الأربعاء , 17 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 المشهد الفلسطيني: قراءة في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الاستحقاقات والنتائج
المشهد الفلسطيني: قراءة في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الاستحقاقات والنتائج

المشهد الفلسطيني: قراءة في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الاستحقاقات والنتائج

بقلم: ياسر المصري

            مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد 717 )

في خضم الأحداث الساخنة في المنطقة العربية، انعقدت اجتماعات الدورة الثالثة والعشرون للمجلس الوطني الفلسطيني،  بعد غياب أكثر من عشرين عاماً، كان آخرها في عام 1996، جرت بعدها أحداث سياسية وعسكرية كبرى أطاحت بأنظمة، وأشعلت حروب، ودمرت وقسمت بلدان ودول، وعلى الجبهة الفلسطينية حدثت انتفاضات عديدة، ولقاءات ومفاوضات وتنسيق أمني، إضافة إلى مشاريع سياسية خطيرة أحدثها صفقة العصر، ناهيك عن انقسام سياسي في الساحة الفلسطينية، واستباحة للمخيمات الفلسطينية في سورية، وكل ذلك أدى إلى تخبط في الرؤى السياسية لدى البعض، وغياب للمرجعية الوطنية الواحدة للمشروع الوطني الفلسطيني، وعبث في مصير القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني من قبل ما يسمى السلطة الفلسطينية.

وعلى صعيد آخر تراجعت القضية الفلسطينية في أروقة واجتماعات النظام الرسمي العربي، بحيث أصبحت لدى البعض عبء يحاول التخلص منها بأي شكل من الأشكال، وفق مشاريع تصفوية تخدم المشروع الصهيوني-الأميركي، لتزيد من الأزمات التي يعانيها ذلك النظام تحت مسمى الربيع العربي الذي استنزف مقدرات الأمة العربية، وحرف بوصلة الصراع مع الكيان الصهيوني، وفي الإطار الإقليمي والدولي تراجعت بعض المواقف التي كانت مناهضة للكيان الصهيوني بحيث أعادت تطبيع العلاقات معه، بعد أن كان صديقاً ومناصرين للقضية الفلسطينية ومن تلك الدول الهند واندونيسيا وغيرها.

ولكن من جانب آخر، وبرغم تلك الظروف الصعبة والمعقدة، كانت ومضات مضيئة، لم يتم  استغلالها والبناء عليها فلسطينياً، فلقد كانت انتفاضة الأقصى المبارك في عام 2000، وكان تحرير الجنوب اللبناني في ذات العام، وكن انتصار تموز في لبنان عام 2006، وكانت انتصارات وصمود غزة في وجه العدوان الصهيوني أعوام (2008، 2012، 2014)، وانتفاضات القدس عامي (2015 و2017)، فإن تلك المفاصل كانت هزائم وخسارة للكيان الصهيوني، الذي وقف عاجزاً أمامها عن تحقيق أي من طموحاته العسكرية والسياسية، وذلك باعتراف قيادته التي حاولت جاهدة إطفاء جذوة المقاومة في شعبنا وأمتنا، و ذلك انعكس سلباً عليه فتراجع وانحسر دوره الوظيفي العدواني باتجاه الداخل بعد انسحابه من جنوب لبنان وقطاع غزة، حيث أن الذهنية الصهيونية التي كانت تقوم على التوسع للحفاظ على الأمن الصهيوني، عادت وانكمشت وتقوقعت على ذاتها من أجل الحفاظ على قدراتها في حماية الداخل الصهيوني.

وكان من المفترض فلسطينياً أن تقوم القيادة الفلسطينية بالبناء على تلك النقاط المضيئة في تعزيز صمود شعبنا وتطوير ثورته وانتفاضاته، ولكن ما جرى هو العكس تماماً من خلال تنازلات إستراتيجية خطيرة أهمها الموافقة على مبادرة السلام العربية في عام 2002، من خلال قمة بيروت القريبة، ومن ثم الانقسام الذي حصل في الساحة الفلسطينية  عام 2007 بين سلطتي رام الله وقطاع غزة، والموقف المتفرج على اعتداءات غزة المتكررة (وهذا في أحسن الأحوال)، إضافة إلى الموقف السلبي من انتفاضات القدس حول الانتهاكات الصهيونية للمسجد الأقصى والعمل على قمعها في أشكال مختلفة وصولاً إلى تفتيش حقائب التلاميذ، والتفاخر بالتنسيق الأمني وإجهاض العمليات الفدائية، وكل ذلك غيض من فيض على سلوك القيادة الفلسطينية التي ترفض المقاومة وتعمل على إنهاءها تحت عناوين السلام، والمفاوضات والدولة الوهمية.

وحول الدورة الثالثة والعشرين للمجلس  الوطني، فإنها كانت حدثاً عابراً لم يعلق عليه أبناء شعبنا الفلسطيني أي من  الآمال الوطنية، لأن تلك القيادة الداعية إلى ذلك الاجتماع فقدت منذ زمن بعيد الدور الوطني المناط بها، كما أنها لم تعد تشكل بالنسبة له المرجعية الوطنية التي يصبو إليها، وخاصة أن ذلك الاجتماع (بغض النظر عن رفضنا المبدأي له) فقد غابت عنه قوى رئيسية فاعلة ووازنة في الساحة الفلسطينية، أي أن النصاب الوطني قد كان غائباً، إضافة إلى أن الاجتماع كان خاوياً من النقاط الأساسية التي تعترض مسيرة النضال الفلسطينية حول الموقف من اتفاق أوسلو الكارثي الذي أوصل الساحة الفلسطينية إلى ما وصلت إليه اليوم، والمفاوضات التي تم بموجبها التنازل عن العديد من الحقوق الوطنية الفلسطينية، والتنسيق الأمني الذي يصب في خدمة الكيان الصهيوني لإنهاء المقاومة، كل ذلك كان يفترض إجراء مراجعة نقدية شاملة لتلك المسيرة من أجل الوصول إلى رؤية وطنية موحدة يعاد على أساس بناء منظمة التحرير الفلسطينية، والأهم من ذلك أن هناك فئة تعاملت مع المجلس وكأنه دكان شخصي فعبر عن هيمنته عليه وقال: )سيعقد المجلس شاء من شاء وأبى من أبى واللي مش عاجبو يشرب من مية البحر الميت، والجانب الملوث في شاطئ غزة(.

وهذه الدورة التي حضرها ستمائة وخمس أعضاء من أصل 741، واستمرت أربعة أيام من 30/4 لغاية 3/5/2018، رفعت شعار (القدس وحماية الشرعية الفلسطينية)، والتي كان من المفترض أن تعبر عن ذاتها بصفتها أعلى قيادة تشريعية للعمل الوطني الفلسطيني، تم  التعامل معها وكأنها حدثٌ كاريكاتيري لجهة المناقشات أو لجهة انتخاب اللجنة التنفيذية (المسرحية الهزلية) أو حتى البيان الختامي الذي خلا من بعض المناقشات التي جرت داخل أروقة المجلس، ويبدو من ذلك أن الهدف كان من انعقاد المجلس هو تجديد الشرعية لمحمود عباس وانتخاب اللجنة التنفيذية فقط، وعدا ذلك هو عبارة عن لغو سياسي وهرطقة الهدف منها استكمال ديكور اجتماع المجلس.

وإذا ما غصنا في النتائج السياسية لجهة البيان الختامي، فإن النقاط الأساسية التي هي مثار جدل وبحث في الساحة الفلسطينية لم تأخذ أي حيز من النقاش، والذي يمكن البناء عليه، وأقصد تحديداً الموقف الحازم والقاطع من صفقة العصر، أو لجهة  التنسيق الأمني المستمر والذي لم يتوقف يوماً، أو فيما يتعلق بالتمسك بالمفاوضات وعدم التراجع عنها لأنها خيار استراتيجي، إضافة إلى عدم التطرق إلى العديد من الإجراءات العقابية بحق الأسرى والشهداء، ناهيك عن التحكم بالصندوق القومي حسب المشيئة التي تخدم مشروع ذلك البعض في الساحة الفلسطينية.

وفي جانب آخر فإن التجربة في الساحة الفلسطينية تؤكد على أن معظم التفاهمات التي يتم الاتفاق عليها، يتم تجاهلها أو الانقلاب عليها لاحقاً، حسب مصلحة الفئة المتنفذة والمهيمنة على منظمة التحرير، ومن ذلك عندما نقول أن العديد من الاجتماعات التي حصلت في القاهرة أعوام (2000- 2006-2012)، أقرت على ضرورة تشكيل إطار قيادي لمنظمة التحرير، لكنها غابت في أدراج النسيان، كما أن اللقاءات التحضيرية التي جرت في أوائل العام الفائت وتحديداً في نيسان عام 2017، تم القفز عليها وتجاهلها، وأكثر من ذلك فإن معظم القوى الفلسطينية أصرت على أن يُعقد اجتماع المجلس الوطني خارج الوطن المحتل، كي يكون بعيداً عن حراب الاحتلال الصهيوني، إلا أن (القيادة الفلسطينية)، بقيت كعادتها لا تأبه لمطالب حتى من يتعامل معها أو يتحالف معها، وتدير الظهر لكل اتفاقياتها وتعمل وفق مصلحتها الخاصة ووفق مصالح شريحة مهيمنة على تلك المنظمة.

وكي نكون موضوعيين فإننا لا نحمل المسؤولية فقط لما يسمى (القيادة الفلسطينية)، وإن كانت تتحمل القسط الأكبر مما آلت إليه الأمور في الساحة الفلسطينية، ولكن من المفترض أن نكون قد خبرناها وعرفناها منذ زمن بعيد، وهي ذات نهج واضح يقدم نفسه على أنه متساوق مع مشاريع التسوية بأي شكل من الأشكال، لكن المشكلة في المقابل بالطرف الآخر المعارض لذلك النهج  والذي من المفترض أن يكون لديه البرنامج البديل القادر على النهوض بالمشروع الوطني، وقادر على تعبئة الجماهير الفلسطينية والسير بها باتجاه مشروع التحرير، بالحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية وتحقيق العودة، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة الميثاق الوطني الفلسطيني.

أعتقد جازماً بأن الشعب الفلسطيني لم يعد يراهن على مثل تلك اللقاءات، لأن معظمها هو بعيد كل البعد عن همومه وهواجسه، ولا يرى فيها سوى تحقيقاً لمصالح فئوية ضيقة، وخاصة أن الوجوه في هذا اللقاء وغيره هي ذاتها منذ عشرات السنين، والعديد منها تجاوز الثمانينات من عمره والبعض منها لديه أمراض الشيخوخة العديدة والكثيرة، وبرغم ذلك مازالت متسلطة على رقاب الشعب الفلسطيني، وهذا بحد ذاته مخالف لقوانين الحياة والتطور، لذلك نحن بحاجة إلى إعادة النظر في العديد من البُنى والأطر، والأهم من ذلك إعادة الاعتبار للثوابت الوطنية، وبرنامج المقاومة، وبث الروح الوطنية لأن أهداف المجلس الوطني تقوم على ثلاث (وحدة وطنية، تعبئة قومية، تحرير)، فأين ذلك المجلس من ذلك؟!!.

عن علي محمد

مدير التحرير