الإثنين , 17 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 التوأمة النضالية بين الثورتين الفلسطينية والجزائرية
التوأمة النضالية بين الثورتين الفلسطينية والجزائرية

التوأمة النضالية بين الثورتين الفلسطينية والجزائرية

موسى مراغة

( مجلة فتح العدد 721 )

كانت الثورات دائما محفزاً للشعوب المظلومة لتنتفض على غاصبها، من أجل تحرير الأرض واستعادة الحقوق، وتحقيق الاستقلال من رجس العبودية والظلم والعدوان.

وكانت الثورة الجزائرية إحدى هذه الثورات التي اتخذها كل من يتوق إلى الحرية نبراساً يقتدى به.

بدأت ثورة التحرر الجزائرية في نوفمبر عام 1954، بأربعمائة مقاتل جزائري، وما لبثت بعد عام أن أصبح عدد المقاتلين 4 ألآلف، ولكن هذا العدد لم يكن كافياً من أجل التحرر من استعمار عسكري وثقافي استمر 132 عاماً إلا أن تلك الشرارة الجزائرية الأولى أثرت بشكل مباشر على الوعي الفلسطيني، بعد أن كان قد مضى على نكبتهم 6 سنوات، وهم يرون بعض ألاف من الجزائريين يخوضون حرب العصابات، ويواجهون مليون جندي فرنسي مدججين بالسلاح وبترسانه عسكرية متطوره.

لقد رأى الفلسطينيون أن حرب العصابات التي اندلعت في الجزائر، قد أفادتهم إفادة عميقة، فقد كانوا مأخوذين بسريه الوطنيين الجزائريين الذين استطاعوا أن يشكلوا جبهة صلبة، وأن يخوضوا المعركة ضد جيش دولة يفوق عددهم ألف مرة، وأن يحصلوا على معونات متعددة الأشكال من مختلف البلدان العربية، وكان لافتاً في هذا المجال الوقوف الشعبي المؤيد للثورة الجزائرية والذي تمثل بالتبرعات اللامحدوده،  وأضافة إلى المظاهرات التي اجتاحت شوارع المدن العربية المؤيدة للثورة الجزائرية. كل ما تقدم كان حافزاً للفلسطينيين أن يبدؤا جدياً بالتفكير لتأسيس حركات ثورية مهمتها أطلاق ثورة مسلحة على غرار الثورة الجزائرية.

أن أخطر ما عاناه الشعب الجزائري طوال 132 عاماً من الاستعمار الفرنسي هو حالة التشكيك في أصله وماضيه وفي شخصيته الوطنية والقومية، وعندما قامت الثورة في 1954، أعادت الثقة للشعب الجزائري بنفسه وأكدت أصالته التاريخية والحضارية، أن تلك الثقة هي حجر الأساس لأي مشروع تحرري، إضافة إلى الأيمان بتحقيق الانتصار.

لقد كان انتصار الثورة الجزائرية ضربة قاسية لقوى الاستعمار والامبريالية في العالم، فلم يكن أحد يتوقع أن يأتي يوم يرى فيه هذا الشعب الذي لم يتعرض شعب في العالم لما تعرض له من مسح لعقيدته ومحو أصالته، ، ولم يتوقع أحد أن يرى هذا الشعب نور الحرية وأن يقهر فرنسا ذات الحول والقوة وقد أنجزت الأمة معجزتها هذه بمجموعة من الشباب صمم أن يهرق دمه على أرض الحرية، وأن لا يرضى بالدونية والتبعية والذوبان في المستعمر والتسليم له. واستطاع شعب بهذه الإمكانيات البسيطة والعوائق الجمة أن يواجه قوى امبريالية متغطرسة متعطشة للدماء، شحذت قواتها واستعانت بأحلافها من أجل تركيع الشعب وإذلاله والاستحواذ على الأرض وعلى مقدراتها.

فقد استطاعت هذه الثورة أن تسقط الفرق في ميزان القوة من معادلة الشعوب المستضعفة في وقوفها في وجه الطغيان والامبريالية، وحين تم إعلان استقلال الجزائر بعد ثورة تواصلت نحو ثماني سنوات قدم فيها شعب الجزائر أمثوله هزت العالم أجمع، وشكلت مفصلاً في تاريخ شعوب أسيا وإفريقيا. اذ بدأ أن هذا الشعب العظيم بنضاله وصموده وضع النهاية الحاسمة لواحدة من أهم وأخطر تجارب الاستعمار الاستيطاني وأن يحمل فرنسا على الاعتراف والتسليم بهزيمة مشروع استعماري بلغ 132 عاماً بعد محاولات استعمارية حثيثة  من أجل الحاق الجزائر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً بالدولة الاستعمارية.

ولعل من الأهمية الإشارة إلى مسألة الاختلاف في وجهات النظر بين الجزائريين، وخاصة بين رفاق الدرب ، وإضافة إلى مسلسل محاولات التأمر الداخلية والخارجية، إلا أن قادة الثورة الجزائرية أبقت صراعات القادة منضبطة ضمن حدود وحدة الصف طوال سنوات الكفاح، ولم تدخل الثورة في معارك هامشية تؤثر سلباً على مسار الثورة بشكل عام.

قامت الثورة الجزائرية على أساس الواقعية الثورية، وهي تطور جديد على صعيد حركات التحرر، وهو ما استفادت منه الثورة الفلسطينية، فقد لجأت قيادة الثورة الجزائرية إلى الاعتماد على النفس في ظل الحصار العسكري الذي فرضته فرنسا على الحدود الشرقية والغربية  وراحت تضاعف الجهود في مجال صنع المتفجرات ورفعت شعار «سلاحنا نفتكه من عدونا» وهو شعار أتى بنتائج، ايجابية أن التشابه الكبير بين الثورة الجزائرية والفلسطينية، حيث كان الاستعمار الفرنسي يعتبر الجزائر قطعة من فرنسا، وكان يهدف إلى أن يقطع أوصال المغرب العربي، وكذلك في فلسطين عندما قامت دول الاستكبار والاستعمار العالمي بغرس دولة الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، وكان يسعى إلى الاستغلال الاقتصادي والهجمة على المنطقة وأن يفصل بين أقطار الشرق العربي ويقطع الطريق على وحدتها.

لقد أظهر الشعب الجزائري عداء غير مسبوق للكيان الغاصب في فلسطين، في هذا المجال يقول الخبير والمحلل السياسي الصهيوني «عاموس هرئيل» «الجزائريون من أكثر الشعوب العربية كرهاً لدولة «إسرائيل» وهم لديهم الاستعداد للتحالف مع الشيطان في وجهها، إنها كراهية عجزنا عن إزالتها طيلة عقود طويلة، كما أننا فشلنا في القضاء على هؤلاء الأعداء الذين لم ندخر جهداً من أجل دحرهم والقضاء عليهم».

أن النماذج الكبيرة التي قدمتها الثورة الجزائرية والثورة الفلسطينية على طريق التحرر والكفاح من التضحيات وقوافل الشهداء جمعت بين الثوريين في دائرة الشعور الإنساني المشترك والارتباط المصيري، حيث ترى الجزائر «بلد المليون شهيد» في الثورة الفلسطينية صورتها الأخرى.

أن الثورة الجزائرية كانت وستظل ويجب أن تبقى أمثولة تحتذى في الثورات المناهضة للاستعمار والاستكبار العالمي. وخاصة للثورة الفلسطينية المعاصرة. فإن احتلال الجزائر على مدى 130 سنة لم يفت من عضد الثورة ولم يدخلها في دائرة اليأس والإحباط والتخاذل. وبقيت تلك الثورة مشتعلة على امتداد الأرض الجزائرية رغم تفاوت موازين القوة. وكذلك في الثورة الفلسطينية التي انطلقت بجهود متواضعة، ولكنها وبعد انتصاراتها المتتالية والاحتضان من قبل الشعب الفلسطيني والجماهير العربية ومن دول التحرر العربي وفي مقدمتها سورية العربية ومصر عبد الناصر والثورة المنتصرة حديثاً في الجزائر أعطاها زحماً وعنفوناً.

وعندما دخل قادة الثورة في الجزائر في فترة محددة وخاضوا تجربة المفاوضات مع المستعمر الفرنسي، كانت تلك المحادثات بين المفاوضين تحكمها الندية ، وكان الثوار يواصلون مهاجمتهم للقوات الفرنسية المستعمرة، وهذا ما كان يغيظ المفاوض الفرنسي ويطلب أن تتوقف الثورة في أثناء المفاوضات إلا أن قادة الثورة لم يعيروا هذا الطلب أية اعتبارات. حتى أنهم كانوا يتجنبون مصافحة المفاوضين الفرنسيين عندما كانوا يلتقوا في بداية الجلسات.

أن هذه الدروس يجب أن تكون عبرةً لأولئك الفلسطينيين الذين حرفوا بوصلة النضال الفلسطيني، واعترفوا بالعدو وشرعنوا وجوده فوق الأرض الفلسطينية، وخاضوا معه مفاوضات لا نهاية وبدون أية مطالب محددة.

أن تلك الزمرة التي اختطفت منظمة التحرير وأفرغتها من مضمونها الكفاحي بإلغاء الميثاق الوطني وعقدت اتفاقيات الذل والعار، وحاربت المقاومة، وجرمت المقاومين وأدخلت قضية الشعب الفلسطيني في دهاليز مفاوضات لا نهاية لها كل ذلك أصاب الثورة الفلسطينية وأهدافها ومنطلقاتها في مقتل. ولكن رغم ذلك، لازال هناك شعب فلسطين يقاوم، ولا زالت قوى حية في أمتنا ترفع شعار الكفاح المسلح حتى لا تموت تلك الفكرة، ولا زال شباب وفتيان وفتيات فلسطين يجترحون أساليب النضال والكفاح، مما يعجز العدو عن إيقافها والحد منها رغم بساطتها. أن شعلة الثورة الفلسطينية ستظل متقدة وفي أدبياتها انتصارات الثورة الجزائرية التي حققت انتصارها رغم سنوات الاستعمار الفرنسي الطويلة، وستكون تلك الثورة وانجازاتها نبراساً للمناضلين والشرفاء في الشعب الفلسطيني، بان الثورات لا تموت بالتقادم وستبقى راية النضال مشرعة وستظل دماء الشهداء تنادينا أن الثورة يجب أن تستمر لانجاز التحرير والعودة وتحقيق الانتصار.

 

 

 

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير