الثلاثاء , 18 سبتمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 الضفة والقطاع 10 مظاهرات الضفة الغربية الاحتجاجية صرخة ضد من؟! ومن أجل ماذا؟!
مظاهرات الضفة الغربية الاحتجاجية صرخة ضد من؟! ومن أجل ماذا؟!

مظاهرات الضفة الغربية الاحتجاجية صرخة ضد من؟! ومن أجل ماذا؟!

بقلم: ياسر المصري

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة

( مجلة فتح العدد – 719 )

شهدت الضفة الغربية في الأسابيع القليلة الماضية سلسلة من التظاهرات، شملت العديد من المدن والقرى الفلسطينية، رفضاً للحصار الجائر والعقوبات المفروضة على قطاع غزة، حيث حمَّلت تلك التظاهرات الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية مسؤولية ما يجري في قطاع غزة لأبناء شعبنا الفلسطيني، الذي يعاني من حصار فُرضَ عليه منذ ما يقارب اثني عشر عاماً، فحُرم من خلاله الماء والدواء والكهرباء، وعاش حياة قاسية وصعبة جراء ذلك الحصار، وتوفي على إثره العديد من الأطفال والنساء والشيوخ، نتيجة لنقص الدواء في المشافي، وحرم أبناءه من مغادرة القطاع عبر معبر رفح الذي لا يفتح إلا بالنادر، فالطالب لم يعد يستطيع إكمال دراسته في الخارج، والمريض حرم من علاجه، إضافة إلى كل المجالات الأخرى التي تحتاج إلى السفر خارج فلسطين، وكأن شعبنا الذي يعانى ما يعانى من الاحتلال، لا يزال يتعرض لأبشع الجرائم اليومية من قبل جنود الاحتلال وطائراته هو بحاجة إلى عقوبات وحصار جديد.

قطاع غزة يغلي جماهيرياً منذ أسابيع عديدة، وتحديداً منذ يوم الأرض الفائت، حين أعلن أبناءه عن بدء انطلاق فعاليات مسيرات العودة. حيث أقام العديد من الشباب خيم العودة وأطلقوا عليها أسماء المدن والقرى الفلسطينية التي هجروا منها عام 1948، وتظاهروا أمام الشريط العازل مع الأراضي الفلسطينية، وتجاوزوه في بعض الأحيان، وتحدوا قناصة وجنود الاحتلال المدججين بالأسلحة، وسقط منهم ما يقارب مئتي شهيد وأكثر من ألفي جريح، واستطاعوا أن يقلقوا الكيان الصهيوني ، كما أن الكابينيت الصهيوني انعقد من أجل مناقشة الأوضاع في غزة أكثر من مرة، وفي هذا السياق سمعنا العديد من تصريحات قادة الكيان وخشيتهم من تفاقم الوضع الأمني وفقدان السيطرة عليه، واضطرت بعض الأنظمة العربية إلى التدخل للحد من تطور تلك الأحداث (السعودية، مصر، قطر، وغيرها).

إلا أن اللافت في ذلك الأمر، هو بقاء الضفة الغربية على الحياد دون أي حراك يذكر طيلة الفترة الماضية، برغم أن شعبنا داخل الأراضي المحتلة وتحديداً في حيفا خرج متضامناً مع غزة، وكلنا يعلم بأن هناك بعض المحاولات التي جرت في الضفة الغربية من قبل بعض الشبان إلا أنها باءت بالفشل نتيجة إحباطها من قبل (أجهزة السلطة الأمنية)، مما شكل حالة استياء للعديد منهم، لكن صمود غزة واستمرار تظاهراتها ومسيراتها، وسقوط العديد من الشهداء والجرحى أشعل النيران الخامدة في قلوب أبناء الضفة تضامناً مع إخوتهم الذين يعيشون الحصار والقتل اليومي في غزة، ويعانون ما يعانون جراء العقوبات المفروضة عليهم من قبل «السلطة الفلسطينية».

وفي هذا الإطار نحن لا نريد أن نبرئ حماس أو نتهمها مما وصلت إليه الأمور في قطاع غزة، لأن أول من يتحمل تلك المسؤولية هو الاحتلال الصهيوني، ومن جانب آخر فإن بعض الممارسات والسلوكيات والمواقف التي انتهجتها حماس طيلة السنوات الماضية كان لها أثر على تلك الأوضاع، لكن بالمقابل إذا كان داخل غزة خمسمائة ألف مواطن فلسطيني منضوون تحت راية حماس هناك بالمقابل ما يقارب المليون ليسوا تابعين لحماس، فلماذا يعاقب أولئك على ممارسات ومواقف ليسوا معنيين بها، ثم إذا أراد البعض أن يقتص من حماس لماذا يعاقب الآخرين ويحاصرهم، إلا إذا كان وراء الأكمة ما وراءها.

من أجل هذا خرج الآلاف من أبناء شعبنا احتجاجاً ورفضاً لإجراءات ما يسمى «السلطة الفلسطينية» العقابية على قطاع غزة، ودعى المبادرون لتلك المظاهرات إلى أوسع مشاركة جماهيرية ولرفع الحصار المفروض عليه، حيث شارك فيها عدد من النشطاء الصحفيين والمثقفين والفنانين وفعاليات وطنية مختلفة طالبت بصرف مخصصات الموظفين، وبعودة الكهرباء إلى القطاع، إلا أن أجهزة أمن السلطة انقضت على تلك المظاهرات واعتقلت البعض منهم، وأجبرتهم على فضها بطريقة مهينة.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتصدى بها أجهزة أمن السلطة للحراك الشعبي، فمنذ سنوات طويلة تعمد تلك الأجهزة على قمع أي نشاط سياسي أو جماهيري يتعارض مع سياسة ما يسمى «السلطة الوطنية»، فحينما اندلعت مواجهات القدس الثالثة عام 2014، ضد الاحتلال الصهيوني بعد  استشهاد الشاب محمد أبو خضير وإحراق جثمانه من قبل الشبان الصهاينة، حاول البعض في الضفة الغربية الخروج بالمظاهرات لكن تم تفريقها بالقوة، وحينما قام الكيان الصهيوني بالاعتداء على غزة عام 2014، أيضاً منعت أجهزة الأمن أي تحرك جماهيري في الضفة الغربية، وحتى في أحداث الأقصى الأخيرة عام 2007، لم يسمح بأي تظاهرة أو نشاط دعماً وتضامناً مع شعبنا الفلسطيني في القدس المحتلة.

إن ما حدث في ميدان المنارة في مدينة رام الله بتاريخ 13/حزيران من قبل السلطة بفض تلك المظاهرات من خلال استخدام القنابل الغازية والمسيلة للدموع، وضرب المتظاهرين بالعصي والهراوات، واستخدام القنابل الصوتية، وإطلاق النار في الهواء، وتكسير الكاميرات والهواتف منعاً لنقل أي صورة عما يجري في المظاهرة، كان في سياق خدمة هدف محدد، ألا وهو منع انتقال ما يجري في قطاع غزة من مسيرات العودة إلى الضفة الغربية، لأننا نعرف مدى تأثير ذلك على الكيان الصهيوني أمنياً.

وإذا كان البعض في (السلطة الوطنية) يتحدث عن القانون فجميعنا يعلم بأن من وضع القانون الأمني لتلك الأجهزة هو الجنرال دايتون صاحب نظرية (كي الوعي الفلسطيني) واستبداله بوعي جديد يسميه البعض (قانون الدولة) ولكن أي دولة تلك التي يتحدث عنها البعض والعديد من قيادات السلطة اعترفت بأنها لا تملك أي سيادة أو صلاحية أو قرار إلا من خلال التنسيق مع الكيان الصهيوني، ولكن يبدو من خلال المغالاة في قمع تلك المظاهرات حسابات أخرى مختلفة، منها ما يخدم البعض في السلطة لإثبات قدرته على ضبط حركة الشارع الفلسطيني.

بكل الأحوال فإن الشعار الذي رفع في تلك المظاهرات كان (ارفعوا العقوبات عن غزة) وكلنا يعرف بأن تلك العقوبات كان قد فرضها ما يسمى (رئيس السلطة الفلسطينية) في نيسان عام 2017، من أجل إجبار حماس على الانصياع لحل اللجنة الإدارية التي شكلتها سابقاً كإطار موازي لحكومة رامي الحمد لله، ولكن كما تقول حماس فإنها قد حلت تلك اللجنة في أواخر أيلول الماضي، وبرغم ذلك استمرت العقوبات وزادت ووصلت إلى حد حسم 50% من رواتب الموظفين.

وفي ذاك نحن لا نهدف إلى الخوض في أسباب تلك الإجراءات من هذا الطرف أو ذاك ونقصد (حماس أو السلطة) بل كل ما يعنينا في ذلك هو شعبنا الفلسطيني الذي يعاني الأمرين ليس من الاحتلال الصهيوني وحسب بل أيضاً ممن مفترض أن يكونوا المرجعية الوطنية له، ولكن هيهات من ذلك، فشعبنا الفلسطيني متروك دون مرجعية أو مشروع وطني، فهو يواجه ويتحرك ضد الاحتلال بقدراته  الذاتية، وأكثر من ذلك هو يبدع في مواجهات أقلقت الكيان ومن يقف معه، فهو ابتكر الطائرة الورقية الفلسطينية، التي عجز جيش الاحتلال عن مواجهتها إضافة إلى أساليب أخرى، أزعجت الكيان المدجج بأحدث أسلحة القتل الأميركية.

وفي كل الأحوال إن تلك المظاهرات التي خرجت في الضفة الغربية، كانت بمثابة الصرخة في وجه السلطة الفلسطينية، وقرع الجرس لكل من يعتبر نفسه بأنه سلطة، وبأن الأمور وصلت إلى حد لم يعد يحتمل وأن الأوضاع توشك على الانفجار، لأن شعبنا لا يعترف بكل الأشكال والهيئات والتقسيمات التي أفرزها اتفاق أوسلو، وأنه سيبقى موحداً في وجه الاحتلال الصهيوني إلى أن يتم تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، ولن يسمح لأحد بأن يتنازل عن شبر من أرض فلسطين التاريخية، كما أنه لن يقبل بأن يكون مرهوناً لهذا الطرف أو ذاك، لأن رهانه سيبقى لفلسطين وعلى فلسطين  ومن أجلها، وإلى جانب كل من يقف معها دون أي تنازلات أو ارتباطات أو أي شيء آخر.

كما أنه ومن الضروري عدم اختزال تحركات قطاع غزة فقط بالجانب الإنساني وفق حراك سلمي (كما يقول البعض) لأن أساس الحراك قام على شعار وعنوان محدد هو مسيرات العودة، وتم ربطها بشكل أساسي في يوم الأرض الخالد، وذكرى نكبة فلسطين الأليمة، أي أن المضمون الوطني لتلك التحركات يعتبر هو الموجه الأساس لشعبنا الفلسطيني، ولا يجوز لأي جهة كانت أن تحرف ذلك الحراك عن ذلك المضمون، وفي هذا أيضاً يلتقي أبناء شعبنا الفلسطيني الواحد، وضمناً أبناء الضفة والقطاع، في ذات العنوان وذات المشروع الوطني.

 

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير