الخميس , 20 سبتمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 (مجتمع يقرأ. مجتمع يبني.. ويرتقي)
(مجتمع يقرأ. مجتمع يبني.. ويرتقي)

(مجتمع يقرأ. مجتمع يبني.. ويرتقي)

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 722 )

يمكن القول بأن معرض الكتاب الدولي وفي دورته الثلاثين، وفي مكتبة الأسد الوطنية، بات يشكل علامة فارقة في المشهد الثقافي السوري، وليس بسبب استمرار انعقاد هذا المعرض، والذي انقطع نسبياً ثم عاد، بل لأنه حافظ على قوامه الثقافي في ظروف الحرب على سورية وما تعنيه هذه الحرب من دلالات على المستوى الاجتماعي والثقافي والفكري، ولا سيما على الكتاب الذي واجه تحدٍ مزدوج، الحصار من جهة، وبالمقابل تحديات الكتاب اللالكتروني وأفول الكتاب الورقي، فضلاً عن تراجع القراءة لأسباب كثيرة.

وبهذا المعنى فإن معرض الكتاب هذا العام شكل حدثاً ثقافياً بامتياز، متزامناً مع انتصارات الجيش العربي السوري ودحره للإرهاب، وجلاء الأزمة وعودة الحياة الطبيعية على معظم الجغرافيا السورية، ولهذا الأمر علاقة بالاستقرار وعودة ما كان ناجزاً في الحياة الثقافية، ومنها معرض الكتاب وبوصفه فرصةً ليس لتنشيط القراءة فحسب، بل تكريس القراءة المعرفية واستعادة القارئ، وحفلات توقيع الكتب، ولقاء المثقفين والمبدعين على هامش المعرض، والندوات الموازية الإبداعية والفكرية، مما يحيلنا للقول بأن ثمة رافد جديد للوعي عاد وبصورة أكثر شمولاً على الرغم من ظروف الحصار مازالت قائمة على الكتاب وتبادل المطبوعات مع الدول العربية كما كان هذا الأمر في السابق، ومما قد يلحظه المرء في هذا السياق هو اضطلاع دور النشر الوطنية بأدوارها، أي في توفير الكتاب بأسعار معقولة تتناسب مع الدخول المتوسطة، والدلالة الأكثر سطوعاً هو حجم المطبوعات لمؤسسات وطنية راسخة بتقاليدها الثقافية من أمثال الهيئة العامة السورية للكتاب، واتحاد الكتاب العرب، ودور النشر المحلية، التي توقفت قسرياً ثم عادت إلى الحياة.

أن تدور عجلة القراءة هذا يعني أننا أمام استحقاق معرفة ستتبدى نتائجها في مستوى التفاعل الخلاق وصولاً إلى تخصيب القراءة بألوان المعرفة لا سيما ما يبدعه الأدباء الشباب ذوو الحساسيات المختلفة، والذين شكل لهم المعرض فرصة لتلقي إنتاجاتهم وتبادلها، وهذا التبادل بطابعه الثقافي/ الاجتماعي ما يعول عليه بالنهوض بأسئلة الثقافة، وإعادة الاعتبار لها بوصفها كانت عنوان الحرب على سورية، أفكاراً ومصطلحات وسوى ذلك.

ورغم ما يقال عن الصعوبات الكثيرة التي واجهت صناعة الكتاب في سورية، نظراً لظروف ذاتية وموضوعية، لكن الكتاب كسب الرهان بعودته إلى ساحة التلقي المجتمعي والذي يعبر عنه، بالمعادل التالي، أي الوعي الجمعي، ارتقاءً وبناءً لا نعدم تأثيره على الشخصية، ومنه إلى المجتمع بكل مكوناته وشرائحه.

فثقافة الأسئلة المنتجة والتي يتيحها معرض الكتاب في استمراره وديمومته، هي إحدى المعطيات الضرورية لاجتماع القارئ والكتاب والكاتب والمؤسسة المعنية في ذلك الطقس الاحتفالي المبهج، لكنه الأكثر فعالية في مشهد يتعافى تدريجياً ليستعيد صورة المثقف الجديد، وحامله المعرفة والوعي، إذ إن أسئلة الوعي هنا، هي أسئلة حياة ثقافية برمتها تستعيد أدوارها وتقاليدها المؤسسة على المفاهيم النبيلة، الوطن والهوية والبناء، لتصبح مبادئ يرتقي إليها ويعمل عليها المثقفون الفاعلون في الحياة الثقافية والذين من شأنهم أن يرتقوا بطرائق التفكير، من أجل خلق ثقافة حقيقية لا ثقافة عابرة، ثقافة ساءل لتغير وتبني وتعيد الألق للكتاب، ليكون رافعاً للمعرفة ومؤثراً في المجتمع، وليست المسألة هنا مضاعفة الخوف على تأثير الكتاب الالكتروني،بل ينبغي ترشيده جنباً إلى جنب مع الكتاب الورقي، لتتكامل دورة المعرفة استجابة لتحديات الحياة المعاصرة واستحقاقاتها الكثيرة.. أن نعود للكتاب لعلها عودة الوعي أولاً، الكتاب بوصفه كائناً لغوياً وهو الأكثر حميمية لدى القارئ بطقوس قراءته وتنوع عادات قراءته، فهو ما يزال أحد بناة الروح حينما تتحاور عقول وتتراسل ثقافات إنسانية بمعطيات الحضارة والتاريخ.

 

عن علي محمد

مدير التحرير