الإثنين , 19 نوفمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 سرقة التراث حرب صامتة ضدّ الهوية الفلسطينية
سرقة التراث حرب صامتة ضدّ الهوية الفلسطينية

سرقة التراث حرب صامتة ضدّ الهوية الفلسطينية

    أ. جومانا محمود الصالح (ماجستير في التراث الشعبي)  

       ( مجلة فتح العدد 720 )        

ـ قام الكيان الصهيوني المحتل في العقود المنصرمة  بسرقة الأراضي الفلسطينية وتهجير أهلها وطردهم من بيوتهم، وسرقة التراث وادعوه لأنفسهم، حبث سرقوا دبكاتنا الشعبية والأغاني الشعبية ويرقصون على صداها في احتفالاتهم، ونسبوا أزيائنا ومأكولاتنا إليهم ونسبوا أيضاً عدة مأكولات فلسطينية تراثية إلى أنفسهم، من الفلافل إلى المسخن الذي صاروا يقدمونه ضمن الوجبات على متن الطائرات أو في الاحتفالات، فهم يبحثون عن أي شيء يمكن أن يقنعوا به العالم بأن هذه الأرض هي أرضهم من خلال التاريخ وكتب الدين وصولاً إلى التراث الإنساني فقاموا بتسجيل أثواب فلسطينية باسمهم في الموسوعة العالمية ـ مثل ثوب عروس بيت لحم المعروف باسم (ثوب الملك) حيث سجله الكيان الصهيوني باسمه في المجلد الرابع من الموسوعة العالمية ـ وهو من أجمل الأثواب الفلسطينية ويتميز بغطاء الرأس المسمى الشطوة ـ وعليه القطع الفضية والذهبية ومرصع بالمرجان ـ مثالاً صارخاً لسرقة التراث الفلسطيني.

كما قامت شركة الطيران الإسرائيلية (العال)بسرقة الثوب الفلاحي الفلسطيني واقتماصه لموظفات الشركة على متن طائراتها كثوب يعبر عن التراث الإسرائيلي، فنجح الناشطون الفلسطينيون بحشد مئات الفلسطينيون لإطلاق فعالية لبس الزي الفلسطيني للنساء والرجال في عدد من المحافظات الفلسطينية ، وتخلل سيرهم عروض فنية ودبكات شعبية ضمن تقليد مخطط له وجاءت الفعالية كرسالة تحدي للكيان الصهيوني وللحفاظ على التراث الفلسطيني خاصة بعدما انتشر مؤخراً ارتداء عارضات أزياء إسرائيليات للثوب الفلسطيني على أنه ثوب إسرائيلي في محاولة لطمس الحقائق وسرقة التراث.

ـ من المعروف أن أقوى سلاح في تراثنا الشعبي هو التطريز فن لا يتقنه إلا العرب قديماً وهو يصل حاضرنا بماضينا الكنعاني حيث ارتدى أجدادنا العرب والكنعانيين الملابس المطرزة رجالاً ونساء، وبناءً على ذلك فقد أثارت وزير الثقافة الصهيونية موجة من الغضب في الأوساط الفلسطينية والعربية، بعد أن ظهرت في مهرجان “كان” السينمائي وهي ترتدي فستانًا عليه صورة المسجد الأقصى ومدينة القدس ـ الأمر اعتبر استفزازًا لمشاعر المسلمين وتأكيدًا على النوايا الصهيونية العدوانية تجاه الأقصى ـ واختارت الوزيرة الفستان بمناسبة مرور 50 عامًا على احتلال مدينة القدس ويشار إلى أن وزيرة الثقافة الصهيونية ميري ريغيف هي عضو كنيست عن حزب الليكود ،وتعرف بمواقفها العنصرية تجاه العرب والمسلمين.

وكان الرد العربي سريعاً ومن منابر مختلفة وجاء أول رد فعل قوى على فستان وزيرة الثقافة الإسرائيلية، قيام بعض رواد التواصل الاجتماعي باستخدام موقع تعديل الصور “الفوتوشوب” في تعديل الصورة المطبوعة للقدس والمسجد الأقصى على الفستان، واستبدالها بلقطات أخرى مؤثرة من القدس، كالجدار العازل الصهيوني، ورماد ونيران الحرائق التي يفعلها الكيان الصهيوني في فلسطين، وصورة الدمار وهدم المنازل في القدس.

