الأربعاء , 17 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: الأرض.. ذاكرة الآتي
شجون فلسطينية: الأرض.. ذاكرة الآتي

شجون فلسطينية: الأرض.. ذاكرة الآتي

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 715)

من شهداء يوم الأرض الخالد (خير أحمد ياسين، خديجة قاسم شواهنة، رجا حسين أبو ريا، خضر عيد محمود خلايلة، محسن حسن سيد طه، رأفت علي زهيري) إلى شهداء يوم الأرض والعودة، والقافلة تسير وتفتح الطريق إلى الغد، من فلسطين إلى فلسطين والأرض كلها مقاومة، بتنوع أشكالها وتعاظم إرادات شبابها، الذين ما انفكوا أن يكونوا خط دفاعها الأول، يقف التاريخ ليعيد سرد مدونة الأرض وحكاياتها الأولى، حكاياتها المستمرة أبداً، بذلك الثراء الذي تغيرت فيه الشكل والمقام، وظلت الأرواح ترسم خط أفق الحكاية الفلسطينية الكبرى، حينما حمل الشباب راياتهم وتقحموا المسافات كلها، فالعين تقاوم المخرز وتكسره، والحرائق في جسد الكيان تستمر ويعود الشباب، يعودون شهداء محمولين على أكف رفاقهم، ليعود سواهم ويكملون خط الدفاع الأول، فعلى مسرح تاريخهم هم هم، من يبددون ليل المحتل ويهزمون خرافاته، ويبددونه من الهواء ليخرج مدحوراً مهزوماً لا شأن له في أرض ليست له، ولا تاريخ ليس له.

قالت حجارتهم كما قالت أيديهم، إنا هنا المكان، إنا الشهود والشهداء، فمن يجرؤ أن يسرق حجر الشمس، نتقدم الصفوف شهيداً تلو الشهيد، فليس للجدارة أن تُمتدح، بل أن تقيم أعراسها الدموية في فجريات فلسطين ويومياتها.

وقال الشهيد: إني المنذور لهذه الأرض، سأبقى فيها حجراً أو صخراً أو نهراً أو سنديان، لتظل البلاد من أزل الوجود واقفة ومحمولة على النشيد الطالع من عيون الأطفال.

وقال المكان: إني جدارة الآتين الواقفين على حدود الشمس، وهم من يرسمون خط أفقها ويلونون بمشيئة الجسارة اللحظة الفلسطينية المتجددة، ويأخذونها إلى الخلود أبداً.

يشعلون اللحظة كأننا بهم يشعلون قلوبهم ليضيئون عتمة الأزمنة، فلا حيلة للغزاة لئن يمكثون في هذه الأرض أكثر، فالأرض تلفظهم، والأرض جحيمهم.

وقال المرابطون هناك: قد أخذت القدس مقام أرواحنا، هي إسرائنا ومعراجنا، لنقاوم وعلى تلك الصخرة نقشنا كل أسمائنا، لنصعد إليها… فلسطيني قمرنا المُشتى… فلسطين الحلم الذي لا يتبدد، فكم سهرنا في ضوء أجسادنا وأرواحنا لتظل هي عروس الأبجدية لتتم الأرواح دورة خصبها، وتصعد إلى الجهات كلها، تزنر الخارطة بالشمس ورائحة الزيتون، وبالسنابل الطليقة على اتساع النهارات، فلا شيء يثنينا عما استنبته أسلافنا، هي الراية التي نحملها من جيل إلى جيل، لنهزم أعداء الشمس أعداء الإنسان، الآن هنا… الآن هناك، هي مواقيت الجمر، وهي صلوات الحبق والزنزلخت في نسغ شجر، شجر البلاد الكثيف الواقف أبداً في مهرجان النار وفي أزمنة الشوك والملح.

وقال طفل الخريطة: حينما سئل هل خشيت منهم، وهم على مقربة شديدة منك؟ فقال بلهجة الواثق: أنا لا أخشاهم بل هم من يخشوني، وقيل له كيف يخشونك وأنت لا تملك سلاحاً وهم مدججون بكل الأسلحة؟، فقال طفل الخريطة هم جبناء عندما نقترب منهم يبتعدون، هم جبناء جاؤونا من أرض أخرى وليست هذه أرضهم، ويريدون أخذ قدسنا، القدس هي عاصمتنا الأبدية، أريد استرجاع أرضي، أرض أجدادي وآبائي، أرض ذكرياتي، ولو اُستشهدت سأقدر على استرجاعها.

وظل محمد عياش طفل الخريطة، يلهم أجياله بالقدرة والإبداع، فهو كثافة أجيال فلسطين الطالعة من مجمر الحكايات الفلسطينية الكثيفة، كانت دروسه الأولى هناك، ففي فضاء مدرسته المفتوح قال ببساطة: قلمي أصبح الآن حجري، ودفاتري لن تعود معي إلا مخضبة السطور بدمي، تلك أولى دروسي، وبالممحاة سوف أمحو ظلالهم عن أرضي، لتذروها الرياح إلى حيث أتوا من أرض أخرى.

ولن يُغلق كتاب الأرض، فثمة صفحات لن تطوى من الذاكرة إلى الذاكرة، إلى الوجود بالفعل.

 

عن علي محمد

مدير التحرير