الإثنين , 19 نوفمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 حديث الوطن: صفقة القرن.. مشروع لن يكتب له النجاح ومحكوم عليه بالفشل
حديث الوطن: صفقة القرن.. مشروع لن يكتب له النجاح ومحكوم عليه بالفشل

حديث الوطن: صفقة القرن.. مشروع لن يكتب له النجاح ومحكوم عليه بالفشل

بقلم: ياسر المصري

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة

( مجلة فتح العدد 720 )

صفقة القرن التي أعلن عنها في منتصف العام الفائت، وتحديداً بعيد مجيء الرئيس الأميركي الجديد «دونالد ترامب» إلى الحكم إثر انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فضحت الكثير من المكنونات المستترة لمعظم النظام الرسمي، وكشفت عن أنياب أميركا التي كان يراها البعض وسيطاً نزيهاً وعادلاً وراهن عليها مدة طويلة من الزمن، كما أنها وضعت القوى والأحزاب العربية أمام استحقاقات غير مهيئة لها وتفوق قدراتها، وفي الجانب الأساسي منها زادت في إرباك الساحة الفلسطينية التي هي في الأصل تعيش حالة من التخبط والانقسام الناتج عن انخراط البعض في أوهام التسوية والاتفاقيات التي أوصلت القضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه بعد أن قدمت كل ما تملك على أمل أن يكون لها دولة، وسلطة وسيادة متنكرة لطبيعة ودور ووظيفة الكيان الصهيوني الذي يقوم على الإجلاء والإحلال والاستيطان العنصري، ومتجاهلة لتاريخ طويل من الصراع والنضال قدم من خلاله شعبنا الفلسطيني مئات الآلاف من الضحايا في سبيل تحقيق حلم العودة والتحرير.

واليوم تتقدم صفقة القرن بخطوات متسارعة، من خلال الزيارات واللقاءات التي يجريها المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، «صهره الصهيوني جاريد كوشنير»، ومبعوث الولايات المتحدة للشرق الأوسط جيسون غرينبلات، اللذان زارا العواصم العربية الأساسية المرتبطة بتنفيذ تلك الصفقة (القاهرة، عمان، الرياض) والكيان الصهيوني، وأجريا سلسلة لقاءات أفضت إلى بعض التعديلات الطفيفة التي سوف ينقلانها للرئيس الأميركي، من أجل الإعلان النهائي عن تلك الصفقة في الخريف المقبل، والذي من المرجح أن يتم تنفيذها من خلال مؤتمر إقليمي دولي تحضره أطراف عربية ودولية إيذاناً بحل القضية الفلسطينية وفق تسوية صهيونية وهي أساس تلك الصفقة قام بصياغة أفكارها مستشار الأمن القومي الصهيوني (جيورا إيلاند).

ولكن من جانب آخر فإن الولايات المتحدة الأميركية، المتعجلة في تصفية  القضية الفلسطينية قد بدأت فعلياً بتنفيذ تلك الصفقة من خلال نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة في أيار الماضي، وعملها الدؤوب في إنهاء وتصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) كخطوة أخرى في إطار تصفية وطمس حق العودة للاجئين الفلسطينيين واعتبارها هيئة تابعة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وانتفاء خصوصيتها التي كانت معنية بالشأن الفلسطيني فقط، وكما قلنا سابقاً كل ذلك انطلاقاً من أن الفرصة السانحة اليوم لتطبيق صفقة القرن في المرحلة الراهنة، من الممكن أن لا  تعوض مرة أخرى، لذلك فإن اغتنام اللحظة صهيونياً وأميركياً مسألة إستراتيجية يجب انجازها في أسرع وقت ممكن.

