الأحد , 27 مايو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 المشهد الفلسطيني: القضية الفلسطينية.. الحاضر الغائب في قمة الظهران بالسعودية
المشهد الفلسطيني: القضية الفلسطينية.. الحاضر الغائب في قمة الظهران بالسعودية

المشهد الفلسطيني: القضية الفلسطينية.. الحاضر الغائب في قمة الظهران بالسعودية

بقلم: ياسر المصري/ مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد – 716 )

 

في حمأة العواصف التي تجتاح وطننا العربي، عقدت الدورة التاسعة والعشرون للقمة العربية في المملكة العربية السعودية بالظهران، وبحضور إحدى وعشرين دولة، وغياب الدولة العربية الوحيدة (الجمهورية العربية السورية) المؤسسة لجامعة الدول العربية، تحت عنوان (قمة القدس) بتاريخ 15/4/2018، كدورة عادية لمناقشة العديد من الاستحقاقات التي تستهدف الأمة العربية، إضافة إلى جدول أعمال يتضمن العديد من العناوين، التي من المفترض تهدف إلى تطوير العمل المشترك، وكون القدس هي شعار القمة فإن القضية الفلسطينية سوف تستحوذ على اهتمام كبير، وهذه أيضاً مسألة مفترضة، ولكن كما يقولون «المكتوب يقرأ من عنوانه»، لأن جميع تلك النقاط العديدة والكبيرة تم مناقشتها في أقل من يوم واحد، لأنها في نظر أولئك المجتمعين لا تستحق أكثر من ذلك الوقت، فهم مشغولون بقضايا أكثر أهمية مثل الدسائس والمؤامرات وإثارة الخلافات وفي التسابق من أجل تقديم فروض الطاعة والولاء لراعي تلك الأنظمة وحامي عروشها السيد الأميركي ترامب!!.

لقد عُقدت تلك القمة، دون أي ضجيج أو اهتمام من قبل الشعب العربي، وكأنها لم تكن، لأنه اعتبرها منذ وقت طويل في طي النسيان لعدم وجود أي قيمة أو دور لها في حل المشكلات والمعضلات العربية البينية الداخلية أو الخارجية، إضافة إلى أن النظام الرسمي العربي الراهن وتحديداً بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر تخلى عن كل الشعارات والأهداف التي تأسست عليها تلك الجامعة مثل (الأمن القومي العربي، والدفاع العربي المشترك، والتنمية العربية، والتضامن العربي)، وكل ذلك أصبح في خبر كان وحلَّ محله كل ما يمزق الأمة ويفتتها ويزيد من تبعيتها للغرب الاستعماري، وتشويه كل ما هو ناصع ومضيء في هذه الأمة، بل أكثر من ذلك، فإن تلك الجامعة هي التي مهدت لاحتلال العراق، وهي التي جاءت بالناتو إلى ليبيا، وهي التي استحضرت كل قوى الشر ضد سورية، وهي التي تواطأت في الحرب على اليمن، واليوم تستكمل دورها لتكون منصة للهجوم على إيران، الدولة الصديقة للشعب العربي والمناصرة والداعمة للقضية  الفلسطينية.

وهذه الدورة التي حملت الرقم (29) من القمم العربية، جاءت بعد ثلاث وسبعون عاماً على تأسيسها في عام 1945، أي قبل احتلال فلسطين من قبل العصابات الصهيونية بثلاث أعوام، ومازالت القضية الفلسطينية منذ ذلك التاريخ عبارة عن شعارات وخطابات لفظية، فارغة من أي مضمون سياسي أو أي خطوة عملية لها آثارها الإيجابية، ولكن من الإنصاف التاريخي الإشارة إلى الحقبة التي عاصرها الزعيمان الراحلان جمال عبد الناصر وحافظ الأسد، حيث ظهرت بعض الملامح الجدية في تطوير واقع الجامعة العربية وأداءها السياسي، وفي الراهن الحالي لتلك الجامعة فإن معظم النظام الرسمي يحاول جاهداً التخلص من القضية الفلسطينية كيفما كان، ونموذج الموقف من صفقة ترامب ونقل سفارته إلى القدس واضحةٌ تمام الوضوح في التواطؤ والتآمر، إضافة إلى حملات التطبيع العلنية والسرية التي تجري على قدم وساق مع الاحتلال الصهيوني.

