الأربعاء , 22 أغسطس 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 التسخين الصهيوني على قطاع غزة الدلالات والتوقيت
التسخين الصهيوني على قطاع غزة الدلالات والتوقيت

التسخين الصهيوني على قطاع غزة الدلالات والتوقيت

بقلم: ياسر المصري/ عضو اللجنة المركزية

مسؤول الاعلام والدراسات الفلسطينية

( مجلة فتح العدد 721 )

شهدت الأيام القليلة الماضية توتراً واضحاً على الجبهة الجنوبية لفلسطين المحتلة، بعد حالة من التجاذب المسلح بين الفينة والأخرى، وبعد ثلاث حروب شنها الكيان الصهيوني خلال العشر سنوات الماضية، لم يفلح من خلالها في كسر إرادة المقاومة والصمود لشعبنا الفلسطيني في قطاع غزة ولم يتمكن من نزع سلاح المقاومة أو القضاء على فصائلها، فكان في كل عدوان يعود بخفي حنين من الشعارات والأهداف التي كان يعلنها، لكن التوتير الأخير من جانب الكيان الصهيوني والعديد من اللقاءات والزيارات العربية والدولية يحمل في طياته أبعاداً سياسية، وإن كان مغلفاً في إطار إنساني، يشير إلى أن وراء الأكمة ما وراءها، ومن أهم أهدافه تمرير صفقة القرن من خلال بوابة غزة كقاعدة مركزية للبدء في تنفيذها وفق سيناريو يقوم على تسمين غزة بمشاريع مغلفة، يريدها البعض سنغافورة جديدة.

لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الوضع الإنساني الكارثي والمأزوم الذي يعاني منه شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة والذي يقدر عددهم بمليوني فلسطيني محرومين من الماء والدواء والكهرباء وكل مقومات الحياة الكريمة  وهذا ليس بجديد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا الآن يتم تسليط الضوء على الوضع الإنساني؟!! علماً بأن قطاع غزة محاصر منذ اثنا عشر عاماً، ولم نسمع أي صوت عربي أو غربي يتحدث عن ذلك، لكن اليوم هناك العديد من الدول الغربية والعربية تريد أن تنهي ذلك الحصار وتقدم المساعدات والتبرعات من خلال مشاريع عديدة أهمها مطار جوي، وميناء بحري، ومحطة كهرباء عملاقة وجميعها تقام على أرض سيناء.

من الواضح أن هناك تخبطاً صهيونياً إزاء الوضع في غزة، بسبب ما يجري من تصعيد للنضال الشعبي الفلسطيني، من خلال مسيرات العودة الإسبوعية على الشريط العازل، إضافة إلى الطائرات الورقية والبالونات الحارقة، التي أحرقت العديد من مزارع المستوطنات الصهيونية في غلاف غزة، مما شكل حالة رعب وغضب لدى المستوطنين على حكومة نتنياهو، الذي صعَّد بدوره من غاراته وهجماته على قطاع غزة ولكن المقاومة ردت على ذلك من خلال معادلة القصف بالقصف حيث وصل عدد الصواريخ التي سقطت على المستوطنات في يوم واحد (180 صاروخاً)، وذاك زاد من إرباك حكومة الكيان، ولم يبق أمامها سوى الدخول في معركة برية لكن ذلك مكلف، وهذا ما عبَّر عنه المحلل الصهيوني بن كسيبت في صحيفة معاريف حيث قال: «لا أحد مستعد لإرسال الجيش الإسرائيلي إلى داخل القطاع ودفن سبعين جندي إسرائيلي بسبب الطائرات الورقية والبالونات الحارقة».

لكن الأهم من ذلك هو السؤال الذي طرحه اللواء عاموس بادلين رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي»، حيث قال: السؤال الإستراتيجي هو ماذا تريد دولة إسرائيل أن تنجز مقابل قطاع غزة، وهذا السؤال يلخص ما يجري في هذه الآونة على صعيد التوتير الحاصل على قطاع غزة، فالمطلوب صهيونياً توفير وتهيئة الأجواء اللازمة لتمرير صفقة القرن التي بدأت بالتنفيذ من خلال نقل سفارة أميركا إلى القدس المحتلة وتشديد الخناق على وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين التي بدأت بتقليص خدماتها في قطاع غزة تحديداً، لقناعة تامة لدى الولايات المتحدة الأميركية ممثلة برئيسها «ترامب» والكيان الصهيوني بأن الحل يجب أن يبدأ من قطاع غزة، كون الضفة الغربية هي تحت السيطرة الصهيونية والمشكلة ممكن أن تحل عبر تبادل الأراضي وبقاء المستوطنات،  والقدس كما تشير المعلومات إلى أنها أصبحت وحدة إدارية واحدة تحت السيطرة الصهيونية، ومشكلة المقدسات الإسلامية يمكن أن تحل عبر نفق تحت الأرض أو فوقها يصل ما بين أبو ديس والمسجد الأقصى، والعاصمة الفلسطينية هي العيزرية وأبو ديس وسلوان.

