الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 في مقام الوداع .. تحية لروح الشهيد أبو رامي
في مقام الوداع .. تحية لروح الشهيد أبو رامي

في مقام الوداع .. تحية لروح الشهيد أبو رامي

ناجي الناجي

( مجلة فتح العدد – 722 )

هو الغياب الذي يطرق الباب دوما ليختار أيقونات الصفاء و آيات الجمال و يحملهم و يذهب دون سابق إنذار أو وداع نرضي فيه رغباتنا باستنشاق آخر ما تبقى من ملامح وجه مقبل على الاندثار.

قبل أن أكتب بعض الكلمات التي تصف عنفوانك الذي يلامس جبال الجليل شموخا، كنت ككل أشجار بلادي الراسخة تأبى الموت إلا وقوفاً، و أنت بالتحديد تأبى الغياب رغم الرحيل.

تنادي مآذن المساجد بأنك ها أنت ترحل، و يصرخ الجوار الذين أحبوك بأنك لن تزورهم مرة أخرى، و يتداول الجميع خبر اعتلائك مكانة مرموقة من القداسة، لكنك مرة أخرى تأبى الغياب رغم الرحيل .

رحلت يا أبا رامي لكن ليس قبل أن تترك لنا موروثا واسعا من حكايات الرجولة و أناشيد البطولة و الفداء، و ليس قبل أن تجعل أمك فلسطين تفخر بأنك فلذة كبدها و ذلك بالتحديد ما يلامس مشاعرنا نحن، فكم يتداعى إلينا فخرٌ و عزُ كبير أننا كنا يوما متلازمين و إياك في نفس الخندق و الموقع والمخدع و الطريق الطويل المليء بالعقبات و العثرات والانتصارات.. و بينما كنت تسلك ذلك الطريق النضالي متلمساً بزاد من البصيرة و التفاني و الصبر على المحن طوال السنين ، إذ بالردى يقطع طريقك و يختطفك منا على حين غرّة أجمعين، و يتركنا نلملم خسائرنا الفادحة بفقدك الأليم، و نحتسب حجم الفاجعة الجمّة .

لم يكن أبا رامي بحاجة إلى اعتلاء المنابر على الدوام ليتمكن نظراؤه من معرفة حقيقة موقفه تجاه قضية من قضايا أمتنا ، بل كان قائداً ميدانيا جماهيريا تراه يخترق الصفوف و يطرح و يتقبل و يناقش و يقنع و يستخلص العبر و يأخذ منها الدروس..

لقد كان رجلا اتفق الجميع على طيبته و دماثته و بشاشة وجهه و حسن خلقه.. وبحجم حبه ذرفت الدموع  لرحيله.

من جلساتنا معه حول المدفئة المتقدة في شتاء بلادنا القارس نعلم أنه لو تحرك من مكانه برهةً لغاب معه ذلك الدفيء الذي انتظرنا ساعات حتى يصل إلى حالة المثالية و من سمرنا معه تحت الشجيرة التي تراوح أرضها من روعة الهواء الطلق في أيام الربيع ، نعلم أن هذا الهواء سيذهب معه حينما يعتزم الوداع.. كان يتلاعب بفصول جلساتنا و أجوائها ليس لامتلاكه تلك القوة الخارقة للطبيعة بل لأنه قادر بتأثير وجوده أن يدخل الراحة إلى قلوبنا و الطمأنينة إلى نفوسنا التي لم تستوعب بعد أنه قد لا يعود و يشاركنا أياً من جلساتنا هذه.

أبا رامي.. هو الوفاء للفكرة التي حملتها و لن تموت، هو الإخلاص للعقيدة التي جسدتها بكل تقديس، هو العرفان للمسيرة البطولية  المشرفة، هو الاحتذاء بالطريق الحق الذي سلكته دونما حياد و دونما هوان.

سنقول أنك شهيد.. شهيد حق.. لأنك شمعة متوهجة أضاءت و أضاءت حتى انطفأ بريقها فجأة بنفثة غادرة سرقت منا نور العينين و ألقت وشاحا أسودا على صورة قد غابت إلى الأبد.

اليوم هو الوداع التقليدي الجماهيري، بينما لا وداع لأبو رامي من قلوبنا و نفوسنا و ضمائرنا.. لا وداع للروح التي تعملقت و تجمهر حولها الملائكيون.

عن علي محمد

مدير التحرير