ومن اللافت الخطوات واللقاءات التي جرت خلال الأسابيع الماضية لجهة وضع اللمسات الأخيرة لإعلان وتنفيذ تلك الصفقة، من خلال زيارة العديد من العواصم العربية المعنية بالمباشرة بالتنفيذ، حيث أن اللقاء الذي جرى بين جاريد كونشنير وغرينبلات مع ولي العهد السعودي الذي أفضى إلى ضرورة أن تحظى السعودية بدور ما تشرف من خلاله على المقدسات الإسلامية باعتبارها تمثل المرجع السني الإسلامي حسب زعيمها ومليكها يمثل خليفة المسلمين!!، وهذا ما أزعج الملك عبد الله الثاني الذي رأى في ذلك تهميش وإقصاء لدور الأردن التاريخي في الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس، مما أدى إلى تعرض الأردن لضغوط مورست عليه من السعودية اقتصادياً وسياسياً، استثمرها ووظفها الملك الأردني جماهيرياً بتحريك الشارع وتحشيده، تحت غطاء الأزمة الاقتصادية، ولأن الأردن يصنف من الدول الوظيفية، ووظيفته في المنطقة مازالت مطلوبة، كان لابد من تدارك أي انهيار أو زعزعة لاستقراره من قبل أصحاب الشأن، فكانت قمة مكة الرباعية في السعودية بتاريخ 11/6/2018، التي حضرها الأردن إلى جانب الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت، وتمت من خلالها تقديم مساعدة قدرت بـ 2.5 مليار دولار للأردن، هذا إضافة إلى الزيارات المعلنة التي قام بها رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى الأردن والذي طمأن من خلالها الملك الأردني على بقاء وصايته على المقدسات الإسلامية إضافة إلى دور مهم في الضفة الغربية، لاحقاً على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني، ومشروع البحرين (قناة البحر الأحمر ووصلها بالميت) إضافة إلى العديد من المشاريع الاقتصادية الأخرى.

ومن الضرورة الإشارة في هذا الإطار إلى القمة الأمنية الاستخباراتية التي دعى  إليها الموساد الصهيوني بإيعاز من كوشنير تحديداً في مدينة العقبة الأردنية بتاريخ 17 حزيران، حيث شارك بها مسؤولي الاستخبارات في (السعودية، مصر، الأردن، السلطة الفلسطينية) إلى جانب الكيان الصهيوني، وكان الهدف من القمة الأمنية البحث في آليات تنفيذ المبادرة الأميركية المعروفة بصفقة القرن، علماً بأنه قد تم نفي انعقاد ذلك اللقاء من أكثر من طرف، إلا أن هناك تسريبات للعديد من التفاصيل التي نوقشت والتي تشير إلى أن ذلك اللقاء قد حصل فعلاً.

لقد كان للكيان الصهيوني منذ البداية الدور الأكبر في صياغة أفكار الصفقة من خلال مستشار الأمن القومي الصهيوني (جيوارا إيلاند) الذي أعد دراسة لمركز (بيغين-السادات للدراسات الإستراتيجية) نشرت في سبع وثلاثون صفحة تحت عنوان «البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين»، منطلقاً من فكرة تقوم على أن الحل مع الجانب الفلسطيني لا يقع على عاتق «إسرائيل» فقط، بل يجب على الدول العربية «الاثنين والعشرون» المساهمة في صياغة الحل من خلال حل إقليمي متعدد الأطراف، مستعرضاً أيضاً المكاسب التي سوف تجنيها الدول العربية والفلسطينيين من تلك الخطة على الصعد المختلفة إضافة إلى مكاسب الكيان الصهيوني، والذي بدأ الترويج لها منذ أسابيع قليلة، وتحديداً في زيارة الأردن التي قام بها نتنياهو حيث طرح على الملك الأردني مشروع (قطار السلام الإقليمي) الذي يربط بين حيفا والسعودية ودول الخليج العربي مروراً بالأردن، طبعاً هذا إضافة إلى فكرة قناة البحرين التي تربط ما بين البحر الأحمر والبحر الميت، وهناك العديد من المشاريع الاقتصادية الأخرى التي سوف تعود بالفائدة على دول المنطقة «حسب زعم نتنياهو».