لكن المشكلة الرئيسية لدى الكيان الصهيوني تتعلق بسلاح المقاومة التي حاولت مراراً نزعه من خلال الاعتداءات التي شنتها أعوام (2008، 2012، 2014) ولم تفلح في ذلك، واليوم هي عاجزة أيضاً، وإحدى الدلائل على ذلك مقتل ضابط من ضباطها الصهاينة على الشريط العازل ولم تحرك ساكن وهذا ليس من طبيعة الكيان، وبقاء السلاح في غزة يُصعّب على نتنياهو وحكومته هضم أي حل دون نزعه، وكما أسلفنا فإن شن أي حرب جديدة قد لا تؤدي إلى تحقيق ذلك الهدف، فما هو السبيل للتخلص من ذلك السلاح؟، وهل هناك طرق جديدة للضغط على المقاومة؟، ومن الذي سيقوم بذلك؟، فلقد سمعنا بالآونة الأخيرة عن أن بعض الدول العربية نقلت رسائل إلى قطاع غزة مفادها التلويح بعدم قدرتها على منع الكيان الصهيوني من القيام بعمليات اغتيال  شخصيات قيادية في المقاومة، إضافة إلى أنها لن تتمكن من المساعدة في إعادة إعمار غزة في حال تدميرها من قبل العدو الصهيوني.

ومن جانب آخر لا يمكن فصل ما يجري في المنطقة عن تطورات القضية الفلسطينية وصفقة القرن وخاصة أن الكيان الصهيوني وأميركا لديهما قناعة راسخة بأن الصفقة لا يمكن أن تمر في ظل تنامي قدرات محور المقاومة وانتصاراته التي حققها في لبنان، واليوم يحققها في سورية واليمن، وهذا يتطلب البحث عن آليات لاستنزاف وتهشيم محور المقاومة الذي تلعب فيه إيران دوراً مركزياً وإستراتيجياً، لذلك نجد اليوم الهجوم الكبير على إيران من كل ما يسمى المحور الأميركي في المنطقة وفي مقدمته دول الاعتدال العربي التي تتزعمه السعودية من أجل تقويض الدور الإيراني وذلك من خلال تنفيذ ما تطلبه الولايات الأميركية الأخيرة على إيران، إضافة إلى الضغط على الشركات الأوروبية المتعاملة مع إيران وصولاً إلى العمل الدؤوب من أجل تخفيض سعر برميل النفط الخام في العالم.

ولكن يبقى الدور الفلسطيني هو الأهم في إفشال وإسقاط صفقة القرن وخاصة بعد الاجراء الذي اتخذه الكنيست الصهيوني بإقرار قانون يهودية الدولة والذي أصبح نافذاً مما يشكل خطراً إضافياً على شعبنا الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 1948، الذي أصبح بفعل ذلك القانون مواطنون من الدرجة الثانية، إضافة إلى اعتبار القدس وحدة إدارة واحدة، والمستوطنات هي جزء من العقيدة الصهيونية الواجب حمايتها وتسهيل الهجرة اليهودية إليها، وبذلك يكون الكيان الصهيوني قد حدد بشكل واضح مشروعه الصهيوني العنصري التوسعي لمن لم يعرفه سابقاً أو بالأصح لمن تعامى عن معرفته.

وذاك يتطلب أيضاً من القوى الفلسطينية العمل الجاد والدؤوب لإسقاط اتفاق أوسلو وإلغاء الاعتراف بالكيان الصهيوني كنقطتين مركزيتين يمثلان الرد الطبيعي بحدوده الدنيا على تلك الإجراءات، ومن جهة أخرى فإنه من الضروري العمل على مواجهة خطورة صفقة القرن التي ستفضي بالنهاية، إلى تصفية القضية الفلسطينية وطمس حقوق شعبنا الفلسطيني، لذلك لابد من إعادة بناء المشروع الوطني على قاعدة الثوابت الوطنية المنطلقة من الميثاق الوطني الفلسطيني بما يؤسس لإعادة انتاج مشروع الثورة الفلسطينية الذي حاول البعض تحويله إلى مشروع دولة وهمية في السنوات الأخيرة، كما أنه من الضروري البحث عن قواسم مشتركة لعمل وطني جاد بعيداً عن أوهام التسوية أو أي سلطة تؤدي إلى ضرب وحدة الشعب الفلسطيني.

عن علي محمد

مدير التحرير