكن تواجده من المخيمات الفلسطينية داخل دول الطوق وخارجها كل أنواع المعاناة من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية والحقوق الفلسطينية، وقدم من أجل ذلك التضحيات الجسيمة في مخيمات الأردن ولبنان وسورية وغيرها.

وحول المصالحة الفلسطينية والتي تمثل أحد العناوين الأساسية على جدول أعمال حوارات القاهرة، فإن المصالحة الفلسطينية التي اختبرت في أكثر من مكان وزمان (اتفاق الدوحة، اتفاق مكة، اتفاق الشاطئ) وغيرها باءت بالفشل، لأن معظمها كان يقوم على حل الخلاف بين فتح وحماس وليس على قاعدة المشروع الوطني الفلسطيني بكافة مكوناته، إضافة إلى سذاجة الحلول التي لم تلامس عمق الأزمة الوطنية وكأن الطرفين فقط هما المعنيان بالقضية الفلسطينية والآخرين يدورون في فلكيهما، لذلك فإن تلك الاتفاقات لم تصل إلى أي حل عملي يؤدي إلى وضع القوى الفلسطينية على سكة المشروع الوطني وخاصة إذا ما آمنا بمسألة أساسية تقول بأن لكل طرف من الطرفين المتخاصمين مشروعه الخاص إن كان لجهة السلطة أو لجهة المقاومة.

والحوار الفلسطيني الفلسطيني من حيث المبدأ مسألة في غاية الصحّة، وخطوة مهمة على طريق توحيد العمل والجهد في الساحة الفلسطينية، بغض النظر عن مشاركة هذا الطرف أو ذاك، لأن ما يعنينا هو النتائج التي سيصل إليها ذلك الحوار، فإن كانت تصب في المصلحة الوطنية فهي خطوة في الإطار الصحيح، أما إذا كانت الحوارات هي في سياق حل الاشكالات الثنائية بين طرفين فقط، فهذه ليست حوارات وطنية بل هي حوارات تقاسم وتحاصص ومن الطبيعي أن لا يكون الكل الفلسطيني معني بها، لذلك يمكن القول بأن الدعوة وجدول الأعمال والحضور يجب أن يكون في خدمة هدف واحد ألا وهو حماية مشروع المقاومة والنضال وتحسين الظروف المعيشية لأبناء شعبنا والارتقاء بالمشروع الوطني الفلسطيني على قاعدة استمرار الصراع والاشتباك مع الكيان الصهيوني.

ولابد في هذا السياق من طرح سؤال محدد حول توقيت الحوارات الراهنة في القاهرة لماذا الآن؟! وهل لها علاقة مع صفقة القرن أم لا؟! وبغض النظر عن دقة الإجابة على هذين السؤالين أو عدمها، فإنه لا يمكن فصل ذلك عن الواقع السياسي، وخاصة إذا ما علمنا بأن الكيان الصهيوني مهتم جداً بتلك الحوارات للخروج من أزمته التي تبدت بالخلافات التي ظهرت على السطح السياسي في الآونة الأخيرة، وانعقاد اجتماعات الكبينيت الصهيوني أكثر من مرة لمناقشة أوضاع غزة والسجالات السياسية الساخنة بين نتنياهو وليبرمان، بعد أن اضطرار نتنياهو لإلغاء زيارة كانت مقررة إلى كولومبيا، وكل ذلك يدلل على أهمية الحوارات بالنسبة للكيان  الصهيوني، ومن جانب آخر فإن صفقة القرن بعد أن خطت خطوات مهمة (نقل السفارة الأميركية والعمل على إنهاء وكالة الغوث) تحاول الآن إعادة ترتيب الأولويات في تنفيذ صفقة القرن، وتدوير الزوايا بما يحقق إمكانية التطبيق دون أية عراقيل.

وفي هذا الإطار فإن القوى  الوطنية الفلسطينية معنية بشكل مباشر في تعميق خطها الوطني الذي يحافظ على المشروع الوطني الفلسطيني  والذي يرفض أي سياسات تتنازل عن حق المقاومة تحت أي ذريعة كانت بمسميات الهدنة أو التهدئة أو غيرها، لأن ذلك خطأ سياسي كبير سوف يؤدي إلى مزيد من تشرذم المشروع الوطني وتعميق الانقسامات السياسية، لذلك لابد من أن يتحمل الجميع مسؤولياته الوطنية من خلال العمل على توحيد الجهد الفلسطيني في مواجهة صفقة القرن، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال إسقاط اتفاق أوسلو وإلغاء رسائل الاعتراف بالكيان الصهيوني، وإعادة إحياء المؤسسات الوطنية الفلسطينية وفق رؤية ثابتة تقوم على أننا مازلنا في أطار حركة تحرر وطني لا تعترف بأي اتفاقيات أو تهدئات أو هدن.

ومن جانب آخر فإننا في حركة فتح الانتفاضة نؤكد على موقفنا الراسخ والثابت من كل الاتفاقيات التي لم تجلب لشعبنا الفلسطيني سوى المزيد من التنازلات عن حقوقنا الوطنية الثابتة، بعد أن اختزلت مشروعنا الوطني بحكم ذاتي هزيل وتابع من الضفة الغربية وقطاع غزة، لذلك لابد من العودة إلى منطلقاتنا الأساسية التي تقوم على أن الصراع مع الكيان الصهيوني صراع وجود، وأن المقاومة هي السبيل الوحيد لتحرير فلسطين وعودة الشعب الفلسطيني إلى دياره الأصلية، ومن الضروري الحذر من كافة المبادرات المشبوهة من أي طرف كان تحت مسمى الوضع الإنساني لأهلنا في قطاع غزة التي من الممكن أن تؤدي إلى احتواء المقاومة وتمرير مشاريع الهدنة أو غيرها.

حديث الوطن: حوارات القاهرة.. وأهدافها بين سندان الوضع الإنساني ومطرقة التهدئة

عن علي محمد

مدير التحرير