ـ كذلك لم تسلم الكوفية من هذه السرقة، تعتبر الكوفية رمزاً وطنياً ونضالياً فلسطينياً منذ الثلاثينيات خلال الثورة التي قادها الشيخ عز الدين القسام لمقاومة القوات الإنكليزية والعصابات الصهيونية ـ حيث كان يتلثم بها المقاومون كي لا تظهر ملامحهم، فأينما وُجدت الكوفية وُجدت فلسطين، حيث أقام الكيان الصهيوني عرض أزياء في مدينة تل الربيع (تل أبيب) لمصمم الأزياء الإسرائيلي يارون مينكوفسكي خلال ما أطلق عليه تسمية “أسبوع تل أبيب للموضة” ـ حيث ظهرت العارضات يرتدين فساتين مصنوعة من الكوفية الفلسطينية بلونيها الأسود والأبيض، والأحمر والأبيض ـ وقد اعتدنا على وجود أسباب وهمية وأسباب حقيقية لكل محتل غاشم حيث برر المصمم إنه أحضر الكوفيات من مدينة الخليل مؤكداً أن هدفه من وراء استخدام الكوفية الفلسطينية، تعزيز التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن الهدف الحقيقي هو سرقة التراث باعتبارهم مرتزقة ليس لهم تاريخ ولا تراث، وقد عبّر الفلسطينيون عن استيائهم من هذه الخطوة التي اعتبروها استهزاءً من الصهاينة بتراثهم وبرمزية الكوفية الفلسطينية، ووقاحة من المحتل الذي يقوم بسرقة كل شيء في فلسطين.

 

ـ النجمة السداسية المعروفة بين علماء الآثار بنجمة عشتار بدأت قرص شمس ورمز عباده عند السومريين واستعملها البابليين ووجدت في معظم الحضارات التي تلتها , نراها في حضارة أوغاريت نجمة الصباح (الزهرة ) وعند الفينقيين وعند المصريين والكنعانيين ،النجمة السداسية موجودة في الحضارات القديمة منذ آلاف السنيين، نجمة داوود هي من أكثر الرموز السورية فلسفة وروحانية، النجمة السداسية المؤلفة من مثلثين متقاطعين، واحد قاعدته إلى الأعلى ورأسه إلى الأسفل ويمثل سعي الإلهي للحلول في البشري، ومثلث قاعدته إلى الأسفل ورأسه إلى الأعلى وهو سعي البشري للفناء في الإلهي وتقاطعهما هو المخلص،  وقيل هو يرمز إلى يسوع عند المسيحيين وقبله بعل وتموز وأدونيس وغيرهم،  كثير من البيوت والجوامع والكنائس في دمشق القديمة تظهر بها النجمة السداسية،هذه النجمة تمتلك حضوراً فنيا وفلسفياً راقيا في الحضارة العربية الإسلامية وخصوصاً في أيام الفاطميين , وعنها قيل “نجمة الحكمة” لما تحمله من دلالات فلسفية عميقة. اختارت الحركة الصهيونية عام 1879م نجمة داود رمزاً لها واقترح تيودور هرتزل في أول مؤتمر صهيوني في مدينة بال أن تكون هذه النجمة رمزا للحركة الصهيونية بل أيضا رمز للدولة اليهودية مستقبلا.

ـ عودة الزي الفلسطيني: سبعون عاماً مرت على النكبة إلاّ أن بعض فئات المجتمع الفلسطيني ما زالت ترتديه وخاصة في مناطق الأرياف وفي المناسبات الاجتماعية، وقد نجح الزي الفلسطيني خاصة النسائي بالعودة إلى الحياة اليومية مع تطوير بإنتاجه وتصميمه وتطريزاته دون البعد عن حقيقته وهويته الأصلية، وهناك العديد من المراكز التي تعمل في مجال التراث الفلسطيني لإعادة إحياؤه منها.

ولم يقتصر إحياء التراث في المراكز على الثوب الفلسطيني إنما وجود تصميمات جديدة من حقائب وإكسسوارات وحلي وتحف بتطريزات فلسطينية مميزة. تكلفة تطريز الثوب الفلسطيني تصل من 100 حتى 300 دولار أميركي وهذا يقدر بحسب العمل وما يحتويه من مطرزات، ويستغرق وقتاً تصل إلى 5 أو 6أشهر بحسب النقوش، وظفت نساء فلسطينيات مواقع التواصل الاجتماعي من خلال إنشاء صفحات خاصة لترويج الثوب الفلسطيني ولإعادة إحياؤه والحفاظ عليه، ومقاومة سرقة الاحتلال الصهيوني للتاريخ الفلسطيني والموروث الثقافي بكل وقاحة ، وأنشأت بعض النسوة مؤسسات منتجة للمطرزات على أنواعها من اللواتي يمتهن فن التطريز حيث دخل إلى عالم الإكسسوارات والديكور المنزلي والشراشف والمخدات والصناديق. فالتطريز إلى جانب كونه تراث هو حرفة فعالة ونشطة ويشكل استمرارها فعلاً سياسياً مقاوماً للكثير من الذين يمارسونها حيث يجسد لهم ثراء فلسطين قديماً وقوتها مستقبلاً. وكان االمقاومون الأسرى يطرزون مطرزات فيها أشعاراً وطنية على القماش أو علم فلسطين أو رموز وطنية ومحاولة إحياء التراث الفلسطيني كتثبيت لحقنا الذي يحاول الكيان الصهيوني بسرقته ولا شك أن إحياء التراث الشعبي والحفاظ على خصائصه الفنية وإبراز أصالته يعتبر تخليداً لحضارة عريقة.

 

عن علي محمد

مدير التحرير