الأحد , 23 سبتمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 جدلية النكبة والمقاومة
جدلية النكبة والمقاومة

جدلية النكبة والمقاومة

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد 717 )

لنكبة فلسطين وذيولها في الذاكرة القريبة والبعيدة، وفي الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية، تجليات ظلت تسم الواقع وتتعالق فيه، لكنها لم تحول هذا الواقع إلى واقع نهائي، بفعل المتغيرات والثوابت وهما دالّتا حضور القضية الفلسطينية بامتياز في الوعي الفلسطيني والعربي.

وانطلاقاً من هذا التأسيس وما يتواتر عنه من مقدمات ضرورية تجعل لقراءة النكبة في الراهن الكفاحي، غير استحقاق، سوف نجد سماته وملامحه بدءاً من كسر فكرة النكبة دون تجاوز تجلياتها، وذلك بفعل المقاومة الضاربة الجذور على الأرض وفي الوعي الفلسطيني ذاته، المقاومة التي بدأت طلائعها وإرهاصاتها في مواجهة الاحتلال الانكليزي، ومن ثمة في مواجهة الاستيطان الصهيوني منذ ثلاثينيات القرن الفائت، بوسعنا القول أنه تغيرت أشكالها وأساليبها وتنوعت وتعددت، لترسي ما نصطلح عليه بفكر وثقافة المقاومة، من التأسيس إلى الفعل، وقد بذلت أجيالنا الفلسطينية المختلفة في مديات الصراع تضحيات جمة، لتحرير فكرة المقاومة والاستنهاض وتوثب الروح ومقارعة موجات الغزو الصهيوني على الأرض الفلسطينية.

وكان لهذه التجليات طائع ورموز فلسطينية وعربية كرست مفهوم المقاومة وجذرته في الوعي، وسعت طيلة عقود النضال من أن تفكك مفهوم النكبة، على الرغم من آثارها الكبيرة، إذ الخيمة أصبحت هي الخندق وأصبح مفهوم العودة إلى الأرض التي سُلبت ظلماً وعدواناً وقهراً، هو من أكثر المفاهيم تجذراً في الممارسة والوعي، إذ النكبة بعد سبعين عاماً وهي تمر بمنعطفات حرجة وقطوع طاولت مستقبل القضية الفلسطينية برمتها ومستقبل أجيالها، تحولت في ذاكرة المقاومة لتصبح حافزاً على تنمية الوعي بعدالة القضية الفلسطينية، وجدوى مقاومة شعبنا التاريخية، وذلك عبر التاريخ الحديث والمعاصر، انطلاقاً مما أسسته أجيال المقاومين الأوائل، واستمرت به الأجيال الجديدة، وهي من طورت واجترحت غير أسلوب في المقاومة والمواجهة، باتت درساً للقاصي والداني، درساً في استعادة الحقوق بل وتصليب الوعي بها.

وهذا ما وقر في جدليات الصراع الذي لم يكن في يوم من الأيام مختزلاً بما سمي في الاصطلاحات السياسية الزائفة (النزاع الفلسطيني الإسرائيلي)، بل هو أفق المقاومة الذي جعل من مفهوم  الصراع ذاته يتعدى إلى الصراع العربي الصهيوني وآفاقه المفتوحة .

إن ما أسسته المقاومة وعلى امتداد أزمانها المفتوحة، ليعيدنا إلى القول في هذا السياق، بأن ما أسسته النكبة وأصبح في المقابل وعياً جديداً بالمعنى الفردي والجمعي بآن معاً، ومعه تظل النكبة هي الذاكرة الكبرى بتراجيدياتها المعلنة وتواتر فصولها المؤسية، لكنها في المقابل طرحت استحقاقات جدارة الشعب الفلسطيني بحقه وأعادت تأصيل الصراع للوصول إلى الأهداف المنشودة، وهي التي عبرت عنها أدبيات المقاومة في التحرير والعودة، ومن النهر إلى البحر، وفلسطين التاريخية، وباستراتيجيات المقاومة التي بذل فيها شعبنا جُّل أجياله على مذبح حرية فلسطين وتحريرها.

فإذا كانت النكبة حاملة للأسئلة الضرورية، أي بجدوى المقاومة وتفعيلها، واجتراح كل الأساليب الممكنة لهزيمة المشروع الصهيوني، ذلك أن ثقافة العودة والمقاومة، هما الحاملان الضروريان لكل ما يسفر عنه الواقع من الراهن الكفاحي، إلى المستقبل الكفاحي، وبذلك نستعيد كل جسارة الهوية وتأسيسها الفاعل باستحقاق مقاومة على الأرض لاهبة ومستمرة، وإن تعددت عناوينها، فمازال شهود النكبة حاضرون على امتداد هذه الذاكرة، بوصفهم مادتها والحامل لما يسفر عنه الواقع الجديد من الوعي إلى الفعل، ومن صيرورات التاريخ إلى حاضر المقاومة، وابدالاتها في (ثقافة النكبة)، وما سعى إليه الصهاينة من جعلها واقعاً بعينه، إذ إن الصغار لم ينسوا وذاكرة الشهود مازالت حاضرة، ومآثر الشهداء ووصاياهم مازالت ماثلة أمام عين التاريخ، التاريخ الفاعل وليس التاريخ العاطل عن العمل.

عن علي محمد

مدير التحرير