وإذا ما عدنا للحديث عن القمة الأخيرة، وتحديداً من الجانب الفلسطيني، فإن الملك سلمان بن عبد العزيز وضع لها اسم (قمة القدس) من أجل ذر الرماد في العيون، والإيحاء بأن المملكة السعودية متمسكة بالقضية الفلسطينية، علماً بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقبل أيام قليلة من انعقاد تلك القمة قد صرح لصحيفة «وول ستريت جورنل» بأن من حق «إسرائيل» الوجود على الأرض الفلسطينية، وهذا صك سعودي جديد قديم بالاعتراف بالحق الصهيوني على أرضنا الفلسطينية، كما أن الملك ذاته كان لديه الرغبة الواضحة بعدم إظهار أي موقف يحوي على إدانة قوية لأميركا (وإسرائيل)، واكتفى فقط بعبارته التي أطلقها في كلمته (نجدد التعبير عن رفضنا واستنكارنا لقرار الإدارة الأميركية المتعلق بالقدس)، لكنه بالمقابل تجاهل حملات التطبيع السعودي الصهيوني، وتجاهل الخطر المحدق بالقضية الفلسطينية جراء صفقة القرن، ومع أنه أكد على أن القضية الفلسطينية هي القضية الأولى، لكن دون تحديد كيف هي قضيته وكيف سيحافظ عليها وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، وكيف سيواجه صفقة القرن، وما هي الخطوات العملية لذلك، بل كل ما قدمه عبارة عن بضعة ملايين قدمت لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ولبرنامج دعم الأوقاف في القدس، لكن المقاومة ودعمها والانتفاضة وتطويرها ساقطة تماماً من ذهن الملك، لأنه غير معني بها وغير آبه بكل ما يتعلق فيها، فهو لا يريد إزعاج أميركا والكيان الصهيوني، لذلك خرجت نتائج تلك القمة منسجمة تماماً مع رغبة ورؤية ذلك الملك.

ومن جهة أخرى وكي (لا نضع الحق على الطليان)، فإن الموقف الفلسطيني لم يكن بأحسن حال، فلقد كانت السلطة كعادتها دون السقف السياسي المطلوب أو على الأقل المتفق عليه ضمن ما يسمى مؤسسات منظمة التحرير (المجلس المركزي) من توجهات وقرارات، بل إن الموقف تجلى بالتمسك بالمفاوضات، وتأكيدها على أنها لم ترفض المفاوضات يوماً، واستجابت لجميع المبادرات التي قدمت لها، ومن جهة أخرى يقول صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، «أن القمة العربية تبنت بالكامل كافة المقترحات الفلسطينية»، علماً بأن المقترحات ليس فيها أي شيء يشير إلى المقاومة أو الانتفاضة أو حتى آليات الرد على السياسات الصهيونية والأميركية، وكل ما خرجت به القمة ببند أكدت من خلاله على بطلان وعدم شرعية القرار الأميركي بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ما هي الآليات والسبل التي من خلالها سوف يتم إبطال ذلك القرار؟ فهل سوف توقف الدول النفطية ضخ البترول إلى أميركا، أم أنها ستسحب أرصدتها من أميركا، أم ستسحب سفراءها وتطرد سفراء الكيان، أم تعلن الحرب على أميركا والكيان الصهيوني؟!!.

بكل الأحوال فإن الشعب الفلسطيني لم يراهن يوماً على جامعة الدول العربية، وعلى معظم النظام الرسمي العربي، لأنه اختبره في العديد من المفاصل السياسية منذ اغتصاب فلسطين، فإن لم يكن حيادياً فهو متواطئ ومتآمر، ليس على فلسطين وحسب بل على أي دولة أو أي قوى عربية ترفع شعار المقاومة ومناهضة الكيان الصهيوني أو أميركا، ودليلنا على ذلك تشويه صورة حزب الله الذي حقق الانتصارات من خلال نعته بصفات غير حقيقية هدفها تهشيم صورة ذلك الحزب المقاوم، والدليل الآخر ما يحاك اليوم من مؤامرات على سورية من  أجل تدميرها واستنزافها بحرب تشغلها عن صراعها الأساسي مع الكيان الصهيوني عبر أدواتها الإرهابية في الداخل من جهة وتشكيل تحالفات إقليمية ودولية لمحاصرة سورية واخضاعها للبرنامج الصهيوني-الأميركي من جهة أخرى.

ولابد من الإشارة في هذا الإطار إلى الحملة المسعورة التي شنت في القمة العربية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية من معظم النظام الرسمي والتي اعتبرها العدو الرئيس بدلاً من الكيان الصهيوني متجاهلاً ما يقوم به ذلك الكيان من قتل وتدمير للشعب الفلسطيني واستباحة للمقدسات الإسلامية والمسيحية، بذريعة تدخلات إيران في الشؤون العربية، مع العلم بأن إيران هي جزء من نسيج المنطقة، وهي الداعمة والمناصرة للحقوق العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتعتبر العدو الصهيوني هو العدو الأول لها التي تعمل على اجتثاثه.

إن تلك القمة بكافة مخرجاتها لا تمثل طموحات الشعب العربي، ولا تعبر عن الموقف الأصيل له، النابع من انتماءه للعروبة والمتمسك بهويته الحضارية، فمعظمه مازال يعتبر فلسطين في وجدانه ومستعد أن يقدم الكثير في سبيل تحريرها، وهذا ليس كلام إنشاء لأنه قدم سابقاً آلاف الشهداء في إطار الصراع مع المشروع الصهيوني، كما أنه يقف إلى جانب سورية العروبة التي مازالت متمسكة بالحق العربي وداعمة للمقاومة لا تساوم أو تهادن على الثوابت القومية والوطنية، والشعب الفلسطيني مازال يرى نفسه في طليعة الشعب العربي في معركة تحرير فلسطين وأن الأمة العربية هي العمق والحاضنة لمقاومته التي سوف تأخذ دورها في يوم من الأيام.

عن علي محمد

مدير التحرير