واليوم تحاول بعض الأنظمة العربية تنفيذ تلك الخطة مستبقة الإعلان عنها، لأنها مستلبة القرار ومرتبطة ارتباطاً كولونيالياً للحفاظ على مصالحها، والتي بدأت أولى نتائجها من خلال قمة الرياض العربية الأميركية التي عُقدت في 20-21/أيار/ 2017، محاولة إيهام الشعب العربي بأن لا خلاف مع الكيان الصهيوني إلا بقضايا بسيطة يمكن حلها، ولكن الخلاف الأساس مع إيران التي يعتبرها العديد من القادة العرب الداعم الرئيسي للإرهاب!! متجاهلين كل الإرهاب الصهيوني الذي وقع على شعبنا الفلسطيني والعربي منذ سبعين عاماً، راضخين للشروط الصهيونية بفتح باب التطبيع قبل الوصول إلى تسوية، وهذا فعليلاً ما يحصل منذ سنوات وخاصة من الدول التي كانت تتستر سابقاً بدعمها للقضية الفلسطينية من خلال شعارات براقة، لكنها في هذه المرحلة أصبحت على المكشوف دون حياء أو خجل.

من هنا يمكن القول بأن خطر تلك الصفقة ليس على القضية الفلسطينية وحسب بل يتعدى ذلك ليصل إلى معظم الدول العربية التي سوف تكون رهينة للمشروع الصهيوني المتحالف مع بعض النظام الرسمي العربي في قمع الشعوب العربية وامتصاص خيراتها، وإبقاءه في حالة التخلف والتبعية والتجزئة، وهذا يتطلب من القوى الحية في أمتنا العمل الجاد والدؤوب لمواجهة تلك الصفقة والعمل على إسقاطها وفق صياغة رؤية عربية قومية تعيد بوصلة الصراع إلى مسارها الصحيح وتكرس القضية الفلسطينية كقضية مركزية للشعب العربي، لأن ذلك هو المقدمة لتطور أمتنا العربية ووحدتها ونهضتها.

وعلى الجانب الفلسطيني فإن ما يجري الإعداد له هو تصفية القضية الفلسطينية برمتها، من خلال طمس الحق الفلسطيني التاريخي، والتسليم بيهودية الأرض الفلسطينية، وفق حلول تقوم على تشتيت الشعب الفلسطيني، وشطب هويته الوطنية، وهذا يتطلب تقييم ومراجعة للمسار الوطني الفلسطيني الذي قاده بعض الواهمين بالسلام، ووقعوا الاتفاقيات وقدموا التنازلات على أمل الحصول على الحد الأدنى من ما يسمونه (دولة فلسطينية)، واصطدموا في النهاية بحقيقة تقول أن الكيان الصهيوني لا يعترف بالحق الفلسطيني، ولكن برغم ذلك مازالوا مرتبطين بشكل أو بآخر بالمفاوضات والتسويات وإن رفعوا شعارات الحفاظ على الثوابت المبهمة، كما أنهم لما يغادروا بعد مستنقع المفاوضات الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، لذلك فإن إسقاط صفقة القرن يتطلب إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني بشكل جدي على ثوابت وطنية واضحة ومن خلال حوامل وطنية نعتقد بأن شعبنا يمتلك الكثير منها.

إن ما يجري اليوم من حراك وطني يشكل الدليل الواضح على إرادة شعبنا وعزيمته في إدامة الاشتباك مع الكيان الصهيوني بغض النظر عن طبيعة اللحظة الراهنة وما يعتريها من انحطاط وإسفاف سياسي نعتقد  جازمين بقدرة شعبنا على عبورها وتجاوزها، لأنه صاحب حق وحقه لا يسقط ولا يموت، وكما أسقط مشاريع سابقة سوف يتمكن من إسقاط صفقة القرن بدماء شهداءه وتضحيات أبنائه التي لم يبخل بها أبداً على قضيته وعلى وطنه إلى أن يتم التحرير الكامل لترابنا الوطني وعودة أبناء شعبنا إلى وطنه.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير