الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: ومازال الحريق مستمراً
شجون فلسطينية: ومازال الحريق مستمراً

شجون فلسطينية: ومازال الحريق مستمراً

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 722 )

للذاكرة الفلسطينية وفي لحظتها الفارقة الآن، أن تستعيد حدثاً بعينه، ولعلها جملة أحداث بعينها مازالت في سياق الصراع المفتوح مع الغزوة الصهيونية الاحلالية والتوسعية، تلك التي استهدفت الأرض كما الإنسان استهدفت الرموز المقدسة، لتطاول الذاكرة الإنسانية، ومفردات ومكونات الهوية، ولا يخرج هذا السياق في الاعتداء على الذاكرة والتاريخ والإنسان، عما اقترفه الغزاة الصهاينة، من محاولتهم إحراق المسجد الأقصى، في الحادي والعشرين من آب عام 1969، حينما شبَّ –آنذاك- حريق ضخم في الجناح الشرقي للجامع القبلي الواقع في الجهة الجنوبية للمسجد الأقصى، لتلتهم النيران كامل محتويات الجناح، بما في ذلك منبره التاريخي المعروف بـ منبر صلاح الدين، الحريق الذي هدد قبة الجامع الأثرية المصنوعة من الفضة الخالصة، لم يكن الصهيوني مايكل دنيس روهن وحده من افتعل هذا الحريق، بل كانت التعاليم الصهيونية التلمودية  بنزعاتها الإرهابية، من دفعت ذلك (المجنون) إلى اقتراف ما اقترفه.

حدث ليس بوسع الذاكرة أن تتجاوزه، لطالما كان الحفر أسفل المسجد الأقصى ما يزال مستمراً، ليس حفراً بالأرض فحسب، بل في الذاكرة الجمعية من أجل فصم عراها، حفر في الهوية من أجل تشظيتها، واستنبات أوهامهم، في هذه البرهة –المُستعادة- ثمة ذاكرة فلسطينية مازالت تقاوم وتنافح عن وجودها، هي ذاكرة أهل هذه الأرض المنغرسون بها، والذين قُدّت عظامهم من صخورها، ليظلوا راسخين في الأرض، رسوخ مقاومة عتيدة ومستمرة، لم يطأ الحريق أرض الذاكرة ولن يُحيلها إلى النسيان.

أرض كانت عناوينها وما تزال تستنبت الهبات والثورات والانتفاضات، وحراك التاريخ الفاعل، لا التاريخ المُعطَّل بفعل من ذهب لحبر تواقيع ذميمة.

كان آب يتقرى ناره على مهل، كذلك الأرض تنفر في هباتها وثوراتها، فكيف إذن تحدّث أخبارها، بأن الفدائي  أوحى لها: بأن قومي انتصاراً للإنسان، انتصاراً للعدل الشريد، كانت نجمة في فضاءات التاسع من آب عام 1929، لتندلع ثورة البراق، وحراك أهل القدس بل أهل فلسطين في المواجهة الضروس، مع من سكنتهم الأوهام بحائط المبكى، ليقيموا طقوسهم، هو حائط البراق، لتمتد المواجهات من الخليل إلى بئر السبع جنوباً حتى صفد شمالاً، لكن المواجهة اتسعت مع سلطات الانتداب البريطاني، الذي مالئ الصهاينة وحاكى نزعاتهم بتهويد الأرض، وسعيهم إلى تهويد اللغة.

إذن لم يكن ما حدث عابراً، لأنه كان مجمراً تكثفت فيه شرارات كثيرة، ليتصل الماضي بالحاضر وتقوم الأرض من جديد في مواجهات يوم النكبة، وبمسيرات العودة التي ذهب على مذبحها شهداء حملوا راية شهداء البراق إلى زمنهم، وحملت فلسطين راية وجودها إلى المستقبل.

ومازال الحريق مستمراً..

رغم تغول الصهاينة وسعيهم لتكون هذه السيرة، سيرة المحذوف من الذاكرة، ذهبت الأرض لقدرها بمشيئة شهدائها وشهودها وأجيالها الذين استنبتتهم الشمس فوق ترابها، وعداً على رمح محارب، ونشيداً ملأ الصدور، لتصير على الأرض حروف نار، ما تلبث الأجيال تتوارثها، لتكتب سيرة فلسطين في أفق حاضر قادم من المستقبل، وليس فقط من يذهبوا إليه، ومازالت جدران الأقصى التي غُسلت ذات يوم بماء الورد، وظلت فيها خطا المقاومين الأوائل، فرسان ذاكرتنا الشهية، تستصرخ: وا مقاوماه… ظلَّ المقاوم في نسيجها ثقافة وحياة، ظلَّ لغة عصية على غزاة لا يقرأون، غزاة/ قتلة ينكفئون أمام حوار النار بالنار، والأرض تمتصهم ليذهبوا فيها محض غبار، محض ظلال لا ظلال لها.

قال الأقصى: كم أرنوا لخيول النصر، ولبيرق هو نسيج من دم الشهداء وحضارة هذه الأرض، لأولئك المترعون بالغضب والمضروجون بالقيامة، قيامة الأرواح التي سكنت هذه الأرض من أزل التاريخ إلى بداية التاريخ، كم امتلأت السنابل بحباتها ووقفت شامخة صلدة أمام رياحهم، ونسغها الأخضر مازال في رحم البنادق، كل البنادق بوصلة لفلسطين.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير