الأربعاء , 17 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 مخيمات الشتات الفلسطيني والمشهد الثقافي اليرموك انموذجاً
مخيمات الشتات الفلسطيني والمشهد الثقافي اليرموك انموذجاً

مخيمات الشتات الفلسطيني والمشهد الثقافي اليرموك انموذجاً

 

موسى مراغة

( مجلة فتح العدد 717 )

نتج عن النكبة الفلسطينية التي حدثت عام 1948، والتي تمثلت بإقامة الكيان الصهيوني الغاضب على الأرض الفلسطينية.

وبعد أن قامت العصابات الصهيونية بكثير من المجازر ضد أبناء الشعب الفلسطيني لإرهابهم ودفعهم للرحيل عن مدنهم وقراهم. فنتج عن ذلك نزوح أعداد كبيرة منهم إلى البلدان العربية المجاورة مثل الأردن وسورية ولبنان، إضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة التي كانت لم تقع تحت الاحتلال بعد.

وكانت تلك الأعداد الكبيرة من اللاجئين الفلسطينيين قد تجمعت في أماكن إطلاق عليه مخيمات  اللجوء الفلسطيني، وعاش أبناء تلك المخيمات حياة البؤس والشقاء، ونتيجة الظروف التي قاسوها في المخيم الفلسطيني، الذي لم يكن يتمتع بأي مقومات الحياة الإنسانية، وعند انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة في العام 1965، شكل أبناء تلك المخيمات الخزان البشري من المقاتلين والفدائيين، الذين نفضوا عن كاهلهم حياة البؤس والشقاء، وتحولت قضيتهم من قضية إنسانية، إلى قضية شعب ثائر، حمل السلاح وانتهج خط الكفاح المسلح لتحرير أرضه واستعادة حقوقهم المسلوبة.

و كانت تلك المخيمات مركزاً للحراك السياسي، حيث تمركزت فيها مكاتب ومراكز ومؤسسات للفصائل والقوى الفلسطينية. التي كانت تقوم بنشاطات سياسية متعددة من احتفالات ومهرجانات ومسيرات في مناسبات خاصة أو مناسبات وطنية فلسطينية أو حتى عربية.

كذلك كانت تلك المخيمات أيضاً مسرحاً للكثير من النشاطات والحراك الثقافي الفلسطيني الذي كانت تقوم به المنظمات الفلسطينية من خلال المهتمين بالشأن الثقافي المتعدد الأوجه وفي حديثنا هذا سنتكلم عن الحراك الثقافي في تلك المخيمات الفلسطينية أخذنين كمثال أكبر واشهر المخيمات الفلسطينية في سورية إلا وهو مخيم اليرموك.

لقد شكل عدد كبير من المثقفين الفلسطينيين الذين عملوا في مجالات الأدب والصحافة والفنون المختلفة ودور النشر والعاملين في حقول الموسيقا والإخراج والتمثيل والغناء، شكلوا حالة حراك ثقافي فلسطيني. وكان لهم دور كبير حتى في رفض الحياة الثقافية السورية، ناهيك عن الحراك الثقافي داخل اليرموك.

أن أسماء مثل عبد الرحمن أبو القاسم طالب يعقوب وداود يعقوب، حسن سامي يوسف، محمود موعد، تسير إدريس، عبد الحي مسلم، حسن الباش، غسان الشهابي، بشار إبراهيم، محمد الوهيبي ، أبو سعيد الحطيني، أبو عرب، وغيرهم الكثير ممن رحلوا عن حياتنا أو لا زالوا على قيد الحياة، شكلوا حراكاً ثقافياً في مخيم اليرموك، من نشر ثقافة العودة، وتعريف للاجئ الفلسطيني بحقه وبث روح الأمل والتفاؤل، والحض على الكفاح والمقاومة، وعدم القبول بالوطن البديل، وتغيب الهوية الفلسطينية وطمسها كل تلك الأمور قام بها أولئك، وقامت بها المنديات والمراكز والنوادي الثقافية التي تشكلت في المخيم.

وهنا لابد من الإشارة أن المشهد الثقافي الفلسطيني عاش ويعيش حالة من التخبط والتصدع أساسها الاصطفاف السياسي الذي أثر على الحالة الثقافية بشكل كبير، أدى في النهاية إلى خروج بعض المثقفين عن الإطار الثقافي الإبداعي إلى الإطار السياسي بتغليبهم الفصائلية الضيّقة على الجامع والرابط الثقافي الذي يوحد.

وقد لعبت التنظيمات الفلسطينية المختلفة في ذلك الحراك الثقافي في المخيم، وانطلق ذلك العمل من توجهات كل فصيل على حدة وشكلت مؤسسات ونوادي ثقافية هي عادة مرتبطة بعمل الفصائل والمنظمات، ولا ينفصل برنامج عمل هذه النوادي والمؤسسات عن الأطروحات الفكرية لتلك التنظيمات، حاول نفر أخر أن يغرد خارج السرب وبصورة مستقلة بعيداً عن أي ارتباط بهذا الفصيل أو ذاك، وعمل ذلك البعض بهدف تنمية المواهب والقدرات، وإيجاد نوع من الحراك الثقافي وتحريك المياه الراكدة في الفكر والرأي والإبداع إضافة إلى إيجاد مشروع ثقافي خاصة لدى فئة الشباب قد تكون حاجة ملحة خاصة في هذه الظروف والمنعطفات الخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وفي ظل ما يحاك من مؤامرات تهدف في مخططاتها النهائية إلى إنهاء هذه القضية ودفنها في طي النسيان، وتجاهل حقوق شعبها في العودة وتقرير المصير.

وقد لعبت بداية المنديات والمراكز الثقافية دوراً بارزاً في المشهد الثقافي الفلسطيني. وهنا نذكر بفخر واعتزاز مركز ماجد أبو شرار للثقافة الذي شكل علامة بارزة في الحراك الثقافي. ورغم قصر مدة عمله إلا أن ذلك المركز استطاع في فترة وجيزة أن يجذب كبار المثقفين والأدباء والفنانين والسياسيين سوريين وفلسطينيين، وشكلت النشاطات التي قام بها المركز متنفسا للعديد من أصحاب الإبداع في الثقافة والفنون. فمن خلال الندوات الفكرية والثقافية التي تم فيها استضافة كبار الناشطين في مجالات الثقافة والأدب والفن، ناهيك عن العروض السينمائية والتي تم فيها استضافة كبار المخرجين والمبدعين في الفن السابع، إضافة إلى أمسيات الشعر والقصة والفنون الشعبية التي كان لها نصيب على منبر ذلك المركز، وقد تم أنشاء مسابقة أدبية في مجالات الشعر والقصة والمقالة والفن التشكيلي حملت اسم جائزة الشهيد ماجد أبو شرار. والتي تم فيها تكريم كبار المبدعين وشيوخ الأدب والشعر والقصة الفلسطينيين.

ومن النوادي الأخرى في هذا المجال هناك نادي الشهيد غسان كنفاني، وهو نادي ثقافي رياضي اجتماعي، شكل إضافة إلى المشهد الثقافي الفلسطيني في مخيم اليرموك، وكان له بصمة واضحة في هذا المجال، والمنتدى الثقافي الديمقراطي الذي شكل حراكاً مهماً في الأنشطة الثقافية التي قام بها.

وهنا لا بد من ذكر عدد من المكتبات الثقافية التي كانت تحتوي على الكتب المتنوعة مع قاعات للمطالعة ومنها ما كان الفصائل الفلسطينية، منها مكتبة الشهيد عز الدين القسام في مجمع الخالصة، والمكتبة الثقافية الوطنية، والتي كانت تتضمن قاعة مطالعة، وقاعة لقراءة الصحف بالإضافة إلى مكان مخصص للطلبة الدراسيين، ومكتبة الجيل الجديد التي كانت تشمل قاعة للمطالعة والألعاب الفكرية مثل الشطرنج:

كما تواجد في هذا المجال ولعب دوراً مهماً في تنشيط الحالة الثقافية من خلال الأنشطة والندوات والملتقيات الثقافية والفكرية والأدبية التي كانت تعقد فيها، ونقصد القاعات التي كانت تتبع الفصائل الفلسطينية، منها قاعة الشهيدة حلوة زيدان، التابعة لجيش التحرير الفلسطيني، وهي من أقدم القاعات الثقافية الفلسطينية الموجودة في المخيم، وقاعة الشهيد أبو عدنان وقاعة الشهيد خالد نزال وقاعة الشهيد غسان كنفاني، وقاعة الشهيد سمير درويش في مجمع الخالصة.

كما أسس عدد من المثقفين والكتاب مؤسسات ومنابر إعلامية وأدبية وثقافية لعبت دوراً في رفد الحركة الثقافية الفلسطينية بالعديد من الانجازات في مجالات الشعر والقصة والكتب الأدبية والفنون عامة، من تلك المؤسسات، مؤسسة فلسطين للثقافة، مؤسسة القدس للثقافة والتراث، بيت فلسطين للشعر، المركز الفلسطيني للثقافة والفنون.

وكان يوجد في مخيم اليرموك عدد من مراكز الطباعة ودور النشر، التي ساهمت في وقت من الأوقات في اغناء الحياة الثقافية ومنها: دار الشجرة والتي نشطت على صعيد القضية الفلسطينية والتراث الفلسطيني، ونشرت عدداً من الكتب حول القرى والمدن الفلسطينية، وتعنى تلك الدار بنشر التراث الفلسطيني وإحياء الذاكرة الشعبية.

وبعد من نافل القول الأشارة هنا إلى دور المجلات والتي تتبع للفصائل الفلسطينية، حيث لعبت هذه المجلات ومن خلال كبار الكتاب فيها من المثقفين الذين استقطبتهم تلك المجلات، والذين استطاعوا أن يقودوا الدفة ويوجهوها إلى شاطئ المثقف النهم الذي كان يتذوق المادة الجيدة بغض النظر عن الكاتب أو الفصل الذي كان يصدر تلك المجلة، ومن هذه المجلات نذكر الهدف والحرية وفتح وإلى الإمام.

ومن الأمور التي أضافت إلى المشهد الثقافي العام في اليرموك، وأعطت له بهجة ورونقاً خاصاً، هي تلك الحفلات الفنية التي كانت تقام على عدة مسارح، مثل سينما النجوم والنادي العربي وموخراً وبعد إحداثه المركز الثقافي العربي.

فقد أحيت فرقة أغاني العاشقين الفلسطينية عدة أمسيات وعلى مدار سنوات عدة وكان لحضور هذه الفرقة بأغانيها الشهيرة والتي غدت على كل لسان الفعل المتعدد الأوجه من خلال الموسيقا والغناء والدبكات الشعبية التي كانت ترافق الغناء الشعبي الجميل للفرقة، أو بصوت مطربها الأول حسين المنذر، وكان هناك أيضاً عدد من الفرق الشعبية الفلسطينية للغناء والرقص الشعبي والتي كان المخيم مركزاً لها، وأثرت تلك الفرق الليالي الفلسطينية بأدائها وإلحانها وتراثها الفلسطيني الأصيل، ومن تلك الفرق الأرض وبيسان والقدس وحنين والجذور والوعد. وكان للمطرب الشعبي أبو عرب أيضاً بصمة واضحة في هذا المجال، وكانت حفلاته تستقطب جماهيراً واسعة لما كان للون الشعبي الذي يقدمه أبو عرب من تأثير ومخاطبة للوجدان وللحنين الذي يعتمر القلوب، ولعل من الأهمية بمكان أنه بعد تأسيس المركز الثقافي العربي في مخيم اليرموك عام 2004، فكان له الدور المميز في تنشيط الحالة والثقافية بشكل عام، وقد غدى ذلك المكان أكثر من مركز ثقافي وإنما ملتقى سياسي  وثقافي وفني، خاصة بأنه وكمركز أشيد بشكل مدروس وحوى مسرحاً وأضاءه وتجهيزاً فنياً لتقام عليه الأنشطة الثقافية المتعددة من مسرح وغناء وندوات. وقد غدت المهرجانات المتعددة المشارب تقام سنوياً ودورياً في جنباته وعلى مسرحه، فهناك مهرجان رسوم للأطفال، ومهرجان أدب الطفل للشعر والخطاية والفصاحة، ومهرجان ربيع الأدب للشعر والقصة للشباب، إضافة إلى النشاطات الدورية الثقافية والسياسية بمناسبة الأعياد  والمناسبات التي تحتفل بها الفصائل الفلسطينية كل على حده، والنشاطات الثقافية بمناسبة الأعياد الوطنية والمناسبات الفلسطينية الأخرى ذات الطابع الوطني العام.

وبذا يتضح لنا دور كل تلك المؤسسات والمنابر والمنديات والنوادي والأنشطة الثقافية   في المحافظة على الهوية الثقافية الفلسطينية، وتأكيد ارتباطها بالهوية والثقافة العربية والإسلامية، إضافة إلى تنمية الوعي بخطر المشروع الصهيوني الذي قام على اغتصاب الأرض وطمس الهوية والثقافة والتراث، وتفعيل دور الثقافة وتوجيهها لخدمة قضايا الأمة المصيرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إضافة إلى تعزيز قيم الثقافة الوطنية الإيجابية كالصمود والثبات والمقاومة،ومناهضة الهزيمة والاستسلام، والعمل على إبقاء جذوه وروح الأمل متقدة داخل النفوس وأن يكون الأمل والعمل قائم بنفس الوقت من أجل استمرار الثورة والنضال لتحقيق أهداف هذا الشعب في التحرير والنصر والعودة.

 

 

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير