الأربعاء , 22 أغسطس 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: من الخان الأحمر… هنا فلسطين
شجون فلسطينية: من الخان الأحمر… هنا فلسطين

شجون فلسطينية: من الخان الأحمر… هنا فلسطين

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد 721 )

لأنها فلسطين، ولأن كل جزء منها يعني اكتمال أجزائها، منذ أن سطعت عليها الشمس وأورق على حجرها أول زهر ربيعي، ولأن أسمائها –فلسطين- تُعد وتُحصى، فهي فاتحة كل النهارات الآتية من الذاكرة وإلى الذاكرة، فكم سعى الغزاة إذن لتمزيق تلك الأوصال ليختزلوها بعنوان ليس عابراً (الخان الأحمر)، والقصد منه هو تهجير أهلنا من مسقط أرواحهم إلى التيه، واغتصاب أرضهم واستيطانها بالمستوطنات تماماً كما يجري على كل بقعة في الوطن السليب.

ليست فلسطين كما أرادها الغزاة (سجناً مفتوحاً) بل هي فضاء للحياة وللمقاومة، فضاء لآخر الطلقات في بندقية المحارب، ولآخر كلمات النشيد في حنجرة المغني، أرادوا فلسطين جزراً معزولةً ليسبغوا توهمهم بيهوديتهم العابرة للأرض والذاكرة والتاريخ، والأرض من تتكلم العربية منذ أول حجر فيها بنى بيتاً من الأجساد، ومنذ أول حرف في الأبجدية بنى أسفار الفلسطينيين ليكونوا أول المقاومة، فهم أبناء الحياة الذين ظلوا في الأرض…. هناك يرثون ماضيهم ومستقبلهم ويجترحون ثقافة الحياة بطريقتهم هم، ولعلها الطريقة التي كانت أول درس للعالم في ثقافة الإنسان المقاوم وآخر الدروس حينما تصبح المقاومة شكلاً من أشكال الحياة.

ظل الخان الأحمر علامة شأنه شأن القدس وغزة وبيت لحم وحيفا وما امتد من أرض لن تغيب عنها الشمس، هكذا قال التاريخ وتداولته الأيام، ليصبح للفلسطيني كينونته وهويته التي لا تتجزأ تاريخاً وجغرافيا، بل فكراً وثقافةً وسلوكاً ونهج حياة.

كانت النسوة وهنَّ يقارعن الغزاة، أولئك الماجدات الفلسطينيات-العربيات اللاتي ورثن من أبائهن وأجدادهن معنى الجسارة، ومعنى الجدارة بالحياة، وكنَّ شأن سائر النسوة وأجيالهن خط الدفاع الأمامي عن الخان الأحمر وسواه، إذ إن الخان الأحمر هو القدس والأقصى وفلسطين كلها، من بحرها إلى نهرها، ومن مقاومها إلى شهيدها، ومن شاهدها إلى مدون يومياتها، إلى أطفالها الذين ورثوا التحدي، إلى شبابها وشاباتها الذين قارعوا العدو بما امتلكوا من إيمان بأن الأرض لهم،وأن الأرض تُورَث كالأسماء، كل الأسماء.

وقالت الأرض إني وجوهكم وقبلة أرواحكم ومسقط أحلامكم، ومشيئتكم أن تحملوا كل ذرة مني، لترسموا صورة الوطن، وكل ذرة هواء لتتنفسني الحياة، وما أكملكم في صورة الفدائي الذي يجعل من التراب جسده، ومن الأشجار قامته، ومن عروق السنديان نسغه، فهو من يشعل زيت المصابيح بدمه، صار دمه نهاراً طالعاً، ليكتب ذاكرة جديدة تليق بالأحياء/ الشهود، وتليق بمن مروا خفافاً وثقالاً ليسكنوها أبداً، ولتكون هويتهم المطلقة انتماءً وتجذراً.

وكيف يكتب التاريخ سطوره في الملحمة المستمرة، في تراجيديا الفلسطيني حارس الحلم وباني الذاكرة، وللتاريخ إذن أن يستجمع كل الحكايات ليرويها في غير زمن، بل ليكون شاهداً عليها، شاهداً على الروح الجديدة التي نهلت من أرواح من سبقوا ومن عبروا.

وقال الحلم هي الأرض كلها بأسمائها واسطة عقد الروح، فكيف للفلسطيني إلا أن يكون القيامة والبشرى، بأن يظل قمراً طالعاً في الليالي المدلهمة، ونجماً توزعه كف السموات ليظل مضيئاً عتمتنا، فيا ليل فلسطين انصرف، فقد بان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وكم ارتقت أرواح لتعيد للسماوات انتصابها، وتظل النجوم فيه هي حيوات كل من عبروا ومن ظلوا هناك يحرسون ضوء أرواحنا.

تتسع كل الهبات والمواجهات في اللوحة الأكمل فلسطين، توحد الأسماء والصفات والأفعال في ديوان الأرض، وللأرض كل أعراسها، هو حديث الشهداء الذين ارتقوا لاسمها، ومواويلها الملونة بوهج الأرواح، وبوهج روح المحاربين الذين لم يناموا، وماانفكوا ساهرين في ضوء نجمتها، نجمة صبحها الجميل فلسطين.

 

عن علي محمد

مدير التحرير